الأربعاء، 29 نوفمبر 2023

آية ١٠٢ - سورة البقرة

🌿 ﷽ [ وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَىٰ مُلْكِ سُلَيْمَانَ ۖ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَٰكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ ۚ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّىٰ يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ ۖ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ ۚ وَمَا هُم بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ ۚ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنفَعُهُمْ ۚ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ ۚ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنفُسَهُمْ ۚ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ ] 🌿 

✍️ نزلت هذه الآية المبارڪة في يهود المدينة حيث ڪانت جماعة منهم يستحلون السحر و يمارسونه .

✍️ فلمّا بعث الله ﷻ رسوله ﷺ بدين الحق ، و عدّد أسماء الأنبياء عليهم السلام أجمعين ، قالت اليهود (١) : انظروا إلى محمد (ﷺ) يخلط الحق بالباطل و يذڪر ابن داود بين الأنبياء يعنون (سليمان بن داود عليهما السلام) .

✍️ فأنزل الله ﷻ هذه الآية الڪريمة تخزيهم و تظهر الحق على أباطيلهم و تبرأ سليمان عليه السلام.

✍️ و بينما تتدبر هذه الآية الڪريمة ، تجد أنّها جامعة لعدّة موضوعات ؛ فهي بادئ الأمر تبين لنا حقيقة ڪبراء اليهود و أحبارهم و أنّهم شياطين الإنس ، و من ناحية ثانية تتناول براءة سليمان عليه السلام ممّا نسب إليه ، و إدانة اليهود في ممارستهم للسحر .

✍️و ڪذلك ترسم لنا ملامح الحقبة الأخيرة لمملڪة إسرائيل و بداية الإضمحلال الأول لها ، ڪما تتناول مسألة السحر من حيث التعريف و خبر هاروت و ماروت ، و أخيراً تخبرنا الآية الڪريمة عن جزاء هؤلاء في الآخرة و أمثالهم .

أولاً ؛ أحبار اليهود شياطين الإنس :

✍️ ﷽ [ وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَىٰ مُلْكِ سُلَيْمَانَ ] ، فأمّا الذين "اتَّبَعوا" فهم عامة القوم من اليهود ، و أمّا الذين "اتُّبِعوا" فهم الشياطين (٢).

✍️ و لفظ "شيطان" هو صفة و ليس جنس ، و هو وصف لڪل من ڪفر بالله تعالى و عتا عن أمره ، فمن الجنّ شياطين و ڪذلك من الإنس شياطين .

✍️ و يبين لنا ذلك قول الله ﷻ [ وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا ۚ وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ ۖ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ ] (٣).

✍️ و ڪما هو جليّ في الآية الڪريمة أنّ الأعمال الخبيثة التي تعمم الفساد و تنشره ؛ ڪمثل هذا الأمر موضوع بحثنا ، يتشارك الوسوسة بها شياطين الإنس والجن .

✍️و أمّا شياطين الجنّ فهم المردة منهم ، و أمّا شياطين الإنس في هذا المحل لا أجدهم إلا ساداتهم و ڪبرائهم ، فهڪذا حال عامة الناس يتبعون ساداتهم و يسندون إليهم أمرهم ، بدليل قول الله ﷻ : [ وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا ] (٤)

ثانياً ؛ السحر و براءة سليمان عليه السلام و إدانة اليهود :

✍️ قال الله ﷻ : [ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ ] و هذه براءة من الله ﷻ لسليمان عليه السلام ممّا اتهموه به من ممارسة السحر ، و لو أنّهم ڪانوا يفقهون لتفڪّروا ؛ ما حاجة سليمان عليه السلام في ممارسة السحر !!

✍️ فمن ناحية سليمان عليه السلام نبي ڪريم ، و طالما أنّ الله ﷻ قد اصطفاه نبياً فهو في منزلة عظيمة و مقام رفيع ، و أنّ مبلغ قلبه من الإيمان أشد ما يڪون ، فڪيف يلجأ عليه السلام أو يستعين بغير الله ، فما بالك أنّه على يقين بأنّه مؤيد بوحي الله ﷻ و نصره ، فما حاجته إذن في السحر أو غيره !! 

✍️ و من ناحية أخرى أنّ الله ﷻ قد أنعم عليه و سخر له الرياح و حشر له جنوده من الإنس و الجنّ و الحيوانات و الطيور ؛ يأتمرون بأمره ، أضف إلى ذلك علمه التام بمنطقهم ، و إسالة عين القطر له .

✍️ كل هذه النعم ثابتة له في القرآن الڪريم (٥) ، و ثابتة في ڪتبهم (٦) ، فما حاجة سليمان عليه السلام للسحر أو غيره و تحت إمرته و سلطانه ڪل ما ذڪرنا.

✍️ و قد دفعهم عجز ألبابهم و خبث نفوسهم و هيأ إليهم أنّ بالسحر و بمعاونة الجنّ يتحقق ڪل هذا ، و شقّ عليهم أن يؤمنوا أنّ الله القادر على ڪل شيء هو وحده الذي مَنّ على نبيه بهذه النعم و جعل له هذا السلطان ، سبحانه و تعالى عمّا يشرڪون. 

✍️ أمّا اليهود فممارستهم للسحر أو جماعة منهم ، فثابتة في القرآن الڪريم؛ ڪما في الآية الڪريمة محل بحثنا ، و أيضاً ثابتة في السنّة النبوية الشريفة (٧) ، و ڪذلك ثابتة في ڪتبهم أيضاً (٨) ، و هذا محل قوله ﷻ : [ وَلَٰكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا ].

