الخميس، 25 ديسمبر 2025

آية ١٠ - سورة الفجر

 🌿 ﷽ ﴿ وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتَادِ ﴾ 🌿

✍️ شاع في كتب التفسير والوعظ تفسيرُ وصف فرعون بـ «ذي الأوتاد» على أن المراد به المسلات أو الأبنية الضخمة التي اشتهرت بها الحضارة المصرية القديمة، باعتبارها أعمدة أو أوتادًا معمارية، يُشدّ بها الملك، أو تُثبَّت بها أركان دولته.

✍️ غير أن هذا التفسير – مع ذيوعه – لا يخلو من إشكالٍ لغويٍّ وسياقيٍّ وشرعي، ويحتاج إلى إعادة نظر، خاصة عند جمع النصوص القرآنية بعضها إلى بعض، وردّ المتشابه إلى المحكم.

✍️ الوتد في لسان العرب:

هو ما يُدقُّ في الأرض ليُثبَّت به الشيء قهرًا، كوتد الخيمة، ويُستعمل في معنى الإحكام بالقوة، لا في مطلق العمود أو النصب (١).

✍️ قال ابن منظور: «الوتد: ما أُدخل في الأرض ليُشدّ به، ومنه أوتاد الخيام، ويُستعار للقهر والتثبيت» (٢).

✍️ وقال الراغب الأصفهاني: «الوتد ما يُثبَّت به الشيء تثبيتًا لا اختيار فيه» (٣).

✍️ وعليه، فالوتد ليس مجرد قائمٍ مرتفع، بل أداة تثبيت قهري، يُضرب ويُدق، ويقترن غالبًا بالإيذاء أو الإحكام.

✍️ أما من فسر الأوتاد بالمسلات في مصر القديمة، فقد اختلط عليه الأمر وجانبه، لأن المسلّة – لغةً ووظيفةً – نُصب تذكاري رمزي، لا يُدق في الأجساد، ولا يُستعمل أداة تعذيب، ولا يُسمّى وتدًا في كلام العرب، لا حقيقة ولا مجازًا.

✍️ كما أن المسلات لم تكن حكرًا على فرعون موسى، بل عُرفت في عصور لاحقة، فلا يصح تخصيص الوصف بها دون نص.

✍️ ثم إن السياق في سورة الفجر سياق تعداد لصور الطغيان والبطش، لا لسرد منجزات معمارية:-

عاد: طغيان بالقوة والملك، ثمود: طغيان بالقوة والعمران، فرعون: طغيان بالبطش، فلو كان المراد المعمار، لكان أولى أن يُذكر مع عاد وثمود، لا مفصولًا عنهما.

✍️ جاء في قصة موسى عليه السلام، على لسان فرعون، قوله تعالى:

﴿ لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُم مِّنْ خِلَافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ ﴾ (٤)

✍️ والصلب لا يكون إلا بالتثبيت القهري، وغالبًا بالأوتاد، إذ يُشدّ المصلوب أو يُربط أو يُدقّ ليبقى معلقًا.

✍️ فاقتران فرعون بالصلب في نصٍّ صريح، يفسّر وصفه بـ ذي الأوتاد تفسيرًا مباشرًا غير متكلّف.

✍️ كما ثبت عن النبي ﷺ في وصف عذاب امرأة فرعون، أنها كانت تُعذَّب بأشد أنواع التعذيب، حتى ماتت صابرة محتسبة.

✍️ وفي بعض الروايات – وإن كان في أسانيدها مقال – أن فرعون أمر بربطها وتثبيتها تحت العذاب حتى الموت (٥).

✍️ وقد ذكر غير واحد من أهل العلم أن تعذيبها كان من جنس تعذيب المصلوبين والمشدودين، وهو ما ينسجم مع وصف فرعون بالأوتاد، أي: آلات التعذيب والتثبيت.


✍️ وقد رجح أهل العلم والتفسير هذا الرأي، فذكر الطبري أن من أقوال السلف في الأوتاد: أنها أوتاد التعذيب التي كان يعذّب بها الناس (٦).

✍️ ونقل القرطبي هذا القول، وذكر أن فرعون كان يُعذّب بالأوتاد، يمدّ الرجل ويشدّه ويثبّته (٧).

✍️ وذكر ابن كثير أن الأوتاد قيل فيها: «كان يعذّب الناس بالأوتاد، وقيل: كان له جنود كثيرون يثبتون ملكه» ثم رجح أن اللفظ يدل على البطش والقهر (٨).

✍️ ولم يثبت عن أحد من السلف تفسير صريح معتبر يجعل الأوتاد = المسلات.

✍️ وبذلك يظهر أن التفسير الشائع الذي يربط الأوتاد بالمسلات تفسيرٌ متأخرٌ رمزيٌّ، لا يقوم على نصٍّ ولا لغة، وأن الأولى حمل اللفظ على ما دلّ عليه القرآن نفسه.

🌿 سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك 🌿

---------------------------------

📖 المراجع:-

(١) لسان العرب – مادة (وتد).

(٢) لسان العرب – ابن منظور.

(٣) مفردات ألفاظ القرآن – الراغب الأصفهاني.

(٤) آية ١٢٤- سورة الأعراف.

(٥) مسند أحمد – باب فضائل امرأة فرعون (مع اختلاف الروايات).

(٦) تفسير الطبري – سورة الفجر.

(٧) الجامع لأحكام القرآن – القرطبي.

(٨) تفسير ابن كثير – سورة الفجر.

