السبت، 28 فبراير 2026

آية ٥ - سورة إبراهيم

 🌿 ﷽ [ وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَىٰ بِآيَاتِنَا أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَذَكِّرْهُم بِأَيَّامِ اللَّهِ ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ] 🌿

قال المولى عز وجل: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَىٰ بِآيَاتِنَا أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ} أي أنه سبحانه أُرسل موسى مؤيَّدًا بالآيات؛ آياتٍ تُبطل الباطل، وتُقيم الحجة.

ليخرج قومه، وينقلهم من حالٍ إلى حال، وجاءت الظلمات جمعًا لأن طرق الضلال متشعبة وكثيرة، وجاء النور مفردًا لأن الحق واحد لا يتعدد.

والإخراج لا يكون بالآيات والبرهان فقط، بل بالتذكير، وهذا محل قوله تعالى: {وَذَكِّرْهُمْ} لأن التذكير لا يقتصر على استحضار الماضي، بل يشمل التذكير بالغيب الآتي. 

كما في قوله تعالى: {فَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَىٰ تَنفَعُ الْمُؤْمِنِينَ} (١)، وقوله تعالى: {فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنتَ مُذَكِّرٌ} (٢)، فالتذكير بالآخرة هو جوهر دعوة الأنبياء، بشيرًا ونذيرًا.

{وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ}… أهي ماضٍ أم آتٍ؟

والحق أقول لكم، لقد قادني التدبّر إلى أن المقصود أيام الله الآتية لا الماضية.

فالقرآن الكريم يفسّر بعضه بعضًا، ولئن تأملنا قوله تعالى: {قُل لِّلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لَا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ}.(٣)

فهؤلاء لا يرجون — أي لا يتوقعون ولا يخافون — أيامًا لم تقع بعد، إذن فالمعنى المراد هنا بأيام الله، أنها مستقبلية لا محالة. 

وعليه، فـ"أيام الله" -في رأيي والله أعلم- ليست وقائع تاريخية فحسب، بل مراحل تجلّي القدرة الإلهية في الأحداث الكبرى.

وقد تتبعت "أيام الله" في أطوارها الكبرى، ووجدت أن يوم القيامة يومًا واحدًا في حقيقته، لكن له أطوارًا ومشاهد، ولكل طورٍ اسمٌ أو أكثر.

١) يوم القيامة أويوم الحسرة أو يوم الوعيد

٢) يوم البعث أو يوم الخروج أو يوم النشور

٣) يوم الجمع أو يوم التغابن أو يوم الحشر أو يوم التلاق أو يوم التناد

٤) أو يوم الحساب أو يوم الآزفة أو يوم الدين أو يوم الفصل

٥) يوم يقوم الأشهاد

يوم الشهادة العظمى… شهادة الرسل، وشهادة الجوارح، وشهادة الأمم، ويخطر لي أنه يوم شفاعة الشافعين، وإن لم يُسمّه القرآن بذلك نصًّا.

٦) يوم الخلود واستقرار المصير أو يوم المزيد...

وما زاد دهشتي بعد أن أحصيتهم، أنه سبحانه كما بدأ الخلق في ستة أيام… ألا يمكن أن يقضي أطوار الإعادة في ستة أيام كبرى من أيام الله؟

سبحانه وهو القائل : {كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُّعِيدُهُ}(٤)

بدءٌ محكم… وإعادةٌ محكمة، فسبحان من بيده البدء والإعادة، وسبحان من جعل للخلق أطوارًا، وللجزاء أطوارًا، ولكل طورٍ اسمًا يليق بجلاله.

🌿 سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك 🌿

-----------------------------

📚 المراجع:-

(١) آية ٥٥ - سورة الذاريات 

(٢) آية ٢٢ - سورة الغاشية

(٣) آية ١٤ - سورة الجاثية

(٤) آية ١٠٤ - سورة الأنبياء

الجمعة، 27 فبراير 2026

آية ١٢ - سورة الانشقاق

🌿 ﷽ [ وَيَصْلَىٰ سَعِيرًا ] 🌿

✍️ جهنَّم - أجارني الله وإياكم منها - ليست نارًا وحسب، بل حالة! ليست لهبًا عابرًا يُسعَر ثم يخبو، لذلك وصفها المولى عز وجل: { كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا }. (١)

✍️ ليست طارئًا يُضرم كالسُّعار إذا هاج في جسدٍ فينسلخ عن طبيعته، بل سعير! على وزن فعيلٌ، مما يدل على أنه ممتدّ، صفته راسخة، واشتعالٌ بلغ حدّ الثبات.

✍️ وإذا تأملنا الجذر: (س ع ر) سنجد معانيه؛ الاشتعال حين يبلغ منتهاه، الهيجان إذا استقرّ ولم يعد عارضًا.

✍️ ومنه المسعورُ الذي أصابه السعار، والسَّعِرانُ الذي امتلأ بذلك حتى فاض منه... أما السعير؛ فهو الاشتعال ذاته، حين يصير صفة ملازمة!