ثالثاً ؛ فناء المملكة الأولى :

✍️ ممّا لاشك فيه أنّ ملك سليمان عليه السلام استمد قوته و هيبته العظيمة بين الأمم من نعم الله ﷻ التي تحدثنا عنها ، و ڪما جاء في قول الله ﷻ [ ارْجِعْ إِلَيْهِمْ فَلَنَأْتِيَنَّهُم بِجُنُودٍ لَّا قِبَلَ لَهُم بِهَا وَلَنُخْرِجَنَّهُم مِّنْهَا أَذِلَّةً وَهُمْ صَاغِرُونَ ] (٩)

✍️ و لولا دعاء سليمان عليه السلام على علم و حڪمة لڪان هذا السلطان العظيم إرثاً لبني إسرائيل من بعده ، و قد بينت لكم هذا من قبل و مدى خطورته في بحث مستقل ۞.

✍️ و ضياع هذا السلطان من أيديهم بعد موت سليمان عليه السلام ، ڪان دافعهم لارتڪاب هذه الحماقة و ممارسة السحر ، ظانّين أنّهم بذلك سيڪون لهم سلطاناً على الجنّ مثل ما ڪان لسليمان عليه السلام.

✍️ و قطعاّ خاب ظنّهم ، لأنّ هذا السلطان لا يتحقق بالسحر و لا بغيره ، فما لأحد من سلطان إلا بأمر الله ﷻ و إذنه ، و ڪان أمر الله ﷻ و قضائه هو إيجاب دعوة سليمان عليه السلام .

✍️و من ناحية أخرى ما لا يتصور أبداً أن يعلمك الجنّ الطريقة التي تمڪنك منه و من تسخيره ، خاصة أنّهم ڪانوا قد تنفسوا الصعداء بعد موت سليمان عليه السلام ، لخلاصهم من سلطانه عليهم ، و دليل ذلك قول الله ﷻ [ فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ مَا دَلَّهُمْ عَلَىٰ مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ تَأْكُلُ مِنسَأَتَهُ ۖ فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَن لَّوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ ] (١٠)

✍️ و ڪان من عواقب دعاء سليمان عليه السلام أيضاً ، زوال مملڪة بني إسرائيل ذاتها ، و الذي بدأ بالفعل مع موته عليه السلام.

✍️ حيث انقسمت المملڪة إلى مملڪتين ، إسرائىل في الشمال و يهوذا في الجنوب (١١) ، و على إثر هذا الإنقسام لم تصمد أي من المملڪتين أمام الغزو الآشوري.

رابعاً ؛ السحر و خبر هاروت و ماروت :

✍️ و السّحْر لغوياً يعني اختلاط الحق بالباطل لدرجة يصعب التفريق بينهما ، و أصل لفظه مأخوذ من وقت السّحَر ، لأنّ فيه يختلط الليل بالنّهار ، فيصعب على الرائي التمييز بينهما بغير معرفة مسبقة للوقت.

✍️ [ يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ ۚ ] ، و توضح لنا الآية الڪريمة نوعين من السحر ؛ الأول [ يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ] و يراد به هاهنا سحر الأعين و التخييل ، و قال عنه الله ﷻ : [ قَالَ بَلْ أَلْقُوا ۖ فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِن سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَىٰ ] (١٢) و ڪذلك قوله تعالى: [ قَالَ أَلْقُوا ۖ فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ ] (١٣)  ، و أيضاً قوله سبحانه و تعالى [ لَقَالُوا إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَّسْحُورُونَ ] (١٤) ، و هذا هو المعنى العام الشائع ، و هذا النوع يعتمد على مهارة خفة اليد و المؤثرات الضوئية و الخدع البصرية.

✍️ أمّا النوع الثاني [ وَمَا أُنزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ ۚ ] ، و "ما" هنا أداة وصل بمعنى الذي ، و هذا هو سحر الأعمال و يڪون بمعاونة الجنّ ، بقصد الإيذاء و المرض و التفريق بين الرجل و زوجته ، و ڪذلك التڪهّن و التنجيم .

✍️و ڪل هذا في مقدور الجنّ ، فعن قدرتهم على الإيذاء و المرض قال الله ﷻ: [ وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ إِذْ نَادَىٰ رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ ] (١٥) ، و سحر للنبي ﷺ فمرض (١٦) ، و التفريق بين الرجل و امرأته في الأصل من أعمال الشياطين المحببة لإبليس لعنه الله ، و قد دلّت السُّنّة الشريفة على ذلك (١٧) .

✍️ و ڪذلك التنجيم و التڪهّن ، و ذلك أنّ الجنّ ڪانوا يسترقون السمع من السماء ، و ينزلون بما سمعوا فيزيدون عليه ألف ڪذبة ، و عنهم قال الله ﷻ [ وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ ۖ فَمَن يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَّصَدًا ] (١٨) ، و يعجبني قولاً مأثوراً للعرب ؛ " ڪذب المنجمون و لو صدفوا " أي حتى لو صادف ما يقولوا الحق فإنهم كاذبون .

✍️ و طالما أنّ هذا ڪلّه في مقدور الجنّ ، و أنّ شياطين الإنس و الجنّ يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غروراً ، فإنّ السؤال الذي يتبادر لأذهاننا ما الحڪمة من تنزيل ذلك على الملڪين ؟!

✍️ و الملَڪين بفتح اللام مثنى ملَك ، إذن فهم من جنس الملائڪة ، و أمّا الملِڪين فقد وردت في قراءة شاذة لذلك لا يصح الاعتماد عليها في تدبر الآية الڪريمة .

✍️ و من الملائڪة رسل لله ﷻ إلى عباده ، و قد دلّ على ذلك قول الله ﷻ [ اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ ۚ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ ] (١٩) ، و قوله تعالى [ الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ مَّثْنَىٰ وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ ۚ يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ](٢٠).

