🌿 ﷽ [ سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنسَىٰ {٦} إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ ۚ إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ وَمَا يَخْفَىٰ ] 🌿
✍️ [ سَنُقْرِئُكَ ] أي سنعلمك القرآن ؛ فتحفظه و تقرأه و تتلوه على الناس ، و القراءة ڪما بينت لڪم من قبل (١) ، لا يشترط أن تڪون من صحف ، ففي هذا المحل يراد بها التلاوة على مسامع الناس.
✍️ و الحق أقول لڪم إن حفظ النبي ﷺ للقرآن الڪريم في حد ذاته معجزة ، لأنّه ڪان يحفظ ﷺ ما يأتيه به الوحي من أول مرة ، فعن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله [ فَإذا قَرَأْناهُ فاتَّبِعْ قُرْآنَهُ] (القيامة: ١٨) ؛ أنّه قال : " أنْزَلْناهُ فاسْتَمِعْ له [ ثُمَّ إنَّ عليْنا بَيانَهُ ] (القيامة: ١٩) أنْ نُبَيِّنَهُ بلِسانِكَ فَكانَ إذا أتاهُ جِبْرِيلُ أطْرَقَ فإذا ذَهَبَ قَرَأَهُ كما وعَدَهُ اللَّهُ "(٢).
✍️ [ فَلَا تَنسَىٰ ] و هنا قد يسأل سائل ؛ هل هذا النهي من أوامر الڪينونة أي من أوامر التي تقضى بـ "ڪُن فيڪُون" !؟
✍️ و يرد على ذلك بأنّ النهي في الآية الكريمة ليس من أوامر الكينونة ، و دليل ذلك أنّ النبي ﷺ قال : " ولَكِنْ إنَّما أنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ، أنْسَى كما تَنْسَوْنَ " (٣) و كذلك روي عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها أن النبي ﷺ سمع رجلاً يقرأ من الليل فقال : " رحِمَه اللهُ لقد أذكرني كذا وكذا آيةً كنتُ أسقطتُها من سورةِ كذا وكذا " (٤).
✍️ و من ناحية أخرى فإنّ سورة الأعلى سابقة في النزول على سورة القيامة ، فلو كان [فَلَا تَنسَىٰ] أمراً كينوني لعلم بذلك رسول الله ﷺ ، و لو كان رسول الله ﷺ يعلم ذلك من الآية الڪريمة ؛ لما تخوف من النسيان و عجل بتلاوة ما يوحى إليه على مشقة في أثناء نزول الوحي ، كما ذكر في لنا في سورة القيامة في قوله تعالى : [ لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ] (٥).
✍️ إنما النهي في هذا المحل تكليف من الله ﷻ للنبي ﷺ ، و التكاليف تختلف عن الأوامر الكينونة القدرية ، من حيث أنّها تعتمد على حرية إرادة العبد و إختياره بين الطاعة و المعصية لذلك يحاسب عليها و يجزى بها ، أمّا الأوامر الكينونة فهي واقعة و نافذة لا محال .
✍️ و تأمل هذا المثال لتبين الأمر أكثر :-
🌿 قال تعالى [ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ ] (٦) ، هذه مجموعة من التكاليف ، مِن بني إسرائيل مَنْ اختار الطاعة و كثير منهم عصوا و صدفوا عنها.
🌿 قال تعالى [ إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ] (٧) فهذا أمر كينوني وقع بمشيئة الله تعالى ، فهل كان لمريم عليها السلام خيار من هذا الأمر ، قطعاً لا.
✍️ و التكليف هنا يزيد النبي ﷺ شرفاً ، خاصة بعد أن بتنا تعلم أنّ حفظه ﷺ لما ينزل عليه من أول مرة ، كان من اجتهاده ، مرضاة لربه ﷻ و حرصاً على أمر هذا الدين ، لكن لو كان أمر كينوني و مقدر ، ما كان له فيه من اجتهاد أو رفعة لمنزلته ﷺ.
✍️ [ إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ ۚ إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ وَمَا يَخْفَىٰ ] و النسيان نوعين ؛ النوع الأول من فطرة البشر و جبلتهم ، و هذا ما بينت لكم في الفقرة السابقة و كان النبي ﷺ يجتهد فيه ، حتى أنّه كان ﷺ يبلغ من حوله القرآن أثناء نزول الوحي عليه رغم أنه كان يشاقّ في ذلك (٥).
✍️ و النوع الثاني الذي يوضحه لنا الاستثناء في هذه الآية الڪريمة ، [ إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ ۚ ] أي ما شاء المولى أن ينسخ من الآيات (٨) ، فهذا استثناء من [فَلَا تَنسَىٰ] الذي كلف به المولى ﷻ رسوله ﷺ ، لأن ما شاء الله أن ينسخ و ينسى واقع ذلك لا محال.
✍️ [ إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ وَمَا يَخْفَىٰ ] سبحانه ، عالم الغيب والشهادة ، يعلم الجهر من القول و يعلم السر منه و ما أخفى من ذلك ، و قد بينت لكم ذلك بتفصيل أكثر من قبل (٩).
🌿 سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت ، أستغفرك و أتوب إليك 🌿
------------------------------------------------------------
(١) انظر تفسير آية ١ - سورة العلق
(٢) متفق عليه ، اللؤلؤ والمرجان فيما اتفق الشيخان - رقم ٢٥٧
(٣) صحيح البخاري - رقم ٤٠١ ، و أخرجه مسلم في صحيحه برقم ٥٧٢ و لكن باختلاف يسير.
(٤) صحيح البخاري - رقم ٥٠٤٢ ، و أخرجه مسلم في صحيحه برقم ٧٨٨ و لكن باختلاف يسير.
(٥) انظر تفسير آية ١٦ - سورة القيامة