الخميس، 18 ديسمبر 2025

آية ١٧٢ - سورة الأعراف

 🌿 ﷽ [ وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ ۖ قَالُوا بَلَىٰ شَهِدْنَا ۛ أَن تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَٰذَا غَافِلِينَ ] 🌿

✍️ شاع في كتب التفسير والوعظ ما يُعرف بـ«عالم الذر»، على أنه عالمٌ غيبيٌّ أُخرجت فيه الناس من صلب آدم عليه السلام، وأُخذ عليها ميثاقٌ لفظيٌّ، ثم نُسِّي ذلك الميثاق، واستُدلّ على هذا الفهم بحديثٍ يُروى في تفسير هذه الآية (١).

غير أن هذا التصوّر – على شيوعه – ليس محلَّ إجماع، بل بُنِي على دليلٍ مختلفٍ في ثبوته، وفهمٍ معيّن للنصّ القرآني، يحتاج إلى إعادة نظر.

✍️ الحديث الذي عليه مدار هذا الفهم هو ما رُوي أن النبي ﷺ قال: «إن الله خلق آدم، ثم مسح ظهره فأخرج منه ذريته…» (٢)، وقد أخرجه الترمذي وأحمد والحاكم وغيرهم بألفاظ متقاربة.

✍️ غير أن هذا الحديث لم يُجمع على تصحيحه، بل وقع فيه خلافٌ معتبر بين أهل الحديث؛ فلم يُخرّجه البخاري ولا مسلم، مع شدة تعلّق المسألة بأصلٍ عقديٍّ عظيم، ولو ثبت عندهما لما أعرضا عنه (٣).

✍️ وقد توقف أو ضعّف الحديث عددٌ من أئمة النقد المتقدمين، منهم: أبو حاتم الرازي، حيث حكم على بعض طرقه بالنكارة (٤)، والدارقطني، وأشار إلى اضطراب رواياته (٥)، والبيهقي، وصرّح بأن الموقوف أصح من المرفوع (٦)، وابن عبد البر، وذكر أن أكثر أهل العلم على تضعيفه (٧).

✍️ كما أن ابن كثير – مع إيراده الحديث في تفسيره – لم يجزم بصحته، ونبّه إلى أن كثيرًا من تفاصيله مما يُشبه الإسرائيليات التي دخلت باب التفسير (٨).

✍️ ولم يُعرف تصحيحٌ صريح لهذا الحديث عند المتقدمين، وإنما جاء تصحيحه في العصر الحديث على يد الإمام الألباني رحمه الله (٩)، وهو اجتهادٌ يُحترم، لكن لا يرفع الخلاف السابق فيه، ولا يجعله قولًا مُلزِمًا.

✍️ وبناءً على ذلك، فإن تبنّي القول بعدم ثبوت هذا الحديث في باب «عالم الذر»، أو بعدم دلالته على مشهدٍ غيبيٍّ مستقل، هو تبنٍّ قائم على منهج نقدي معتبر، لا ردٌّ للسنة ولا إعراضٌ عنها.

✍️ وإذا ما دقننا النظر في قوله تعالى: ﴿ مِن بَنِي آدَمَ ﴾، لندن أن اللفظ صريح في أن الخطاب متوجّه إلى ذرية آدم، لا إلى آدم عليه السلام نفسه. ولو كان المراد آدم لقال: من آدم، وعدول القرآن عن ذلك مقصود (١٠).

✍️ ثم قال: ﴿ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ ﴾، فالضمير عائد على بني آدم، أي أن الذرية تُستخرج من ظهور الآباء، جيلًا بعد جيل، على سنن الخلق المعهود، لا في واقعة واحدة خارجة عن الزمان (١١).

✍️ وأما قوله: ﴿ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ ﴾، فالإشهاد هنا إشهاد فطري تكويني، جعله الله في بنية النفس الإنسانية، لا إشهاد سماعٍ ونطقٍ يُنسى، وهو ما ينسجم مع قوله تعالى: ﴿ فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا ﴾ (١٢).

✍️ وأسلوب ﴿ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَىٰ ﴾ هو أسلوب تقريرٍ وتأكيد، لا حكاية مشهدٍ تاريخي، كقوله تعالى: ﴿ قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ ﴾، والمراد تحقق المعنى لا وقوع الحوار اللفظي (١٣).

✍️ وقد قال بهذا التأويل الإمام السعدي رحمه الله (١٤)، وبيّن ابن عاشور أن الآية مسوقة لبيان قيام الحجة العامة على البشر، وأن الإشهاد المذكور هو إشهاد فطري يتجدّد مع وجود الإنسان، لا واقعة مخصوصة قبل الخلق (١٥).

✍️ وكذلك ذكر الرازي أن حمل الآية على الإشهاد الفطري أولى من حملها على مشهدٍ سابق، لأنه أوفق بسائر نصوص الوحي، وأبعد عن الإشكال (١٦).

✍️ ونقل القرطبي الخلاف في المسألة، وذكر أن جماعة من أهل العلم حملوا الآية على معنى الفطرة والبيان العام، لا على إخراج الأرواح ومخاطبتها (١٧).

✍️ ويظهر من مجموع ذلك أن «الميثاق» ليس حادثةً واحدة منقطعة، بل سُنّة إلهية مستمرة: يولد الإنسان على الفطرة، ثم تُقام عليه الحجة بإرسال الرسل.

✍️ وهذا يستوي تمامًا مع قوله تعالى: ﴿ وَإِن مِّن قَرْيَةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ ﴾ (١٨)،

وقوله: ﴿ رُّسُلًا مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ ﴾ (١٩).

✍️ فالفطرة إشهاد، والرسالة تذكير، وبهما تقوم الحجة، ويتحقق العدل، ولا يبقى للإنسان عذرٌ يوم القيامة.

🌿 سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك 🌿

----------------------------

📖 المراجع :-

(١) تفسير آية 172 – سورة الأعراف.

(٢) سنن الترمذي – كتاب تفسير القرآن – باب ومن سورة الأعراف.

(٣) صحيح البخاري، صحيح مسلم (عدم تخريج الحديث).