✍️ فسبحانه أنزل الملائڪة وحياً لأنبياء بني آدم عليهم السلام أجمعين ، و أنزلوا لغير الأنبياء ڪما أنزل جبريل لمريم أم المسيح عليهم السلام جميعاً ، و ڪما أنزل ملڪين قوم لوط إليهم بالعذاب ، و جبريل عليه السلام فقد رآه الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين غير مرة في هيئة دحية رضي الله عنه و غيره.

✍️ و هاروت و ماروت ليسا استثناء من هذه القاعدة ، هما آيتان من آيات الله ﷻ ، أنزلهما بالحق ، و لڪن ڪما ذڪرت لڪم من قبل ۞ إنّ الآيات يهدي بها الله ﷻ من يشاء و يضل من يشاء ، و هڪذا ڪان حال آية نزول هاروت و ماروت.

✍️ و ڪذلك خبر قصتهما هو فتنة ، و ينطبق عليها قول الله تعالى [هُوَ الَّذِي أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ ۖ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ ۗ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ ۗ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا ۗ وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ] (٢١)

✍️ ڪل ما جاء في خبرهما ممّا رواه ڪعب الأحبار من الإسرائيليات (٢٢) ، و لم يرفع خبر واحد إلى النبي ﷺ ، فلا طائل من البحث عن تفاصيل القصة ، و الأولى بالمسلم أن يهتم بتعلم شئون دينه من موجبات و محظورات ، و لو أنّ في خبرهما نفع لنا لأخبرنا الله تعالى به.

✍️ و نزول هاروت و ماروت ڪان دحضاً لحجة الڪافرين ، فأقام الحجة أنّ الله ﷻ لا يعجزه شئ في الأرض و لا في السماء ، و لو شاء سبحانه أن ينزل الملائڪة لأنزلهم و ڪم من ڪافر تجبر و ڪذب الرسل و ڪانت حجته أنّه لو شاء الله لأنزل ملائڪة ، ڪما قال فرعون لموسى [ فَلَوْلَا أُلْقِيَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مِّن ذَهَبٍ أَوْ جَاءَ مَعَهُ الْمَلَائِكَةُ مُقْتَرِنِينَ ] (٢٣) ، و ملة الڪفر واحدة ، جميعهم ڪانوا على ذات القول تشابهت قلوبهم ، فڪما قال فرعون لموسى عليه السلام ، قال ڪفّار قريش للنبي ﷺ [ وَقَالُوا لَوْلَا أُنزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ ۖ وَلَوْ أَنزَلْنَا مَلَكًا لَّقُضِيَ الْأَمْرُ ثُمَّ لَا يُنظَرُونَ ] (٢٤).

✍️ و فتنة هاروت و ماروت لو أنّها ڪانت جلية واضحة للناس ما أتوها ، و لڪن و رغم أنهما ڪانا يقولا أنهما فتنة ڪما وضحت لنا الآية الڪريمة [ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّىٰ يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ ۖ ] ، إلا أنّ كثيراً من الناس اركسوا في هذه الفتنة.

✍️ و الظاهر من نسق الآيات أنهم تعلموا منهما ما أساؤوا  استعماله و استخدموه في الأعمال الخبيثة و ليس السحر بطريقة مباشرة ، و تأمل [ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ ۚ ] ، "ما يفرقون به" ، أيّ باستخدامه ، و علم الملڪين المسبق بذلك هو ما جعلهما يحذران ڪل من يتعلم منهما من الڪفر ، فدل ذلك على أنّ السحر ڪفر.

خامساً ؛ عاقبة السحر و الكفر :

✍️ و دائماً ما تڪون عاقبة الذين أساؤوا السوء بلا أدنى ريب ، لقد اقترف بنوا إسرائيل هذه الخطيئة ، فهل بقى من ملڪهم آنذاك شئ !؟ ألم يشردوا بعد ذلك و ذاقوا الهوان و الذل في سبي بابل ؟!

✍️ و تعلمنا الآية الڪريمة حڪمة بالغة في قوله ﷻ [ وَمَا هُم بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ ۚ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنفَعُهُمْ ۚ  ] ، طالما أنّ ڪل أمر واقع هو بإذن الله سبحانه ، فما فائدة السحر الذي يمارسون !؟ و من يضمن لك أن هذا العمل الخبيث الذي أعددت واقع بمن تريد و مصيبه !؟

✍️إن ما يتعلموا و يتوارثوا تعليمه يضرهم و لا ينفعهم ، فقال الله ﷻ [ وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِّنَ الْإِنسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِّنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا ](٢٥) ، و ذلك لأنه ڪفر ، و لڪل فعل رد فعل ، هڪذا فطر الله ﷻ ڪونه و قد تناولت معڪم هذا في بحث سابق ۞ .

✍️ و تجد دائماً أن النوائب تنزل بالسحرة في حياتهم ، لذلك قال عنهم المولى ﷻ [ وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ مَا صَنَعُوا ۖ إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ ۖ وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَىٰ ] (٢٦) ، بالإضافة إلى سوء الخاتمة و التي غالباً ما تڪون إمّا بالجنون أو الانتحار و قتل النفس .

✍️ و من عواقب السحر و انتشاره خروج الدجال الملعون ؛ فطالما أنّ السحر مباح و منتشر فڪيف لا يؤمن حينها الناس للساحر الأڪبر ، و قد تدراسنا من قبل مدى خطورة و شدة فتنته ۞ ۞

✍️ [ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ ۚ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنفُسَهُمْ ۚ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ ] لقد خلقنا الله ﷻ لنعبده و نستعين به ، و السحرة يسألون العون غيره عن عمد و قصد ، فهل يڪون لهم في الآخرة من خلاق و نصيب.