✍️ إذن حين قال الحق تبارك وتعالى: ﴿ويصلى سعيرًا﴾، لا يعني ذلك أنه سيصلى شرارة، أو يمرّ بلهيبٍ عابر، بل يدخل في مناخٍ من الاشتعال المستمر، كأن النار لم تعد فعلًا يقع، بل واقعًا يُعاش.

✍️ وإذا ما تحرينا الأمر بصورة أعمق، سنجد أنّ جهنّم -والعياذ بالله- دائماً تعبر تمامًا عن هذه الحالة، كما جاء في قوله تعالى: ﴿تكاد تميز من الغيظ(٢)

✍️ فكأن المسألة ليست نارًا تؤدي وظيفة، بل غليانًا بلغ ذروته كالسعار... لا أقصد بصورته البيولوجية، بل في حالته... 

✍️ فالسعار هو خلل بيولوجي يفقد الكائن اتزانه، لذلك المفترس المصاب به يفتك بضحيته لمجرد الفتك بها، وهذا بخلاف الطبيعي حين يهاجم ويفترس بغرض الأكل، لكن اذا شبع فإنه لا يهاجم، أي أنه في حالة السعار يكون أشرس ويهاجم من أجل القتل فقط.

✍️ إذا طبقنا هذا الوصف على سلوك جهنم، لرأينا تطابقًا شديدًا، فالسعير بلوغُ اللهب تمام شدته، واتقادُها على نظام.

✍️ ورغم التشابه من الناحية السلوكية إلا أن الفارق كبير، فالسعار يفتك لأنه مريض، أما السعير يعذب لأنه حق.

✍️ والصورة تبقى مرعبة... لمن يتأمل ثقل اللفظ! فهل جهنم ليس سعارًا عابرًا، بل سعيرًا… ثابتًا، راسخًا، لا يخبو.

🌿 سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك 🌿 

-------------------------------

📚 المراجع:-

(١) آية ٩٧ - سورة الإسراء 

(٢) آية ٨ - سورة المُلك

الجمعة، 6 فبراير 2026

آية ١ : ١٠ - سورة الشمس

🌿 ﷽ [ وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا ۝١ وَالْقَمَرِ إِذَا تَلَاهَا ۝٢ وَالنَّهَارِ إِذَا جَلَّاهَا ۝٣ وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا ۝٤ وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا ۝٥ وَالْأَرْضِ وَمَا طَحَاهَا ۝٦ وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا  ۝٧ فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا ۝٨ قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا ۝٩ وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا ] 🌿

✍️ جاءت هذه الآيات الكريمة في سياق قسمٍ متدرّج، يبدأ بما تُبصره العين، وينتهي بما يُبصر به الإنسان كلَّ شيء.

✍️ فابتدأ القسم بالشمس وضحاها، والقمر إذا تلاها، والنهار إذا جلاها، والليل إذا يغشاها؛ وهي ظواهر كونية يشترك في إدراكها الناس كافة، لا تحتاج إلى برهان ولا إلى تعليم.

✍️ ثم انتقل السياق إلى السماء وما بناها، والأرض وما طحاها؛ وهنا لا يعود الخطاب إلى المشهد، بل إلى البنية التي لولاها ما وُجد المشهد أصلًا.

✍️ فالشمس لا تُرى إلا في سماء، والليل لا يكون إلا على أرض، وما كان للأثر أن يظهر لولا الأصل.

✍️ ثم جاء الانتقال الذي يلفت النظر، ويستوقف المتدبّر: [ وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا ] حيث يبرز التساؤل:

⚡ لماذا لحق ذلك قوله تعالى: [ وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا ۝٧ فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا ] ؟

⚡ ما المعجز في خلق النفس حتى تكون تتمّةً لهذه الآيات العظام؟

✍️ علمًا بأنَّ القرآن الكريم أكَّد على أن خلق السماوات والأرض أكبر من خلق الناس. (١)

✍️ والحقيقة لا تعارض في كتاب الله تعالى ولا اختلاف، حاشاه، ولكن لكل مقام مقال... فسياق سورة الشمس يختلف عن سياق سورة غافر، في أنه ليس سياق مقارنة في العِظم، بل في موضع الابتلاء.

✍️توصلت الدراسات الحديثة إلى أن الإنسان، يتخذ قراره ويصدر سلوكه من اللاوعي، ثم يأتي دور الدماغ بعد ذلك في تبرير السلوك وتحليله.

✍️ وهذا اللاوعي ليس وليد لحظة، بل نابع من تاريخ طويل وتراكمات ممتدة: تجارب، وصفات متوارثة، جينات، ومعانٍ تُستنبط بطرق تختلف من شخص لآخر.

✍️ وهنا تتجلّى دقة اللفظ القرآني، إذ قال: ﴿وَمَا سَوَّاهَا﴾ لا خلقها فحسب، بل سوّاها.... أي أنها بناءٌ متكامل، سلسال طويل معقّد من جينات وصفات متوارثة عبر أجيال متعاقبة.