(٤) العلل لابن أبي حاتم.

(٥) علل الدارقطني.

(٦) السنن الكبرى للبيهقي – باب الميثاق.

(٧) التمهيد لابن عبد البر.

(٨) تفسير ابن كثير – سورة الأعراف.

(٩) السلسلة الصحيحة – الألباني.

(١٠) لسان العرب – مادة (بنو).

(١١) مفردات الراغب الأصفهاني – مادة (ظهر).

(١٢) آية 30 – سورة الروم.

(١٣) آية 11 – سورة فصلت.

(١٤) تفسير السعدي – سورة الأعراف.

(١٥) التحرير والتنوير – ابن عاشور.

(١٦) مفاتيح الغيب – الرازي.

(١٧) الجامع لأحكام القرآن – القرطبي.

(١٨) آية 24 – سورة فاطر.

(١٩) آية 165 – سورة النساء.


الثلاثاء، 2 ديسمبر 2025

آية ٤٦ : ٤٩ - سورة يوسف

🌿 ﷽ [ يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ أَفْتِنَا فِي سَبْعِ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعِ سُنبُلَاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ لَّعَلِّي أَرْجِعُ إِلَى النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ ۝٤٦ قَالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا فَمَا حَصَدتُّمْ فَذَرُوهُ فِي سُنبُلِهِ إِلَّا قَلِيلًا مِّمَّا تَأْكُلُونَ ۝٤٧ ثُمَّ يَأْتِي مِن بَعْدِ ذَٰلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلَّا قَلِيلًا مِّمَّا تُحْصِنُونَ ۝٤٨ ثُمَّ يَأْتِي مِن بَعْدِ ذَٰلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ ۝٤٩ ] 🌿

✍️ إنَّ تفسير يوسف عليه السلام لرؤيا الملك لم يكن مصادفةً ولا اجتهادًا عابرًا، حاشاه، بل هو بيانٌ صادرٌ عن علمٍ إلهيٍّ راسخ، ومعرفةٍ دقيقة بكل رمزٍ ودلالةٍ في تلك الرؤيا العجيبة.

✍️ وما إن نتأمّل طريقته عليه السلام في تفكيك الرموز وربط بعضها ببعض، حتى نتيقّن أننا أمام عقلٍ سماويٍّ مُلهَم، لا يُدرك مداه إلا خالقه ﷻ، وأننا أمام نموذج فريد من نماذج التعليم الرباني الذي يُجري الله به رحماته على عباده.

✍️ وأول مفاتيح تلك الرؤيا كان لفظُ “سَبْع”، وهذا العدد في ذاته عجيب، يتردّد في خلق الله تكرارًا يكاد يكون قانونًا كونيًّا ثابتًا؛ فالسماوات سبع، والأرضين سبع، وأبواب جهنّم سبع، والطواف سبع، والسعي سبع… وكأنَّ الرقم سبعة خاتمُ “اكتمال الدورة” في نواميس الوجود.

✍️ ولو أمعنت النظر في هذه الأمثلة لرأيت أن المشترك بينها جميعًا هو اكتمال البنية وتمام الحلقة قبل الانتقال إلى طورٍ جديد، ولذلك كانت الإشارة الأولى في الرؤيا بالرقم سبعة دالّةً على اكتمال المدة المحتومة.

✍️ وأما البقر، فهو رمزٌ ظاهر للزرع والمرعى، ولأقوات الناس ومدى خِصْب الأرض وإدرارها. فلما جاء في الرؤيا سبعُ بقراتٍ عجافٍ يأكلن سبعًا سمانًا؛ أدرك يوسف عليه السلام أن القادم سنواتُ قحطٍ تأكل ما تقدّم من سنين الخصب، وأن الجوع سيهجم على البلاد هجومًا يمحو ما ادُّخِر.

✍️ ثم جاءت السنابل: سبعٌ خضرٌ وأُخَر يابسات.

فالسنابل الخضر توميء إلى القمح في حالته المحفوظة في سنبله؛ لا تفسده الأيام، ولا يعطب سريعًا. وهكذا استنبط يوسف عليه السلام منهج التعامل مع الأزمة: حفظ الغلال في سنابلها لتبقى صالحة لأعوام الشدة القادمة.

✍️ وأما “عام الفرج” الذي فيه يُغاث الناس وفيه يعصرون، فقد استنبطه عليه السلام من سنّة الله المطّردة: أن الشدة مهما امتدت لا بد أن تُفضي إلى رخاء، وأن القحط إذا بلغ غايته أعقبه غيث ورحمة. فجزم بأن وراء السبع الشداد عامًا تتنفّس فيه الأرض وتعود فيه البركة.

✍️ وإذا تدبّرت هذا النمط الدقيق: سبعُ رخاء، ثم سبعُ شداد، ثم عامُ فرج… لرأيت أنه نمط ربّاني مُحكَم، يتكرر في التاريخ الإنساني بحذافيره، كأنه قانون يسري في الأمم كما يسري في حياة الأفراد.