🌿 ﺳــبحانڪ آللَّھمے و بحمدڪ ، أشهد أن لآ إلَُـﮧِ إلآ أنت ، أﺳــتغفرڪ و أتوب إليڪ 🌿

------------------------------------------------------------

📖 المراجع :-

(١) تفسير الطبري (١٦٦٦)

(٢) صحيح علماء الأمّة (١٥٠٠٠١٢)

(٣) آية ١١٢ - الأنعام               (٤) آية ٦٧ - الأحزاب 

(٥) آية ٨١ - الأنبياء / آية ١٦ : ٤٤ - النمل / آية ١٢ : ١٣ - سبأ / آية ٣٠ : ٤٠ - ص

(٦) التناخ ٤ : ٣٤ سفر الملوك الأول ، و تفسيره في التلمود البابلي ( ٤١ - سفر سوتاه / ٦٨ - سفر جتين / ١٢ : ٣٤ سفر مدراش رباه للتكوين)

(٧) صحيح علماء الأمّة (١٤٠٠٠١٤)

(٨) ثابت في كتب القبالة ( كالباهير (الباهر)، سيفير رازيل هاملخ (كتاب رازئيل الملك)، والزوهار وهو الكتاب الاساسي في تفاسيرهم ) ، و مفهوم القبالة عند اليهود أنها التفاسير الروحانية و الباطنية للحياة و الكون.

(٩) آية ٣٧ - النمل                 (١٠) آية ١٤- سبأ

(١١) موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية للمسيري ص٤١٤

(١٢) آية ٦٦ - طه                (١٣) آية ١١٦ - الأعراف

(١٤) آية ١٥ - الحجر            (١٥) آية ٤١ - ص

(١٦) صحيح علماء الأمّة (١٤٠٠٠١٤)

(١٧) صحيح علماء الأمّة (١٦٠٠٠١٣)

(١٨) آية ٩ - الجن               (١٩) آية ٧٥ - الحج

(٢٠) آية ١ - فاطر               (٢١) آية ٧ - آل عمران    

(٢٢) التلمود البابلي ٣ : ٧ سفر ميدراش      

(٢٣) آية ٥٣ - الزخرف.       (٢٤) آية ٨ - الأنفال

(٢٥) آية ٦ - الجن.             (٢٦) آية ٦٨ - طه

الثلاثاء، 21 نوفمبر 2023

آية ٦ : ٨ - سورة الزلزلة

 🌿 ﷽ [ يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا لِّيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ {٦} فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ {٧} وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ ] 🌿 

✍️ حفظتها صغيراً ، و رددتها ڪثيراً ، و لمّا استوعبها فؤادي ، أرعبتني ڪثيراً ، فيا لهول ما سألاقيه !!!

✍️ بمجرد أن أتخيل أنّ ڪل ذرة من أعمالي خيراً ڪانت أو شراً سوف أراها و أحاسب بها !! و أتخيل أنّ مصيري الأبدي السرمدي معلق بحال ڪل ذرة من أعمالي و التي يعجزني أن أحصيها من الأساس !!

✍️ الذرّة ؛ ڪما هي معلومة لنا ، تڪون متناهية الصغر ، فلا تُرى بالعين المجردة ، و يساعدك على تخيل مدى تضاؤلها ، أن تعرف أنّ من ائتلاف الذرّات يتڪون الجزئ ، و من اجتماع الجزيئات تتڪون المادة ، و من ترڪب المواد تتڪون الخلايا و منها الأنسجة والتي منها الأعضاء ثمّ الأجهزة ثمّ الأجسام و هڪذا.

✍️ قد يستخف البعض و يقولون ڪيف لمثل هذه الذرّة المتناهية الصغر أن تحدد مصائرنا ، انظر إليهم ڪيف يستهينوا بالذرّة ، التى ڪانت منها نشأة الڪون !!

✍️ و حتى تتيقن إنّ مثقال ذرة تحدد مصائر العباد يوم الدين ، تأمل معي هذا الحديث النبوي الشريف ، فعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال ، قال رسول الله ﷺ : " لا يدخل الجنة من ڪان في قلبه مثقال ذرّة من ڪبر و لا يدخل النار من ڪان في قلبه مثقال ذرّة من إيمان"۞.

✍️ تلك هي القاعدة العامة الأساسية للحساب يوم الدين ، و لڪن لڪل قاعدة عامة استثناءات ، فيستثنى منها أولاً التائبون عن الذنوب ، و عنهم قال الله ﷻ [ وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَٰهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ ۚ وَمَن يَفْعَلْ ذَٰلِكَ يَلْقَ أَثَامًا {٦٨} يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا {٦٩} إِلَّا مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَٰئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ ۗ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا ] (١).

✍️ [ وَمَن يَفْعَلْ ذَٰلِكَ يَلْقَ أَثَامًا ] أي من يصرّ على هذه الفواحش و لا يتوب عنها ، أمّا من يتوب و يرجع عن إقتراف هذه الآثام فقد استثناه الله ﷻ من العذاب ، و تفضّل عليه [ فَأُولَٰئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ ۗ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا ] .

✍️ و يڪفر الله ﷻ عن عباده المؤمنين ، ما ڪن من سيئاتهم بالابتلاء ، و بذلك فإن مثاقيل ذرات الشر يراها في الدنيا ، و عن ذلك قال ابن الجوزي رحمه الله : " لولا الابتلاء لأتينا يوم القيامة مفاليس ".

✍️ ثانياً يستثنى منها فاعلوا الخير من غير المسلمين ، و ذلك لقول الله ﷻ [ إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ ۗ ](٢) ؛ و قوله ﷻ [ وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ ](٣) ، هذا قولاً واحداً لا جدال فيه ، و لو أنّه يُقبل غير الإسلام ديناً ما بعث الله ﷻ محمداً ﷺ إلى الأمم ڪافة ، لذلك فإنّ أفعال هؤلاء من الخير يُجزون بها في الدنيا. 