✍️ ثم قال : ﴿فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَاولم يقل: أو تقواها، لأن النفس البشرية هنا محلّ تقاطع الاثنين، ولا يرث أحدٌ أحدَهما دون الآخر.

✍️ فالفكرة التي تطاردك فجأة وتلحّ عليك، ليست طارئة ولا معزولة، بل نتيجة حتمية لسلسلة طويلة من الصفات الوراثية والتفاعلات الكيميائية والعصبية في دماغك، سواء كانت فجورًا أو تقوى.

✍️ لذلك لم يُسقط القرآن المسؤولية، بل أجّلها إلى موضع آخر، إذ لم يُعلّق الفلاح على الإلهام، ولا على الخِلقة، ولا على التسوية. بل قال سبحانه: [ قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا ۝٩ وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا ]

✍️ فالمؤاخذة ليست على ورود الخاطر، بل على تبنّيه. وليست على وجود الميل، بل على رعايته أو كبحه.

✍️ وهنا يظهر وجه الامتحان، ويتبيّن الفرق بين من يفهم نفسه، ومن يبرّرها.

✍️ فالنفس آية، لا لأنها طاهرة، ولا لأنها مستقيمة، ولا لأنها بسيطة، بل لأنها قابلة، ومُخيَّرة، وأعقد مما يُرى.

🌿 سُبحانك اللهم وبحمدك، نشهد أن لا إله إلا أنت، نستغفرك ونتوب إليك 🌿

-------------------

📚 المراجع

(١)آية ٥٧ - سورة غافر.

الاثنين، 2 فبراير 2026

آية ٥٤ : ٥٦ - سورة النمل

🌿 ﷽ [ وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ وَأَنتُمْ تُبْصِرُونَ ۝٥٤ أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِّن دُونِ النِّسَاءِ ۚ بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ ۝٥٥ ۞ فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَن قَالُوا أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِّن قَرْيَتِكُمْ ۖ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ ] 🌿 

✍️ طالما استوقفني وصف «يَتَطَهَّرُونَ»، فكنت دومًا أتساءل: ما الذي يثير حفيظة هؤلاء من التطهّر حتى يتحوّل عندهم إلى مادةٍ للسخرية والتهكّم؟

✍️ لا سيما أنّ هذا الوصف جاء ردًّا مباشرًا على ما واجههم به نبيهم لوط عليه السلام من إنكارٍ لممارستهم الفاحشة والشذوذ، وكأنهم في خطابهم هذا يقلبون الموازين، ويعكسون الدفّة، فيواجهون الاتهام باتهامٍ مضاد، أو كأنهم يقولون: إن كان ما نفعله نحن فاحشة في نظرك، فإن تطهّرك أنت غير مرغوب فيه في نظرنا.

✍️ وقد قادني هذا المعنى، وأثار فضولي، إلى التساؤل مرارًا: ما شأن هؤلاء مع التطهّر؟ ولماذا صار لديهم مثار استهزاء؟

✍️ إن دقّة القرآن الكريم، التي عهدناها في كل آياته، تحتم علينا التدبّر والتأمّل في كل لفظ، ومع طول بحثٍ وتأمّل، بدت لي الإشارة.

✍️ الحق أقول لكم: إن التمادي في ممارسة هذه الفاحشة يجعل من التطهّر بالنسبة لمعتاديها معضلةً حقيقية؛ إذ إن هذه الممارسة قد تتسبّب في ارتخاء عضلة المستقيم، وعدم قدرتها على أداء وظيفتها على الوجه السليم، مما قد يفضي إلى اضطراب في التحكم الإخراجي، فيقع ذلك على غير إرادة، وتغدو الحاجة إلى التطهّر متكرّرة وشاقّة.

✍️ ومع اختلاف الظروف المناخية، ولا سيما في أيام البرد القارس، يتحوّل التطهّر إلى عبءٍ بالغ المشقّة، ومع الإمعان في هذه الفاحشة، تتجه النفوس بطبيعتها إلى إنكار كل ما يعارضها؛ فيغدو التطهّر في نظرهم أمرًا غير ضروري، بل مكروهًا، ويستحقّ من يداوم عليه التنمّر والسخرية والأذى.

✍️ ومن هنا نفهم تهكّمهم وسخريتهم من لوط عليه السلام وآله، ووصمهم بأنهم مواظبون على التطهّر، لأنهم لا يشاركونهم فاحشتهم ولا يسلكون مسلكهم.

✍️ وربما ما تناقلته بعض الروايات عن فواح رائحتهم، حتى قيل إن القوافل كانت تهتدي إلى مواضعهم بها، يجد تفسيره في هذا السياق؛ فقد حُكي عنهم أنهم كانوا يقطعون الطريق، ثم قيل إن القوافل باتت تتفاداهم، ولو صحّ ذلك، لكانت تلك الرائحة القذرة أثرًا متصوَّرًا لانغماسهم في الفاحشة وتماديهم في الفجور.

🌿 ﺳــبحانڪ آللَّھمے و بحمدڪ ، أشهد أن لآ إلَُـﮧِ إلآ أنت ، أﺳــتغفرڪ و أتوب إليڪ 🌿