الأربعاء، 8 نوفمبر 2023

آية ٤٧ - سورة البقرة

 🌿 ﷽ [ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ ] 🌿 

✍️ قال أهل التفسير (١) في قوله [ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ ] ؛ و ذلك بأنّ النبوة ڪانت فيهم و الڪتب التي أنزلت عليهم ، [ عَلَى الْعَالَمِينَ ] ؛ قلت : " و نزلت العالمين معرّفة بـ (ال) تفيد التحديد و التخصيص ، أيّ على أهل و عالم زمانهم ، بمختلف حضاراته آنذاك".

✍️ و هذا تأويل صحيح إن شاء الله ، و به يستقيم المعنى مع قول الله ﷻ [ كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ۗ ] ، قلت : " و تعبير [ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ ] يبين عموم الفضل على الإطلاق ، و يراد به خير أمّة بين أظهر النّاس جميعاً و على مر الأزمنة". 

✍️ و قد ذڪرت لڪم من قبل ۞ ڪيف ڪان عظيم فضل الله ﷻ على إبراهيم عليه السلام و بارك في ذرية ابنيه عليهما السلام ، و ڪيف تفضل على ڪل منهما و قسم البرڪة بينهما بالحق.

✍️ لڪن للأسف بني إسرائيل لا يعترفون بهذه القسمة ، بل أنّهم يحتڪرون جميع فضل الله ﷻ " معاذ الله " لأنفسهم من دون الناس. 

✍️ و هذا جليّ واضح في طريقة تأريخهم للقصة ، فإذا قرأت في ذلك (٢) ستخلص أنّ تسلسل الأحداث يتمرڪز حول محور و يتبلور حول فڪرة واحدة أساسية ، و هي أنّهم الشعب المختار و الجنس الأرقى و العرق الأنقى .

✍️ و من أجل ذلك تُطوِّع العقيدة اليهودية ڪافة الأحداث أو بالأحرى ترويها بطريقة تحقق هذه الفڪرة .

✍️ فالطوفان العظيم مثلاً ، لا تفسّره العقيدة اليهودية بأنّه عقاب من الله على ڪفر الناس و إفسادهم في الأرض ، و إنّما ڪانت تفسّره بأنّه في الأصل تطهيرٌ للأرض من خلط الأنساب و التهجين ، و الذي تسبب في ظهور العمالقة الذين نشروا الفساد .

✍️ و العمالقة في معتقدهم و ترجماتهم هم نتاج زواج الإنس من الملائڪة "معاذ الله" (٣).

✍️ و بذلك تفسّر العقيدة اليهودية حادثة الطوفان العظيم ، بأنّها تطهير للأرض و ليس عقاب من الربّ ﷻ ، و أنً إهلاك من فيها ، ڪان يرنو في الأساس إلى نجاة و اصطفاء البشر النقي المتمثل في شخص نوح عليه السلام و ذريته.

✍️ و قد رجعوا عن هذا التأويل مؤخراً ، بعد أنّ لاقى انتقادات ڪبيرة من حيث منطقه ، و ڪذلك واجه إتهامات كثيرة بنقله عن الكتابات المسمارية للحضارة السومرية.

✍️ و بالنسبة لميلاد أو نشأة هذه الأمّة ؛ و التي تُعرف بحقبة الآباء و القضاة ، و تبدأ بقصة خليل الله إبراهيم و ابن أخيه لوط عليهما السلام .

✍️و لمّا ڪُذّب إبراهيم عليه السلام هاجر و زوجته سارة إلى مصر ، و هاجر لوط عليه السلام إلى سدوم .

✍️ و بعد عودته من مصر تزوج إبراهيم عليه السلام من هاجر المصرية التي أهداها له الفرعون ، و أنجب منها إسماعيل عليه السلام ( ابنه البڪر و الوحيد آنذاك ).

✍️ ثمّ هاجر بإسماعيل و أمّه عليهم السلام جميعاً ، و ترڪهما في صحراء وادي فاران .

✍️ و تبرر العقيدة اليهودية هذا التصرف ، بأنّه ليس إلا محاولة لإرضاء سارة بعد أنّ أحست بالغيرة من هاجر ، و قطعاً هذا تفسير معيب يشوبه نقص ، و لا يليق بالنبي الڪريم عليه السلام ، و ڪنت قد وضحت لڪم الصحيح فيه من قبل۞

✍️ لا يعظّم اليهود نبي الله إبراهيم عليه السلام ڪما ينبغي و يليق به ، فلا يقدرونه حقّ قدره ۞ ، و لا يعتبرونه من أنقياء الدم ، و ذلك لأنّه في نظرهم خلط دمه بالمصريين لمّا تزوج هاجر و أنجب منها.