✍️ و عن هؤلاء قال  الله ﷻ [ مَن كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ ](٤) ، و لو أنّه ڪن يريد الآخرة لآمن بخاتم المرسلين محمد ﷺ ، و لو أنّه ڪان يريد الآخرة لڪان خيراً له .

✍️ الخلاصة أن لا تستهن بذنب ؛ و إن صغر ، فيهلڪك ، و أعلم أنّ الله محاسبك بڪل ذرة منه ، فسارع إلى التوبة و الإقلاع عن ما يغضب الله ﷻ ، و لا تستيأس من عمل صالح و إن قل ، ففي شق التمرة مثاقيل ذر من خير ڪثيرة.

🌿 ﺳــبحانڪ آللَّھمے و بحمدڪ ، أشهد أن لآ إلَُـﮧِ إلآ أنت ، أﺳــتغفرڪ و أتوب إليڪ 🌿 

---------------------------------------------------------------
📖 المراجع :-
(١) آية ٦٨ : ٧٠ سورة الفرقان
(٢) آية ١٩ سورة آل عمران
(٣) آية ٨٥ سورة آل عمران
(٤) آية ١٥ سورة هود

الأربعاء، 8 نوفمبر 2023

آية ٤٧ - سورة البقرة

 🌿 ﷽ [ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ ] 🌿 

✍️ قال أهل التفسير (١) في قوله [ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ ] ؛ و ذلك بأنّ النبوة ڪانت فيهم و الڪتب التي أنزلت عليهم ، [ عَلَى الْعَالَمِينَ ] ؛ قلت : " و نزلت العالمين معرّفة بـ (ال) تفيد التحديد و التخصيص ، أيّ على أهل و عالم زمانهم ، بمختلف حضاراته آنذاك".

✍️ و هذا تأويل صحيح إن شاء الله ، و به يستقيم المعنى مع قول الله ﷻ [ كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ۗ ] ، قلت : " و تعبير [ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ ] يبين عموم الفضل على الإطلاق ، و يراد به خير أمّة بين أظهر النّاس جميعاً و على مر الأزمنة". 

✍️ و قد ذڪرت لڪم من قبل ۞ ڪيف ڪان عظيم فضل الله ﷻ على إبراهيم عليه السلام و بارك في ذرية ابنيه عليهما السلام ، و ڪيف تفضل على ڪل منهما و قسم البرڪة بينهما بالحق.

✍️ لڪن للأسف بني إسرائيل لا يعترفون بهذه القسمة ، بل أنّهم يحتڪرون جميع فضل الله ﷻ " معاذ الله " لأنفسهم من دون الناس. 

✍️ و هذا جليّ واضح في طريقة تأريخهم للقصة ، فإذا قرأت في ذلك (٢) ستخلص أنّ تسلسل الأحداث يتمرڪز حول محور و يتبلور حول فڪرة واحدة أساسية ، و هي أنّهم الشعب المختار و الجنس الأرقى و العرق الأنقى .

✍️ و من أجل ذلك تُطوِّع العقيدة اليهودية ڪافة الأحداث أو بالأحرى ترويها بطريقة تحقق هذه الفڪرة .

✍️ فالطوفان العظيم مثلاً ، لا تفسّره العقيدة اليهودية بأنّه عقاب من الله على ڪفر الناس و إفسادهم في الأرض ، و إنّما ڪانت تفسّره بأنّه في الأصل تطهيرٌ للأرض من خلط الأنساب و التهجين ، و الذي تسبب في ظهور العمالقة الذين نشروا الفساد .

✍️ و العمالقة في معتقدهم و ترجماتهم هم نتاج زواج الإنس من الملائڪة "معاذ الله" (٣).

✍️ و بذلك تفسّر العقيدة اليهودية حادثة الطوفان العظيم ، بأنّها تطهير للأرض و ليس عقاب من الربّ ﷻ ، و أنً إهلاك من فيها ، ڪان يرنو في الأساس إلى نجاة و اصطفاء البشر النقي المتمثل في شخص نوح عليه السلام و ذريته.

✍️ و قد رجعوا عن هذا التأويل مؤخراً ، بعد أنّ لاقى انتقادات ڪبيرة من حيث منطقه ، و ڪذلك واجه إتهامات كثيرة بنقله عن الكتابات المسمارية للحضارة السومرية.

✍️ و بالنسبة لميلاد أو نشأة هذه الأمّة ؛ و التي تُعرف بحقبة الآباء و القضاة ، و تبدأ بقصة خليل الله إبراهيم و ابن أخيه لوط عليهما السلام .

✍️و لمّا ڪُذّب إبراهيم عليه السلام هاجر و زوجته سارة إلى مصر ، و هاجر لوط عليه السلام إلى سدوم .

✍️ و بعد عودته من مصر تزوج إبراهيم عليه السلام من هاجر المصرية التي أهداها له الفرعون ، و أنجب منها إسماعيل عليه السلام ( ابنه البڪر و الوحيد آنذاك ).

✍️ ثمّ هاجر بإسماعيل و أمّه عليهم السلام جميعاً ، و ترڪهما في صحراء وادي فاران .

✍️ و تبرر العقيدة اليهودية هذا التصرف ، بأنّه ليس إلا محاولة لإرضاء سارة بعد أنّ أحست بالغيرة من هاجر ، و قطعاً هذا تفسير معيب يشوبه نقص ، و لا يليق بالنبي الڪريم عليه السلام ، و ڪنت قد وضحت لڪم الصحيح فيه من قبل۞

✍️ لا يعظّم اليهود نبي الله إبراهيم عليه السلام ڪما ينبغي و يليق به ، فلا يقدرونه حقّ قدره ۞ ، و لا يعتبرونه من أنقياء الدم ، و ذلك لأنّه في نظرهم خلط دمه بالمصريين لمّا تزوج هاجر و أنجب منها.

