🌿 ﷽ [ وَٱتَّقُواْ فِتْنَةً لَّا تُصِيبَنَّ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنكُمْ خَآصَّةً ۖ وَٱعْلَمُوٓاْ أَنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ ] 🌿
✍️ تدراسنا سويةً معنى الفتنة من قبل ۞ ، و تبينّا أنّها جاءت في عدة صور في القرآن الڪريم ، و لكنها جميعا تندرج تحت معنى عام ، و هو وقوع أمر أو حدث يسبب إلتفات الناس أو جزء منهم عن طريق الحق إلى طريق الضلال ، و الله أعلى و أعلم.
✍️ و الفتنة ؛ ڪما توضح لنا الآية الڪريمة ، تصيب الظالمين و المؤمنين على حد سواء وبذلك هي تختلف عن العذاب.
✍️ و الحڪمة من أنّها تصيب الجميع على حد سواء ؛ هو إقامة الحجة يوم القيامة ، فالڪافر يثبت عليه الڪفر ، و المنافق تظهر سريرته ، و المؤمن يثبت على إيمانه ۞ ، و قال الله ﷻ عن ذلك : [ لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلَىٰ بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعًا فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّمَ ۚ أُولَٰئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ ](١).
✍️ أمّا العذاب إذا ما وقع فإنّه يقع على الظالمين و حسب ، و لو تأملنا قصص الأولين لوجدنا هذا جليّ واضح ، بدليل قول الله ﷻ [ فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ ] (٢) ، ڪذلك قوله ﷻ [ وَيُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا بِمَفَازَتِهِمْ لَا يَمَسُّهُمُ السُّوءُ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ] (٣).
✍️ و الفتنة سابقة على العذاب ؛ ڪما بينت لنا قصة فرعون ۞ ، و ذلك أن سبب ظهورها ، هو استباحة حرمات الله سبحانه و انتهاك للمحاذير التي حذر منها و إتّباع الشُبُهات و الشهوات .
✍️ أمّا العذاب فينزّل بسبب الوقوع في الفتنة ، بدليل قول الله ﷻ [ وَإِذَا أَرَدْنَا أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا ] (٤) .
✍️ و تختلف أيضاً الفتنة عن العذاب ، من حيث أنّ للعذاب دلائل و علامات جعلها الله ﷻ له ڪإنذار يُعْرَف منها ، و هذا من رحمة الله تعالى بالنّاس ، و بذلك ينذرهم لآخر لحظة لعلّهم يرجعون.
✍️ أمّا الفتنة لها أسباب و لڪنّها تظهر بغير دلالات ، فلا محل لتبين وقوعها إلا مراجعة النفس ، فإذا ما رجع الناس إلى أنفسهم و تبيٌن لهم أنّهم ينتهڪوا محاذير الله ﷻ عليهم التوبة عنها ، و إلا فعليهم أن ينتظروا ظهور الفتنة .
✍️ و ذلك أنّ الله ﷻ فطر الڪون على أنّ مثل هذه الأفعال و الفواحش يڪون لها رد فعل تلقائي قاسي بقدر سوئها و قد سبق و تدراسنا هذا من قبل ۞ .
✍️ ﷽ [ لَّا تُصِيبَنَّ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنكُمْ خَآصَّةً ۖ ]
✍️ و يحذرنا المولى تبارك وتعالى في هذه الآية الڪريمة من فتنة عامة لا تصيب الظالمين و حسب ، و إنما تصيب معهم الصالحين أيضاً.
✍️ و ذهب أڪثر أهل التفسير لتأويل هذه الآية على الفتنة الكبرى و ما وقع يوم الجمل ، و ڪان ضحيتها عثمان و علي و طلحة و الزبير و الحسن و الحسين رضي الله عنهم أجمعين ، و قد قال عنها الزبير رضي الله عنه : " لقد قرأنا هذه الآية زمانا وما أرانا من أهلها فإذا نحن المعنيون بها " ؛ يعني ما كان يوم الجمل (٥).
✍️ نزلت سورة الأنفال بعد غزوة بدر أيّ في العام ٢ هـ ، و نبأت المؤمنين و حذرتهم الفتنة التي وقعت بعد ذلك بأكثر من ثلاثة عقود ، إذ بدأت باستشهاد عمر بن الخطاب رضي الله عنه ٢٣هـ ۞ ، و تفاقمت بأحداث استشهاد عثمان رضي الله عنه في عام ٣٥ هـ ۞ و استمرت حتى مقتل الحسن بن علي رضي الله عنهما ٤٩ هـ.
✍️ و الحق أقول لڪم ، مهما استذكرت أحداث هذه الفتنة ، ليس في مقدور أحدنا أن يتبين أين ڪانت العلّة أبداً ، جميعهم رضوان الله عليهم ، صحابة أجلاء و لا يطعن في أي منهم إلا جاهل بقدرهم .
✍️ أمواج متتابعة من الفتنة لا تنتهي مهما حاولت منعها ، و لقد استشهد عثمان رضي الله عنه فداء وئد هذه الفتنة و لم تنتهي ، ثم استشهد الزبير و طلحة و علي و من بعدهم الحسين رضوان الله عليهم أجمعين ، و لم تنتهي ، ثم استشهد الحسن رضي الله عنه فداء وئدها و لم تنتهي أيضاً.
✍️ لذلك على المؤمن أن ينأي عن التحدث في مثل هذه الأمور ، قال الله ﷻ : [ تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ ۖ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُم مَّا كَسَبْتُمْ ۖ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ ] (٦) ، فلا طائل أبداً من التفتيش في رماد لا يخبأ تحته إلا نار.
أﺳــتغفرڪ و أتوب إليڪ 🌿
📖 المصادر :-
(١) آية ٣٧ - سورة الأنفال (٢) آية ١٦٥ - سورة الأعراف
(٣) آية ٦١ - سورة الزمر (٤) آية ١٦ - سورة الإسراء
(٥) ١٥٩٠٦ - تفسير الطبري. (٦) آية ١٣٤ - سورة البقرة