🔹 النموذج الأول: الحرب العالمية الأولى

➊ سبع سنوات رخاء عالمي

الفترة 1907–1914 شهدت توسعًا صناعيًا، واستقرارًا اقتصاديًا واسعًا في أوروبا. (١)

➋ سبع سنوات شداد

الحرب العالمية الأولى (1914–1918)، (٢) وما تلاها من مجاعات وأوبئة وانهيار اقتصادي (1919–1921). (٣)

➌ عام فرج

عام 1922 شهد تحسن الاقتصاد وعودة الاستقرار في أوروبا. (٤)

النمط واضح: 7 رخاء – 7 شداد – 1 انفراج


🔹 النموذج الثاني: سنوات ما قبل الحرب العالمية الثانية

➊ سبع سنوات رخاء

الفترة 1922–1929 (السنوات الذهبية بعد استقرار ما بعد الحرب). (٥)

➋ سبع سنوات شداد

الكساد العظيم 1929–1936. (٦)

➌ عام فرج

عام 1937 شهد انتعاشًا تجاريًا وعودة نموّ الأسواق. (٧)

النمط يتكرر مرة ثانية : 7 رخاء – 7 شداد – عام فرج


🔹 النموذج الثالث: سقوط الاتحاد السوفيتي

➊ سبع سنوات رخاء نسبي

الفترة 1983–1990: إصلاحات غورباتشوف (البريسترويكا والغلاسنوست). (٨)

➋ سبع سنوات شداد

من 1990–1997:

تفكك الدولة – انهيار اقتصادي – مجاعات – حروب شيشان. (٩)

➌ عام فرج

عام 1998: بداية الاستقرار، عودة الروبل، صعود قيادة قوية. (١٠)

مرة أخرى: 7 – 7 – 1


🔹 النموذج الرابع: سقوط بغداد (العصر العباسي)

➊ سبع سنوات رخاء قبل السقوط

الفترة 1251–1258 ضمّت آخر استقرار إداري واقتصادي لبغداد قبل اجتياح المغول. (١١)

➋ سبع سنوات شداد

من 1258–1265:

الطاعون – الفوضى – سيطرة المغول – انهيار النظام السياسي. (١٢)

➌ عام فرج

عام 1266:

بداية صعود دولة المماليك وثبات الحكم الإسلامي. (١٣) 


🔹 النموذج الخامس: سقوط الأندلس

➊ سبع سنوات رخاء

من 1492–1499 بعد تسليم غرناطة. (١٤)

➋ سبع سنوات شداد

1500–1507:

ثورات – محاكم تفتيش – تنصير قسري – قمع دموي. (١٥)

➌ عام فرج

1508: بدء هجرة المسلمين إلى شمال إفريقيا ونجاتهم. (١٦)

🔹 النموذج السادس: علامات الساعة الكبرى

 حتى في علامات الساعة يمكنك أن ترى هذا النمط يتكرر 

➊ سبع سنوات رخاء

هي سنوات حكم المهدي(١٧)

➋ سبع سنوات شداد

الملاحم ؛ التحالف مع الروم ضد عدو من خلفنا ثم غدر الروم ووقوع الملحمة الكبرى هذا على أقل تقدير أربع سنوات

ثم خروج فتنة الدجال حتى نزول المسيح الحق عليه السلام، مدتها تكون حوالي عام ونصف. (١٨)

ثم خروج ياجوج ومأجوح وانتشار القتل والخراب وهروب الناس ولجوئهم إلى الجبال ثم القضاء على يأجوج ومأجوج وتطهير الأرض، وهذا يقع أيضا في حوالي عام ونصف.

➌ عام فرج

ليس هناك ما يؤكد أنه عام ولكن الفرج بعد ذلك يعم على المؤمنين حتى تأتي الريح الطيبة التي تقبضهم. (١٩)

🔷 النتيجة العامة

بعد تتبع أربعة قرون من الأحداث الكبرى، ومن أربع حضارات مختلفة، يتأكد:

أنَّ نموذج سورة يوسف ليس قصة محصورة بزمن نبيّ بل سُنّة تاريخية كونية تتكرر: 7 استقرار → 7 انهيار → 1 شفاء

  🌿 ﺳــبحانڪ آللَّھمے و بحمدڪ ، أشهد أن لآ إلَُـﮧِ إلآ أنت ، 

أﺳــتغفرڪ و أتوب إليڪ 🌿

-----------------------------

📚 المراجع :-

 (١) صـ 112–118 / The First World War – John Keegan

(٢) صـ 51–94 / The First World War – Hew Strachan

(٣) صـ 203 / Pale Rider: The Spanish Flu – Laura Spinney

(٤) صـ 441 / The Penguin History of Europe – Tim Blanning

(٥) صـ 317 / A History of Western Society – McKay

(٦) صـ 45–72 / The Great Depression – Benjamin Roth

(٧) صـ 189 / The Great Crash – J.K. Galbraith

(٨) صـ 210–245 / Gorbachev: His Life and Times – William Taubman

(٩) صـ 301–356 / The Struggle for Russia – Boris Yeltsin)

صـ 91 / Chechnya: Calamity in the Caucasus – Carlotta Gall)

(١٠) صـ 14–21 / Putin: Russia’s Choice – Richard Sakwa

(١١) صـ 399 / The Cambridge History of Iran, Vol.5 – J.A. Boyle)

(١٢) صـ 441 / The Mongols – David Morgan

(١٣) صـ 58 / The Mamluks – Robert Irwin

(١٤) صـ 244 / The Moor’s Last Stand – Elizabeth Drayson

(١٥) صـ 112–131 / The Spanish Inquisition – Henry Kamen)

(١٦) صـ 77 / A Vanished World – Chris Lowney

(١٧) جامع الحديث والسنة (٢١٠٠٠٢/٠٠٠٥١)

(١٨) صحيح مسلم (٢٩٣٧)

(١٩) صحيح مسلم (١٩٢٤)

الأربعاء، 4 يونيو 2025

آية ٢٧ - سورة لقمان

 🌿  {وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِن شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِن بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَّا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ ۗ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} 🌿

✍️ تبين الآية الكريمة مدى عظيم علم الله ﷻ و عظيم قدر كلامه سبحانه ، فلو شاء الله تعالى فجعل كل شجر الأرض أقلاماً و البحر مداداً أي حبراً ، ما كان كافياً أبداً لاحصاء و كتابة كلام الله ﷻ ، و لو أمد هذا البحر من بعده سبعه بحار أخرى.

✍️ و هذا رداً على كلام الكافرين و المشككين في بعثة النبي ﷺ ، و قولهم أن الكلام سينفد يوما ما و لن يجد ما يتلوه عليكم ، ظنا منهم أنه نقل هذا العلم أو اقتبسه.