✍️ و لا أدري ڪيف يعيبون بهذا على نبي ڪريم ، فلو سلّمنا بأنّ ذريته منها مختلطون الدم ، فلماذا يشوبه هو ذلك !!؟

✍️ و الحق أقول لڪم ، إنّ هذه النظرة العنصرية مغلوطة من أساسها ، فطالما و بحسب تفسيرهم للطوفان العظيم ، أنّ جميع الأمم بعد الطوفان هي من ذرية نوح عليه السلام و الذي هو نقيّ الدم ، إذن فڪل من في الأرض بالتبعية أنقياء الدم ، من مصريين و غيرهم.

✍️ و لذلك في هذا المنعطف بدأ الڪتبة ينتهجون منهجاً آخر ، يبرروا به فڪرة الشعب المختار ، و تمثّله عقيدة التوحيد ، فبحسب روايتهم  تحولت ذرية نوح عليه السلام للشرك بالله ما عدا هم و أصولهم.

✍️ و لڪنّ هذا أيضاً يؤخذ عليه مأخذاً ، فطالما أنّ العبرة في الأفضلية هي توحيد الله تعالى ، و أنّها غاية الأمر و خلاصته ، فإنّ هذا ينفي منطق تفسيرهم طوفان نوح عليه السلام ، باصطفائه لنقاء دمّه ، و أنّ فڪرة نقاء الدم هذه ليس لها صحة من الأساس ، و ڪذلك يوجب عليهم الاعتراف لڪل موحد مثلهم بهذا الفضل .

✍️ ثمّ بعد ذلك أنجب إبراهيم من سارة إسحاق عليهم السلام جميعاً ، و سمي بهذا الاسم لأنّها ضحڪت لما بشرهما الملڪان بمولده ، و لقد تزامن ميلاد إسحاق ، مع هلاك القرية التي ڪانت تعمل الخبائث ؛ سدوم ، قوم لوط عليهما السلام.

✍️ و لڪن هذا قطعاً لا يڪفي بالنسبة لهم تڪريماً لإسحاق عليه السلام ، و ذلك لأنّه الأب الأڪبر للشعب المختار ، فيجب أن تڪون ڪافة الأحداث متمرڪزة حوله الآن ، لذا نجد أنّ العقيدة اليهودية تروي حادثة الذبح عنه و ليس عن إسماعيل عليهما السلام (٤).

✍️ و هذه مغالطة ڪبيرة تنافي الحق و العقل و المنطق ، فإنّ البلاء ڪان أشدّه على إبراهيم عليه السلام ، لأنه يتمثل في ذبح ابنه بڪره وحيده الذي أنجبه على الڪبر ، و هذا لا يتحقق إلا في إسماعيل عليه السلام ، و إلا فإنّ البلاء سيڪون أهون.

✍️ لذلك نزعوا فضل البڪارة من إسماعيل عليه السلام ، لأنّه ليس نقي الدم ، ثمّ نسبوها لإسحاق عليه السلام ، و تغير مبرر الذبح من البلاء إلى التضحية .

✍️ فلو أنّ الڪاتب سلّم بتفسير الواقعة على أساس أنّه إبتلاء ؛ ڪان لزاماً عليه الاعتراف بأنّ واقعة الذبح ڪانت عن إسماعيل عليه السلام ، لأنّه من ينطبق عليه شرط الإبتلاء ڪما بينّا.

✍️ و الإبتلاء يمتحن الله ﷻ به قلوب عباده ، و تقام به الحجج يوم الدين ڪما ذڪرت لڪم من قبل ۞ ، أمّا التضحية يلزم لتقديمها مبرر .

✍️ و لو أنّهم نسبوا الفضل لأهله لكان خيراً لهم ، و لو تفكّروا قليلاً لوجدوا أنّ فضل ميلاد إسحاق عليه السلام أعظم من تدليسهم ، فميلاده عليه السلام كان مكافئة لصبر إبراهيم عليه السلام على الإبتلاء العظيم.

✍️ و أيّ فضل أعظم من أن تكون مكافئة الله ﷻ ، ألا يدل هذا على عظيم قدره عليه السلام عند الله ﷻ !!

✍️ و قد بررت العقيدة اليهودية هذه التضحية بخطيئة آدم عليه السلام ، لمّا أڪل من الشجرة ، و ذلك على إعتبار أننا ورثنا عنه هذه الخطيئة ، و قد ڪانت هذه الفڪرة هي المهد الذي نشأت على بطائنه العقيدة المسيحية .

✍️ و هنا نجد أيضاً مغالطة ڪبيرة ، فأولاً ؛ آدم عليه السلام استغفر على ما ڪان منه و قد غفر الله ﷻ له ذلك ۞ ، ثانياً لا تزر وازرة وزر أخرى ، و ڪيف نحاسب نحن و آدم عليه السلام هو الذي أڪل من الشجرة ، إنّما الحقّ أنّه هو من سئل عن ذلك عليه السلام.

✍️ ثالثاً لقد ابتُلي آدم عليه السلام و أُخرج من الجنّة إلى هذه الحياة الدنيا ، و بذلك إمتحنه الله ﷻ أن يعود لمثل هذا .

✍️ و نحن ( أعني بني آدم ) ولدنا و ينطبق علينا هذا الإمتحان بالفعل ، أم أننا سنجزى بأڪثر من الذي جُزي به من اقترف الخطأ ، أعتقد أنّ هذا منافي للمنطق السليم.

✍️ و تستمر روايتهم بتزوج إسماعيل عليه السلام من الأعراب ، فڪانت من ذريته العرب المستعربة ، و تزوج إسحاق عليه السلام ، فوهبه الله تعالى عيسو (عيسى) و يعقوب عليه السلام ، و ڪذلك إسحاق عليه السلام لا يعظمونه ڪما ينبغي و يليق به.

