الأربعاء، 18 أكتوبر 2023

آية ١٨٦ - سورة البقرة

 🌿 ﷽ [ وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ ۖ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ ۖ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ ] 🌿

✍️ من رحمة الله ﷻ بعباده أن فتح لهم باب الدعاء و أذِن لهم به ، فمن عباده من لا يأذن له و لا يستجب لدعائه ، ڪحال أهل جهنّم و قد قال عنهم المولى تبارك وتعالى: [ قَالُوا فَادْعُوا ۗ وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ ] (١) .

✍️ و الدعاء عبادة بلا أدنى ريب ؛ و قد أمرنا الله ﷻ به في قوله : [ وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ ۚ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ ](٢) ، و ذلك أنّه إقرار من النفس بربوبية الله تعالى خالقها و بارئها ، لذلك تسأله ما تتمنى .

✍️ و من عظيم فضل هذه العبادة ، أنك إذا ما أديتها تؤجر على ذلك و في الوقت ذاته أنت تؤدي عبادة تحقق بها و تطلب بها ما تشاء لنفسك و تشتهي ، فانتهز هذه الفرصة قبل فوات الأوان.

✍️ الأعظم فضلاً من فتح باب الدعاء للعباد ، هو إقرار المولى تبارك وتعالى بإجابة الدعاء حتى من قبل أن ندعو أو نسأل ، و تأمل قوله تعالى : [ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ ۖ  ] .

‼️ و هنا يسألني سائل ، دعوت و لم يستجب لي ، فلماذا !!!

✍️ و لهذا عدّة إحتمالات ، أولها أنّه قد استجيب بالفعل ، و يقدر الله ﷻ لك الأقدار التي تحقق لك مرادك و لڪنّك متعجّل .

✍️ و إذا سألتني و لماذا لا يتحقق في توه و حسب و أنّ الله ﷻ على ڪل شيء قدير ، سأجيبك أن الأمر قد نفذ و تحقق بالفعل في علم الله تعالى ، بينما له حيّز تنفيذ زمنيّ في الدنيا ۞ ، ۞.

✍️ و دعنا نتخيل إذا ما سأل الجميع المولى عز وجل الثراء ، و قد استجاب لهم جميعاً و فجّر لڪل منهم ڪنزاً في الحال ؛ و ذلك على الله تعالى يسير ، فهل من بعد ذلك ﺳــيؤول حال الدنيا إلا للخراب .

✍️ و في تأخر إجابة الدعاء إمتحان للقلوب ، ففي إجابة الدعاء و تسخير ڪل شيء لمعاونتك على تحقيق مرادك ، فيه من الآيات ما لا يخفى على بصير ، و قد بينّا من قبل أنّ من شأن الآيات أنّها ڪما تهدي قد تفتن ۞ .

✍️ الاحتمال الثاني أنّك تتعجل و تدعو بشَرٍّ لنفسك و تحسبه خيراً لها ، و في ذلك قال الله ﷻ: [ وَيَدْعُ الْإِنسَانُ بِالشَّرِّ دُعَاءَهُ بِالْخَيْرِ ۖ وَكَانَ الْإِنسَانُ عَجُولًا ] (٣) ، فمن رحمة الله ﷻ بك أن لا يستجب لك مثل هذا ، و الله يعلم و أنتم لا تعلمون.

✍️ و تعلّم من دعاء الأنبياء صلوات الله عليهم و سلامه ، لم يدعوا أحدهم بجهالة أبداً و إنما يسألون دائماً الله تعالى على علم.

✍️ فمثلاً نوح عليه السلام ، لم يدعو على قومه غيظاً منهم و يأساً في نفسه ، و إنّما ڪان ذلك على علم ؛ قال الله ﷻ [ وَأُوحِيَ إِلَىٰ نُوحٍ أَنَّهُ لَن يُؤْمِنَ مِن قَوْمِكَ إِلَّا مَن قَدْ آمَنَ فَلَا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ ] (٤) هنا دعا عليهم و قال عليه السلام ؛ ﷽ [ وَقَالَ نُوحٌ رَّبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا {٢٦} إِنَّكَ إِن تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلَا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا {٢٧} رَّبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَن دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَلَا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا تَبَارًا ](٥).

✍️ و سليمان عليه السلام إذ دعا ربه على علم ، [ قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَّا يَنبَغِي لِأَحَدٍ مِّن بَعْدِي ۖ إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ ](٦) ، و ڪنّا قد تبينّا سوياً من قبل شدة بلاغة و حڪمة هذا الدعاء ۞.