✍️ فجاء الرد حاسما من القرآن الكريم { مَّا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ ۗ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ } أي ما انتهت و انقضت.

⚡ لكن السؤال الذي طالما راودني لماذا بالتحديد سبعه أبحر هي المدد للبحر ؟ خاصة أن عبارة سبعة أبحر لطالما ارتبطت بالموروث الثقافي الشعبي لحضارات مختلفة و تناقلتها الاساطير.

✍️ فقد تحدثت عنه العديد من الحضارات القديمة (مثل الهنود، والعرب، والفرس) كرمز للحدود الكونية المائية أو للكثرة والشمولية المطلقة.

✍️ إن هذا الانتشار الواسع لمفاهيم البحار السبعة ، هو دليل قوي على أنها موروثات فكرية عميقة ، أو نماذج أولية في الوعي البشري. 

✍️ هذه النماذج ليست أساطير محلية معزولة، بل هي مفاهيم عالمية نشأت ربما في فترات مبكرة جدًا من تاريخ البشرية، حتى قبل الطوفان، وتجسدت في صور وأساطير مختلفة عبر الحضارات.

✍️ هنا يبين لنا القرآن الكريم حقيقة هذا المفهوم ، و الخبر الصحيح فيه بغير أساطير و خزعبلات ، فبينما اتدبر هذه الآية المباركة و اتأمل خريطة بحار العالم ، وجدت أن هذا مبدأ عام و نمط متكرر في جغرافيا البحار ، و ليس مجرد عدد عشوائي أو رمزي.

✍️ كل بحر رئيسي (كنقطة بداية) لا يقف منعزلًا، بل هو مركز لشبكة متكاملة من الاتصالات المائية. هذه الشبكة تتكون غالبًا من البحر الأصلي نفسه، بالإضافة إلى سبعة مسطحات مائية أخرى (بحار أو محيطات أو خلجان كبرى) تتصل به بشكل وثيق، وتُشكل معًا "مجموعة إقليمية متماسكة من ثمانية مسطحات مائية". هذه المجموعة هي التي "تمده" بالمياه وتتفاعل معه بيئيًا ومناخيًا.

منطقة البحر الأبيض المتوسط:

✍️ بحر البداية: البحر الأبيض المتوسط ، و السبعة التي تمده:

  1. المحيط الأطلسي: الشريان الرئيسي للمياه.
  2. البحر الأسود: يتصل به عبر مضيق البوسفور والدردنيل.
  3. بحر إيجه: بحر هامشي متفرع عنه (بين اليونان وتركيا).
  4. البحر الأدرياتيكي: بحر هامشي متفرع عنه (بين إيطاليا وشبه جزيرة البلقان).
  5. البحر الأيوني: بحر هامشي متفرع عنه (غرب اليونان).
  6. بحر ليغوريا: بحر هامشي متفرع عنه (شمال غرب إيطاليا).
  7. بحر تيراهينيان: بحر هامشي متفرع عنه (غرب إيطاليا).

⚡ هذه المجموعة من (البحر الأبيض المتوسط + 7 بحار/محيطات أخرى) تشكل نظامًا بيئيًا وجغرافيًا متكاملًا.

 منطقة بحر الشمال:

✍️ بحر البداية : بحر الشمال ، و السبعة التي تمده:

  1. المحيط الأطلسي: يتصل به مباشرة وهو جزء منه.
  2. بحر البلطيق: يتصل به عبر المضائق الدنماركية.
  3. القناة الإنجليزية (بحر المانش): تتصل به من الجنوب.
  4. بحر النرويج: يقع شمال بحر الشمال ويتصل بالأطلسي والقطب الشمالي.
  5. المحيط المتجمد الشمالي: يتصل ببحر النرويج.
  6. بحر غرينلاند: جزء من المحيط المتجمد الشمالي ويتصل ببحر النرويج.
  7. بحر بارنتس: بحر هامشي للمحيط المتجمد الشمالي، ويتصل ببحر النرويج.

⚡ هذه المجموعة تمثل نظام بحار شمال أوروبا المتصلة بالمحيط المتجمد الشمالي.

 منطقة بحر اليابان (بحر الشرق):

✍️ بحر البداية: بحر اليابان (بحر الشرق) ، و السبعة التي تمده:

  1. المحيط الهادئ: يتصل به مباشرة عبر مضائق مختلفة.
  2. بحر أوخوتسك: يتصل به وبالمحيط الهادئ شمال اليابان.
  3. بحر الصين الشرقي: يتصل به عبر مضيق كوريا/تسوشيما.
  4. بحر الفلبين: بحر هامشي كبير للمحيط الهادئ، جنوب بحر الصين الشرقي.
  5. بحر بيرينغ: بحر هامشي للمحيط الهادئ، شمال بحر أوخوتسك.
  6. المحيط المتجمد الشمالي: يتصل ببحر بيرينغ عبر مضيق بيرينغ.
  7. بحر تشوكشي: بحر هامشي للمحيط المتجمد الشمالي.

⚡ هذه المجموعة تمثل نظام بحار شمال غرب المحيط الهادئ والقطب الشمالي.

✍️ هذا المفهوم كما ترى يختلف عن الفكرة الأسطورية القديمة لـ "البحار السبعة" التي كانت غامضة وتختلف تعريفاتها باختلاف الحضارات، هنا يأتي القرآن ليُقدمه في سياق دقيق "البحر يمده من بعده سبعة أبحر" مُشيرًا إلى نمط حقيقي ومُتعمم للترابط المائي الإقليمي.

✍️ يقرر بها قاعدة جغرافية محددة و دقيقة لنمط الترابط الفعلي بين البحار والمحيطات في نطاقها الإقليمي.