✍️ فلا يقدرونه قدره ، و مبررهم أنّه أنجب عيسو الذي خلط دمه و تزوج من بنات الڪنعانيين و بنات إسماعيل ، و لا أريد أن أڪرر ما قلته سابقاً ، لڪن الملاحظة التي ذڪرت عن تقديرهم لإبراهيم عليه السلام هي ذاتها هاهنا.

✍️ أمّا يعقوب عليه السلام بالنسبة لهم ، فإنهم يعتبرونه رأس السلالة العبرانية بحق ، و هو عندهم أعظم الآباء المؤسسين على الإطلاق ، و أبنائه هم آباء و رؤوس الأمم الإثنى عشر ، و تروى لنا قصة يوسف عليه السلام و إخوته ، مجيئهم إلى مصر جميعاً في سنين الجوع ، و قد آواهم فيها و ڪان ذلك في فترة حڪم الهڪسوس.

 ✍️ و بعد وفاة يوسف عليه السلام ، تبدلت الأحوال السياسية في مصر و نال الفراعنة إستقلالهم على يد أحمس و تحررت مصر من قبضة المحتلين .

✍️ لذلك اضطهد الفرعون بني إسرائيل ، انتقاماً منهم لمعاونتهم للهڪسوس ، فلولا يوسف عليهم السلام ، ما نجو أبداً من سنين الجوع.

✍️ و بلغ الاضطهاد أوجه في عهد الفرعون المشهور بفرعون موسى ، و المختلف في تحديد هويته .

✍️ حيث قام بتسخيرهم في الأعمال و استحياء نسائهم ، و عذّبهم أشد العذاب ، حتى رأى في منامه أنّه يخرج منهم من يدمر ملڪه ، فقرر ذبح ڪل مولود لهم.

✍️ و هنا يأتي دور قصة موسى عليه السلام من مولده و حتى خروجه بهم مهاجراً من مصر و غرق فرعون و جنوده.

✍️ و بعد أن سردت لڪم القصة و بينّت عظيم نعمة الله ﷻ عليهم ، أختم مقالي بسؤال للشعب المُنتقى .

⚡ بماذا لاقيتم كل أنعم الله ﷻ عليڪم !؟ أليس بالشرك و عبادة العجل !؟ ألم يعاقبڪم الله ﷻ بالتيه أربعين سنة على رفض القتال في سبيله مع موسى و هارون عليهما السلام !؟ 

🌿 ﺳــبحانڪ آللَّھمے و بحمدڪ ، أشهد أن لآ إلَُـﮧِ إلآ أنت ، أﺳــتغفرڪ و أتوب إليڪ 🌿

------------------------------------------------------------

📖 المراجع :-
(١) تفاسير : الطبري (ص ٦٣٠/١) - ابن كثير (ص ١٥٨/١) - القرطبي (ص ٣٧٦/١) - البغوي (ص ١١٢/١)
(٢) موسوعة اليهود و اليهودية و الصهيونية المسيري ( ص ٣٩٩ : ٤٢٥ ).
(٣) سفر التكوين ٢ : ٦ / الترجمة السبعينية
(٤) سفر التكوين ٢٢ : ٢

الثلاثاء، 7 نوفمبر 2023

آية ٣٧ - سورة إبراهيم

 🌿 ﷽ [ رَّبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُم مِّنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ ] 🌿

✍️ يؤسفني ڪثيراً التأويل الخاطئ لهجرة إبراهيم بزوجته هاجر و ابنهما إسماعيل عليهم السلام أجمعين.

✍️ إذ يفسر البعض هذه الهجرة بما لا يليق بخليل الرحمن ﷻ ، و ما ڪان تفسيرهم هذا على علم أبداً ، و مالهم من برهان و لا دليل يحتجون به عليه .

✍️ إن يتبعون إلا الظنّ ، متناسين عظيم قدر هذا النبي الڪريم عليه السلام.

✍️ و يقول هؤلاء أنّ خليل الله إبراهيم أخرج ؛ بغير حق ، زوجته هاجر و ابنه إسماعيل و أسڪنهم صحراء قفراء جرداء ، و ذلك ڪلّه ليس إلا إرضاءاً لزوجته الأولى سارة عليهم السلام أجمعين !!

✍️ لا أدري من أين أتوا بهذه الأباطيل ، أنسوا أنّه عليه السلام نبي معصوم يأتمر بأمر الله ﷻ و يتبع وحيه فقط !! 

✍️ أم أنّهم نقلوا ذلك عن الرواية التوراتية و نسخوها إلى حد القول مثلها بعدم عصمة الأنبياء !!؟ 

✍️ لا جرم في القول بأنّ سارة ڪانت تغار من هاجر عليهما السلام ، فعلى هذا فطر الله ﷻ النساء.

✍️ و قد قال بهذا ڪثير من أهل العلم مثل ابن حجر و ابن كثير و غيرهما ، و لو أنّي لم أقف على نص صحيح يقول بهذا ، و لڪن حتى و إن صح أنّها تغار ، فهذا لا يعني تفسيرهم أبداً .

✍️ فمن ناحية تفسيرهم يدل على ظلم عظيم واقعٌ بهاجر و إسماعيل عليهما السلام ؛ و معاذ الله أن يڪون مثل هذا من شيم الخليل إبراهيم عليه السلام.

✍️ و من ناحية أخرى لو هانت عليه زوجته ڪيف يهون عليه ابنه ، الذي طالما تمناه و دعا ربه أن يرزقه إياه ، هذا لا يتصور أبداً.

✍️ و إنّما التفسير الصحيح إن شاء الله على نقيض ذلك تماماً ، فإبراهيم عليه السلام نبي يوحي إليه ، إذن هجرته لا تفسر إلا بأنّها أمر من الله ﷻ .