✍️ الاحتمال الثالث أسلوبك في الدعاء ، و الله لا يحب المعتدين ، يا أخي إن أحدنا يصيغ دباجة إذا ما أراد أن يسأل رئيسه في العمل أو أحد المسئولين مسألة ما ، فترى أنّك تصيغ الدباجة و تفتحها بالمدح و الثناء على صاحب مسألتك و تذڪر و تعد محاسنه ، و مسألتك في الأصل أمر هين من أمور الدنيا .

✍️ فڪيف الحال إذا ما سألت ربّ العالمين ، و ترجوه أن يحقق لك ما استيأست أن تحققه  بنفسك أو بمساعدة الآخرين ، و الدليل أنك تضرعت إليه و لجأت للدعاء.

✍️ الاحتمال الرابع أنّك تدعو دعاء القانط اليؤوس ، الذي لا يحسن الظنّ بربه و يظنّ به غير الحق ، فيدعوه تحصيل حاصل ، فبئس ما يصنع بنفسه ، و لقد ڪنّا تحدثنا سوياً من قبل عن حسن الظنّ بالله تعالى و ضربنا المثل بڪليم الله عليه السلام ، و ڪيف أحسن الظنّ بربه ۞ .

✍️ عليك أنّ تتيقن أنّ الله ﷻ على ڪل شيء قدير ، و أنّ مسألتك و إن عظمت عليك ، فإنّها على الله ﷻ هينة ، و تعلّم ممّا حڪى لك من القصص ڪيف بدّل حال المؤمنين إلى العزة من بعد الهوان ، و ڪيف بدّل حال الظالمين إلى الزوال من بعد القوة.

✍️ الاحتمال الخامس هو أنّك تدعو لمشرك أو ڪافر ؛ بيّن الڪفر بالنسبة لك ، و هذا محرمٌ على المؤمنين بدليل قول الله ﷻ: [ مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَن يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَىٰ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ ](٧).

✍️ و ڪيف لمؤمن أن يؤازر ڪافر و يواليه ضد ربّه ، خاصة بعد ما تبيّن و تيقّن له ڪفره ، إنّ الڪافرين أعداء لله ، و لو ڪان في نفوسهم خيراً لهداهم ؛ أأنتم أعلم أم الله !!

✍️ و سوف نخصص مقالاً عن هذه النقطة تحديداً و نتناولها فيه بتفصيل أڪبر بإذن الله تعالى.

✍️ الاحتمال الأخير و الذي يجب أن يتحراه ڪل منّا ، هو طيب الڪسب ، قال رسول الله ﷺ: " أَيُّها النَّاسُ، إنَّ اللَّهَ طَيِّبٌ لا يَقْبَلُ إلَّا طَيِّبًا، وإنَّ اللَّهَ أمَرَ المُؤْمِنِينَ بما أمَرَ به المُرْسَلِينَ، فقالَ: {يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ} [آية ٥١ - سورة المؤمنون]، وقالَ: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ} [آية ١٧٢ - سورة البقرة] ، ثُمَّ ذَكَرَ الرَّجُلَ يُطِيلُ السَّفَرَ أشْعَثَ أغْبَرَ، يَمُدُّ يَدَيْهِ إلى السَّماءِ، يا رَبِّ، يا رَبِّ، ومَطْعَمُهُ حَرامٌ، ومَشْرَبُهُ حَرامٌ، ومَلْبَسُهُ حَرامٌ، وغُذِيَ بالحَرامِ، فأنَّى يُسْتَجابُ لذلكَ؟!۞

✍️ و هذا لا يعني أنّه يبقى دائماً لا يستجاب له ، بدليل قول الله ﷻ: [ قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا ۚ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ] (٨) ، و لڪن دعائه رهين بتوبته ، و إجابته مشروطة بها ، و من أين له باليقين في الله تعالى و هو يستبيح حرماته و لا يڪسب بالحلال.

✍️ أعتذر منڪم على الإطالة و أسأل الله ﷻ أن يجعلني و إيّاڪم ممّن يستجيب دعائهم و يتقبل منهم ، إنّه وليّ ذلك و القادر عليه .

يتبع ١ / ٢ >>>>

----------------------------------------------------------------------------
📖 المصادر :-
(١) آية ٥٠ - سورة غافر                     (٢) آية ٦٠ - سورة غافر
(٣) آية ١١ - سورة الإسراء                 (٤) آية ٣٦ - سورة هود
(٥) آية ٢٦ : ٢٨ سورة نوح                 (٦) آية ٣٥ - سورة ص
(٧) آية ١١٣ - سورة التوبة                 (٨) آية ٣٥ - سورة الزمر