🌿 سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك و اتوب اليك 🌿 

الجمعة، 9 مايو 2025

آية ٦٤ - سورة العنكبوت

🌿 ﷽ { وَمَا هَٰذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ ۚ وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ ۚ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ } 🌿

✍️ إذا ما تأملت هذا التعبير القرآني البليغ ، لتجدنّه يحمل توكيداً على التأكيد ، "إنَّ" أداة توكيد ،واللام في "لَهِيَ" زيادة في التوكيد، أما "الحَيَوَانُ" فهي للمبالغة على وزن فَعَلان.

✍️ و التوظيف اللغوي لهذا الوزن يدل على الامتلاء من الصفة و التمام، مثل: "غضبان" للدلالة على الامتلاء من الغضب ، و كذلك "عطشان" لمن امتلأ عطشًا.

✍️ فيصف المولى ﷻ هاهنا الدار الآخرة بهذا الوزن دلالة الحياة الكاملة الحقيقية ، و التي تستوفي كل معاني الحياة ؛ دوامًا، وبهاءً، وسعةً، وصفاءً، وسرورًا لا ينقطع.

لكن إن كانت الآخرة هي التي توصف بأنها الحياة ، فما هذه التي نعيشها؟ أليست حياة ؟ ألم تصفها الآية الكريمة بالحياة الدنيا ؟ وإن كانت دنيا، لكنها حياة، أليس كذلك ؟

✍️ و الجواب بإذن الله، أن الدنيا شبه حياة، أو صورة ناقصة منها، تفتقر إلى كافة مقوّمات الاستقرار والطمأنينة ، لذلك وصفتها الآية المباركة أنها لعب و لهو .

✍️ و دوماً لا يصفها القرآن الكريم بالحياة إلا و تبعها دوماً بالاستثناء أو التقييد ، كما جاء في هذه الآية المباركة ، و كما في قوله تعالى: { اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ ۖ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا ۖ وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ ۚ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ }. (١)

✍️ و في هذا بيان لحقيقتها ، أنها شبه حياة ، لما يعتريها من نقص في كل شيء، و عجز في كل موضع.

✍️ و تأمل حالنا فيها ، نقضي ثلثها في النوم، وثلثًا آخر في الكدّ والتعب، وما يتبقى تمزّقه الحاجة، وتنهشه الأسقام، وتطوقه الهموم، وتحيط به المخاوف من كل جانب ،حتى ينتهي بنا الأمر إلى الانقطاع عنها و الموت.

✍️ و حال الدنيا عموماً ، نقص في كل شيء ، تأمل على سبيل المثال الفصول الأربعة ، الصيف طويل اليوم ، شديد الحرارة، ينهك الجسد، ويستنزف الطاقات.

✍️ و الشتاء القارس، و أمطاره تغلق الطرق و التهابات الحنجرة ، و أمراض البرد.

✍️و الربيع على قدر جماله الظاهري، تنتشر فيه حبوب اللقاح، وتزداد أمراض الحساسية والربو، ويكاد لا يمرّ على أحد دون مضاعفات صحية.

✍️و أما الخريف موسم الزوابع الترابية و الرياح الترابية ، فتجاهد حتى تستنشق الهواء و تتنفس.

✍️ و كل ما ترى فيها سعادة للنفس في هذه الدنيا، لا يخلو من نقص ؛ الطعام مثلًا، مهما كان مغذيًا له آثار جانبية و أضرار، فمثلاً الأطعمة الغنية بالحديد الذي يبني الجسم ، تسبب عسر الهضم.

✍️ فكل إفراط في الحرية يقابله غالبًا ضرر وفوضى، ما لم يضبط بضوابط الشرع والعقل ، و تأمل كل شيء في هذه الدنيا تجده مقيّد، منقوص، مشروط. لا اكتمال فيه و لا تمام.

✍️ لكن في الآخرة ؛ لا حرّ ولا برد، بل ظل ممدود، ونعيم مقيم ؛ لا نوم ولا كلال، بل حياة يقِظة نشطة لا تفتر ؛ لا نصب و لا وصب ، لا مرض، و لا ألم، لا خوف، و لا فقر، لا حزن، و لا قلق.

✍️ لا ضيق في الرزق، ولا قيد في الحركة، لا احتياج، ولا انتظار، ولا انقطاع.

✍️ حتى و إن أسرفت و أفرطت في كل شيء ، لأن كل ما فيها تام كامل، بلا نقص ولا منغّص، مبهج لا يزول، سرمدي لا ينقطع، حر خالص لا يشوبه قيد.

✍️ لذا استنكر المولى ﷻ من المنافقين و الكافرين ، في قوله ﷻ: { أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ }. (٢)

✍️ فمن ناحية حبهم و تمسكهم بالدنيا و تكالبهم و استماتهم عليها ، لا يتناسب مع صفتها و نقصها الشديد.

✍️ و من ناحية أخرى كفرهم بالآخرة و زهدهم فيها و اكتفائهم بشبه الحياة هذه ، لا يستوي أبداً مع عظيم الأجر في الدار الآخرة ، فالعجب العجاب من ظنهم.

🌿 سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك و اتوب اليك 🌿

-----------------------------------------------------------

المراجع :-

(١) آية ٢٠ - سورة الحديد

(٢) آية ٣٨ - سورة التوبة

السبت، 8 فبراير 2025

آية ٤٤ ، ٤٥ - سورة القمر

🌿 { أَمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُّنتَصِرٌ ۝٤٤ سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ } 🌿

✍️ إنّ القرآن الكريم حينما يحكي لنا عن سوء عاقبة الذين كانوا قبلنا لمّا كذّبوا و كفروا بآيات الله تعالى ، فإنّه يقصها علينا للعظة ، أي من باب التحذير و النذر أنّ نقترف ذات الجرم ، و نلاقي  ذات المصير.