✍️ و يؤڪد ذلك حديث النبي ﷺ عن قصة هجرتهم عليهم السلام و قصة بئر زمزم .

✍️ و تأمل الآية الڪريمة السابقة ، و أمعن النظر فيها ثم أجبني إذا أستحلفتك بالذي تسبح له السماوات السبع و الأرض و من فيهنّ ؛ أهذا دعاء رجل طرد ابنه و زوجته للصحراء إرضاء لزوجته الأولى!؟

✍️ و هنا يسألني سائل قائلاً و ما الحڪمة من أمر الله ﷻ إبراهيم عليه السلام بالهجرة بهم إلى وادي مڪة !!؟

✍️ و الحق أقول لڪم إن حڪمة الله ﷻ بالغة عظيمة ، فمن ناحية امتحان لفؤاد إبراهيم عليه السلام.

✍️ لقد رزقه الله ﷻ على الڪبر بالابن الذي طالما تضرع داعيًا و تمنّاه ، ثمّ إبتلاه و امتحنه بالبعد عنه.

✍️ و بذلك تقام الحجة لإبراهيم عليه السلام على منزلته العظيمة يوم القيامة ۞.

✍️ و من ناحية ثانية رفع قدر و مقام هاجر عليها السلام ، فلم تعد الخادمة القائمة على أعمال و شئون سيدتها .

✍️ إنّما غدت سيدة قرارها و صاحبة البئر ، المضيفة لڪل من نزل بهذا الوادي.

✍️ و من ناحية أخرى تعظيم شأن إسماعيل عليه السلام ، إذ اصطفاه الله ﷻ من ولد إبراهيم عليه السلام ، لبناء الڪعبة المشرفة مع أبيه ، ثمّ بارك له في ذريته ، ليخرج منها رسول الله ﷺ.

✍️ و من ناحية أخرى إعمار وادي مڪة ، و تهيأته لتكريمه و تشييد بيت الله الحرام فيه.

🌿 ﺳــبحانڪ آللَّھمے و بحمدڪ ، أشهد أن لآ إلَُـﮧِ إلآ أنت ، أﺳــتغفرڪ و أتوب إليڪ 🌿


السبت، 4 نوفمبر 2023

آية ١٠٠ - سورة الصافّات

🌿 ﷽ [ رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ ] 🌿 

⚡ إذا ڪان الدعاء من دعاء نبي الله إبراهيم عليه السلام ؛ وجب علينا التأمل والتعلم ۞.

✍️ إنّ هذا الدعاء ليس مجرد سؤال رجل يريد البنين ، لأنّه أمسى يعاني الوحدة ، أو لأنه يشعر بتقدم عمره ، أو يفڪر في توريث ماله و سلطانه.

✍️ هذا الدعاء إذا ما تأملته و دققت النظر ، لتجدّنّ أنّ المرجو منه الآخرة أڪثر من الدنيا.

✍️ مّما لا شك فيه أنّ البنين من زينة الحياة الدنيا ، و أنّ للذرية منافع جمّة ، فالأبناء عزوة ؛ و من شأنها أن تؤازرك في الشدائد و تعتني بك في المرض و ترعاك حين الڪبر ، و هذا قطعاً خيرٌ من الوحدة.

✍️ لڪن سؤال إبراهيم عليه السلام لم يڪن ڪذلك و حسب ، إنّما ڪان دعاؤه أن يهبه الله ﷻ من الصالحين ، و هذا فارقٌ ڪبير .

✍️ فالابن الصالح يعني عدم انقطاع عملك من الدنيا ، و يعني أجراً عظيماً من الله ﷻ على حسن تربيته و رعايته و تعليمه ، فعن ڪل صلاة منه أو صدقة أو صيام أو دعاء أو أي عمل صالح ، تؤجر من الله ﷻ لأنّك من علمته.

✍️ و لمّا أجيب دعائه ، و رزقه الله ﷻ بإسماعيل و إسحاق عليهم السلام أجمعين ، ڪان حامداً شاڪراً لنعمة ربّه ، و في ذلك قال المولى ﷻ [ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ ۚ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ ] (١).

✍️ و ڪما علّمنا ڪتاب الله ﷻ ؛ ﷽ [ وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ ۖ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ ] ، و ڪذلك قوله ﷻ [ هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ ].

✍️ هذه الضوابط القدرية من مسلمات الڪون التي فطره الله ﷻ عليها ، تطبق بطريقة تلقائية و فورية ، لذلك نجد هنا أنّ الله ﷻ جزى إبراهيم عليه السلام بحمده و شڪره و بارك له في ذريته ، فاصطفاهما و آتاهما النبوة.

✍️ بارك الله ﷻ في ابنيّ إبراهيم عليهم السلام أجمعين ، و تأمل عظيم عدل الله سبحانه في قسمة المبارڪة بينهما.

✍️ فقدّر سبحانه أن تڪون النبوة كثيرة و الڪتب المنزّلة في نسل إسحاق من ابنه يعقوب عليهما السلام ، و بذلك فضّل بني إسرائيل (ذريته) على غيرهم.

✍️ و في الوقت ذاته رسم قدر الله ﷻ التميّز و الإنفراد لخاتم و سيد المرسلين محمد ﷺ ، بالبعثة في ذرية إسماعيل عليه السلام ، و بذلك بارك فيهم و فضّلهم ببعثة سيد الخلق ﷺ فيهم ، فڪانت خير أمّة أخرجت للناس۞.

🌿 ﺳــبحانڪ آللَّھمے و بحمدڪ ، أشهد أن لآ إلَُـﮧِ إلآ أنت ، 
أﺳــتغفرڪ و أتوب إليڪ 🌿

----------------------------------------------------------------------------

📖 المراجع :-
(٢) آية ٣٩ - سورة إبراهيم            (٣) آية ٧ - سورة إبراهيم