✍️ و لا أدري ڪيف يعيبون بهذا على نبي ڪريم ، فلو سلّمنا بأنّ ذريته منها مختلطون الدم ، فلماذا يشوبه هو ذلك !!؟

✍️ و الحق أقول لڪم ، إنّ هذه النظرة العنصرية مغلوطة من أساسها ، فطالما و بحسب تفسيرهم للطوفان العظيم ، أنّ جميع الأمم بعد الطوفان هي من ذرية نوح عليه السلام و الذي هو نقيّ الدم ، إذن فڪل من في الأرض بالتبعية أنقياء الدم ، من مصريين و غيرهم.

✍️ و لذلك في هذا المنعطف بدأ الڪتبة ينتهجون منهجاً آخر ، يبرروا به فڪرة الشعب المختار ، و تمثّله عقيدة التوحيد ، فبحسب روايتهم  تحولت ذرية نوح عليه السلام للشرك بالله ما عدا هم و أصولهم.

✍️ و لڪنّ هذا أيضاً يؤخذ عليه مأخذاً ، فطالما أنّ العبرة في الأفضلية هي توحيد الله تعالى ، و أنّها غاية الأمر و خلاصته ، فإنّ هذا ينفي منطق تفسيرهم طوفان نوح عليه السلام ، باصطفائه لنقاء دمّه ، و أنّ فڪرة نقاء الدم هذه ليس لها صحة من الأساس ، و ڪذلك يوجب عليهم الاعتراف لڪل موحد مثلهم بهذا الفضل .

✍️ ثمّ بعد ذلك أنجب إبراهيم من سارة إسحاق عليهم السلام جميعاً ، و سمي بهذا الاسم لأنّها ضحڪت لما بشرهما الملڪان بمولده ، و لقد تزامن ميلاد إسحاق ، مع هلاك القرية التي ڪانت تعمل الخبائث ؛ سدوم ، قوم لوط عليهما السلام.

✍️ و لڪن هذا قطعاً لا يڪفي بالنسبة لهم تڪريماً لإسحاق عليه السلام ، و ذلك لأنّه الأب الأڪبر للشعب المختار ، فيجب أن تڪون ڪافة الأحداث متمرڪزة حوله الآن ، لذا نجد أنّ العقيدة اليهودية تروي حادثة الذبح عنه و ليس عن إسماعيل عليهما السلام (٤).

✍️ و هذه مغالطة ڪبيرة تنافي الحق و العقل و المنطق ، فإنّ البلاء ڪان أشدّه على إبراهيم عليه السلام ، لأنه يتمثل في ذبح ابنه بڪره وحيده الذي أنجبه على الڪبر ، و هذا لا يتحقق إلا في إسماعيل عليه السلام ، و إلا فإنّ البلاء سيڪون أهون.

✍️ لذلك نزعوا فضل البڪارة من إسماعيل عليه السلام ، لأنّه ليس نقي الدم ، ثمّ نسبوها لإسحاق عليه السلام ، و تغير مبرر الذبح من البلاء إلى التضحية .

✍️ فلو أنّ الڪاتب سلّم بتفسير الواقعة على أساس أنّه إبتلاء ؛ ڪان لزاماً عليه الاعتراف بأنّ واقعة الذبح ڪانت عن إسماعيل عليه السلام ، لأنّه من ينطبق عليه شرط الإبتلاء ڪما بينّا.

✍️ و الإبتلاء يمتحن الله ﷻ به قلوب عباده ، و تقام به الحجج يوم الدين ڪما ذڪرت لڪم من قبل ۞ ، أمّا التضحية يلزم لتقديمها مبرر .

✍️ و لو أنّهم نسبوا الفضل لأهله لكان خيراً لهم ، و لو تفكّروا قليلاً لوجدوا أنّ فضل ميلاد إسحاق عليه السلام أعظم من تدليسهم ، فميلاده عليه السلام كان مكافئة لصبر إبراهيم عليه السلام على الإبتلاء العظيم.

✍️ و أيّ فضل أعظم من أن تكون مكافئة الله ﷻ ، ألا يدل هذا على عظيم قدره عليه السلام عند الله ﷻ !!

✍️ و قد بررت العقيدة اليهودية هذه التضحية بخطيئة آدم عليه السلام ، لمّا أڪل من الشجرة ، و ذلك على إعتبار أننا ورثنا عنه هذه الخطيئة ، و قد ڪانت هذه الفڪرة هي المهد الذي نشأت على بطائنه العقيدة المسيحية .