✍️ لكن للأسف الشديد و رغم النُّذُر لم يزل يكفر بآيات الله تعالى أكثر النّاس ، فقد طال الأمد و نسوا ما حلّ بمَنْ كذّبوا مِن قبلهم ، و اغتروا كثيراً بعلومهم و تقدمهم و أسلحتهم المتطورة ، فظنّوا أنّهم لن يلقوا نفس عاقبة القرون الأولى ، اللاتي في نظرهم مجرد حضارات بدائية ، قطعاً أقل منهم قوةً و تطوراً و علماً ، فاطمأنوا بذلك.

✍️ و قال ربنا  : { فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ فَرِحُوا بِمَا عِندَهُم مِّنَ الْعِلْمِ وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ } (١) ، ألم تر إلى مدى ضعفنا أمام فيضان شديد أو زلزال مُدمّر أو إعصار مُحرق أو بركان ثائر !!

✍️ و الحق الحق أنّ الأمم التي وصفوها بالضعف و البدائية ؛ إذا ما قورنت بنا ، لتجدنّها أشد قوةً منا و أكثر عدداً ، فقال ﷻ عنهم : { أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ۚ كَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثَارُوا الْأَرْضَ وَعَمَرُوهَا أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ ۖ فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَٰكِن كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ } (٢) ، و قال ﷻ عنهم أيضاً : { أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ كَانُوا مِن قَبْلِهِمْ ۚ كَانُوا هُمْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَآثَارًا فِي الْأَرْضِ فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَمَا كَانَ لَهُم مِّنَ اللَّهِ مِن وَاقٍ }. (٣)

✍️ و لا عجب ، فأولئك الذين أكدوا أنهم أضعف منّا و أقل علماً و عدداً ، هم ذاتهم الذين وقفوا عاجزين مذهولين أمام آثار هذه الأمم.

✍️ إنّ المتأمل لآثارهم ليعلّمن علم اليقين إنّ هؤلاء كانوا أولوا علم كبير و بأس شديد ، فبماذا تفرح أنت و تتفاخر ؟ هل تعتبرهم بدائيين لأنهم لم يمتلكوا آلاتك الحديثة التي ترفع آلاف الأطنان من الحجارة لارتفاعات شاهقة !!

✍️ لقد رفعوا آلاف آلاف الأطنان من الحجارة و نحتوا الجبال بيوتاً ، بغير حاجة إلى آلاتك ذات الوقود و العادم ، و تفوفهم ليس عضلياً و جسمانياً و حسب ، و إنما علمياً أيضاً إذ سبقونا إلى كثير مما نتباهى به اليوم ، و دقق النظر إلى آثارهم ، ثم أجبني كيف قطعوا الحجارة الصلدة بهذه الدقة المتناهية !!؟ هل امتلكوا قواطع ليزر !!؟

✍️ لقد حققوا كل ما تسعى له اليوم ، بغير استنزاف لموارد الكوكب و بغير إفساده و تلويثه ، و هذا لا يدل إلا على تفوقهم قدراتهم العضلية و العلمية و الذهنية عليك. 

⚡ فماذا لديك أنت لتتحدى و تتبجح أمام بارئك و خالقك العظيم !!

✍️ { أَمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُّنتَصِرٌ } أعوذ بالله ، و ما قدروا الله حق قدره ، و صوّر لهم شيطانهم أنّ في اجتماعهم و اتحادهم بأس شديد في مجابهة الله تعالى ، سبحانه لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء و هو يجير و لا يجار عليه و هو العزيز الحكيم.

✍️ { سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ } حق و واقع لا محالة ، لأنّ أمر الله تعالى قدراً مقدوراً ، و لا يحسبنّ الذين كفروا سبقوا إنهم لا يعجزون. (٤)

✍️ لا إدري أي جهل هذا الذي يقود الناس إلى تحدي ربّهم خالقهم ، و يحسبون أنهم يعجزون ، و لا أدري أي شيطان مضل هذا الذي يسوق الظالمين إلى هذا المصير المشئوم ، و يزين لهم أنهم سوف ينتصرون ، و إنا لله و انا اليه راجعون.

🌿 سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك و أتوب إليك 🌿 

------------------------------------------------------------

📖 المراجع :-

(١) آية ٨٣ - سورة غافر
(٢) آية ٩ - سورة الروم
(٣) آية ٢١ - سورة غافر
(٤) انظر تفسير آية ٥٩ - سورة الأنفال

آية ٥٩ ـ سورة الأنفال

🌿 ﷽ { وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَبَقُوا ۚ إِنَّهُمْ لَا يُعْجِزُونَ } 🌿

✍️ { وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَبَقُوا } أي لا ينبغي لأولئك الكفرة الفجرة أن يحسبوا أنهم أفلتوا من عذاب الله ﷻ ، { إِنَّهُمْ لَا يُعْجِزُونَ } أي لا يزالون تحت قهر قدر الله ﷻ و متناول سلطانه.

✍️ و حيث أننا نحيا حقبة الذكاء الاصطناعي وجب تبيان هذا المعنى بصورة أكبر ، فالبعض يظنّ أننا بلغنا من العلم مبلغاً عظيماً ، و كأنّ ذكائهم المصطنع صار آلهاً لا يقهر ، و العياذ بالله. 

✍️ فيقول البعض أننا خلقنا الوحش الذي لا يُقهر ، و يبالغون قائلين أننا ربيناه صغيراً حتى إذا  ما كبر فإنه سوف يأكلنا جميعاً ، و لله المثل الأعلى ، سبحانه ، لكن و ما الذكاء الاصطناعي بجانب قدر الله تعالى و قدرته !!