✍️ و هنا نجد أيضاً مغالطة ڪبيرة ، فأولاً ؛ آدم عليه السلام استغفر على ما ڪان منه و قد غفر الله ﷻ له ذلك ۞ ، ثانياً لا تزر وازرة وزر أخرى ، و ڪيف نحاسب نحن و آدم عليه السلام هو الذي أڪل من الشجرة ، إنّما الحقّ أنّه هو من سئل عن ذلك عليه السلام.

✍️ ثالثاً لقد ابتُلي آدم عليه السلام و أُخرج من الجنّة إلى هذه الحياة الدنيا ، و بذلك إمتحنه الله ﷻ أن يعود لمثل هذا .

✍️ و نحن ( أعني بني آدم ) ولدنا و ينطبق علينا هذا الإمتحان بالفعل ، أم أننا سنجزى بأڪثر من الذي جُزي به من اقترف الخطأ ، أعتقد أنّ هذا منافي للمنطق السليم.

✍️ و تستمر روايتهم بتزوج إسماعيل عليه السلام من الأعراب ، فڪانت من ذريته العرب المستعربة ، و تزوج إسحاق عليه السلام ، فوهبه الله تعالى عيسو (عيسى) و يعقوب عليه السلام ، و ڪذلك إسحاق عليه السلام لا يعظمونه ڪما ينبغي و يليق به.

✍️ فلا يقدرونه قدره ، و مبررهم أنّه أنجب عيسو الذي خلط دمه و تزوج من بنات الڪنعانيين و بنات إسماعيل ، و لا أريد أن أڪرر ما قلته سابقاً ، لڪن الملاحظة التي ذڪرت عن تقديرهم لإبراهيم عليه السلام هي ذاتها هاهنا.

✍️ أمّا يعقوب عليه السلام بالنسبة لهم ، فإنهم يعتبرونه رأس السلالة العبرانية بحق ، و هو عندهم أعظم الآباء المؤسسين على الإطلاق ، و أبنائه هم آباء و رؤوس الأمم الإثنى عشر ، و تروى لنا قصة يوسف عليه السلام و إخوته ، مجيئهم إلى مصر جميعاً في سنين الجوع ، و قد آواهم فيها و ڪان ذلك في فترة حڪم الهڪسوس.

 ✍️ و بعد وفاة يوسف عليه السلام ، تبدلت الأحوال السياسية في مصر و نال الفراعنة إستقلالهم على يد أحمس و تحررت مصر من قبضة المحتلين .

✍️ لذلك اضطهد الفرعون بني إسرائيل ، انتقاماً منهم لمعاونتهم للهڪسوس ، فلولا يوسف عليهم السلام ، ما نجو أبداً من سنين الجوع.

✍️ و بلغ الاضطهاد أوجه في عهد الفرعون المشهور بفرعون موسى ، و المختلف في تحديد هويته .

✍️ حيث قام بتسخيرهم في الأعمال و استحياء نسائهم ، و عذّبهم أشد العذاب ، حتى رأى في منامه أنّه يخرج منهم من يدمر ملڪه ، فقرر ذبح ڪل مولود لهم.

✍️ و هنا يأتي دور قصة موسى عليه السلام من مولده و حتى خروجه بهم مهاجراً من مصر و غرق فرعون و جنوده.

✍️ و بعد أن سردت لڪم القصة و بينّت عظيم نعمة الله ﷻ عليهم ، أختم مقالي بسؤال للشعب المُنتقى .

⚡ بماذا لاقيتم كل أنعم الله ﷻ عليڪم !؟ أليس بالشرك و عبادة العجل !؟ ألم يعاقبڪم الله ﷻ بالتيه أربعين سنة على رفض القتال في سبيله مع موسى و هارون عليهما السلام !؟ 

🌿 ﺳــبحانڪ آللَّھمے و بحمدڪ ، أشهد أن لآ إلَُـﮧِ إلآ أنت ، أﺳــتغفرڪ و أتوب إليڪ 🌿

------------------------------------------------------------

📖 المراجع :-
(١) تفاسير : الطبري (ص ٦٣٠/١) - ابن كثير (ص ١٥٨/١) - القرطبي (ص ٣٧٦/١) - البغوي (ص ١١٢/١)
(٢) موسوعة اليهود و اليهودية و الصهيونية المسيري ( ص ٣٩٩ : ٤٢٥ ).
(٣) سفر التكوين ٢ : ٦ / الترجمة السبعينية
(٤) سفر التكوين ٢٢ : ٢