✍️ إنّ ذكائهم المصطنع هذا يعتمد بشكل كبير على إحباط خطتك للانتصار عليك ، فجرّب في أي مبارزة بينك و بينه ، خاصة في الألعاب و الرياضات الذهنية ، ستجده يسارع بإحباط أي مخطط لك و أي محاولة منك للسيطرة على الوضع.

✍️ أو بمعنى آخر لن يجاريك و يعطيك الفرصة و يترك لك الحرية حتى تحقق الوضع الذي تريد من الأساس ، لأنّه لن يفور إذا سيطرت أنت و أصبحت المسألة مجرد حسابات محتومة ، و أكبر دليل على ذلك أنك لو وضعته في وضع خاسر و أمكنت منه ، فإنّه سوف يخسر .

✍️ أمّا الأقدار فلا يسري عليها هذا المنطق ، و لا تنطبق عليها حساباتنا و لا تحدها ضيق قوانين علومنا القليلة ، إنما هي من تدبير الحكيم العليم الخبير ، سبحانه.

✍️ لذلك يتحدى المولى ﷻ أولئك في كتابه الكريم قائلاً: { وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا سَنَسْتَدْرِجُهُم مِّنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ ۝١٨٢ وَأُمْلِي لَهُمْ ۚ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ } (١) ، و كذلك قال ﷻ : { فَذَرْنِي وَمَن يُكَذِّبُ بِهَٰذَا الْحَدِيثِ ۖ سَنَسْتَدْرِجُهُم مِّنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ ۝٤٤ وَأُمْلِي لَهُمْ ۚ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ }. (٢)

✍️ و هلمّ سوياً نتأمل ذلك في قصص الأولين ، إنّ وضع موسى عليه السلام و من معه مقارنةً بما لفرعون ، هو موقف ضعيف و بمنطقنا و حساباتنا سوف تحسم التوقعات أنّ الغلبة لفرعون و جنوده.

✍️ و لكن بالنسبة المولى ﷻ لم يكن الأمر كذلك ، فقال ﷻ: { وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ } (٣) ، فهل هذا ما وقع أم أصابت توقعاتنا !!

✍️ لا و الله قدر الله ﷻ هو ما وقع ، و قال تعالى : { وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا ۖ وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنَىٰ عَلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُوا ۖ وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ }.

✍️ و لئن تأملت كيف تلاعبت الأقدار بفرعون و آله ، لتقفنّ عاجزاً مذهولاً أمام هذا التدبير العظيم ، فالقدر لم يتعامل مع الوضع بالمنطق الذي نعرف أو بطريقة الذكاء الاصطناعي ، كلا البتة ، إنما أفلت زمام الأمر لفرعون و من معه ، و أفسح لهم المجال حتى يفعلوا ما شاؤوا .

✍️ لقد كان المولى ﷻ قادراً أن يأخذ فرعون أخذ عزيز مقتدر منذ أن كذّب موسى عليه السلام أول مرة ، لكنه ﷻ تركه يكذّب و يفجر و يعذّب المؤمنين و يفتنهم عن دينهم.

✍️ كان المولى ﷻ قادراً أن يخسف بفرعون بينما يقول أنا ربكم الأعلى و ما علمت لكم من إله غيري ، لكنه ﷻ أمهله !! كان المولى ﷻ قادراً أن يُفني فرعون و جنوده قبل أن يحشرهم أو قبل أن يدركوا موسى عليه السلام و من معه ، لكنه ﷻ تركهم !! 

✍️ كان المولى ﷻ قادراً أن ينبأ موسى عليه السلام بشق البحر بالعصا قبل وصوله إليه ، و لكنه ﷻ أخرهم على عند الساحل على علم ، و ذلك حتى يدنو فرعون و جنوده منهم و يلاحقوهم حتى في قاع البحر ، { وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ الْآخَرِينَ }. (٥)

✍️ إنّ وضع فرعون كان رابحاً على كافة الاحتمالات ، لكن فجأة ينهزم فرعون و تغمره الماء ، فيغرق و كل من معه ، و تنسدل الستائر على قصته إلى يوم الدين.

⚡ أين ذكائكم المصطنع من هذا !! أم تقولون أن محمّداً ﷺ خرج مهاجراً من مكة قبل أن يدركه كفار قريش !؟ ألم يقفوا ببابه و يحاصروا بيته ، و رغم ذلك خرج من بينهم سالماً !؟

✍️ و ذلك لئلا يكون للناس على الله تعالى حجّة ، فقد أمهلهم رأفة منه و رحمة ، عسى أن يرجعوا عن كفرهم و ظلمهم و أن يتوبوا إليه ، و لكن إذا بلغوا أجلهم أخذهم ، فإذا أخذهم لم يفلتهم { إِنَّهُمْ لَا يُعْجِزُونَ }.

🌿 سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك و أتوب إليك 🌿 

----------------------------------------------------------

📖 المراجع :-

(١) آية ١٨٢ ، ١٨٣ - سورة الأعراف
(٢) آية ٤٤ ، ٤٥ - سورة القلم
(٣) آية ٥ - سورة القصص
(٤) آية ١٣٧ - سورة الأعراف
(٥) آية ٦٤ - سورة الشعراء

الخميس، 6 فبراير 2025

آية ٣٤ - سورة ص

 🌿 ﷽ { وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ وَأَلْقَيْنَا عَلَىٰ كُرْسِيِّهِ جَسَدًا ثُمَّ أَنَابَ } 🌿

✍️ { وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ } الغالب على تأويل أهل العلم أنّ الفتنة هنا بمعنى الابتلاء .

✍️ قلت  ؛ و الله أعلى و أعلم ، لكن فارق كبير بين الفتنة و الابتلاء ، و إن كان كلاهما يمتحن الله ﷻ به قلوب عباده ، إلا أنّ الفتنة تقع بما كسبت أيدي الناس ، أمّا الابتلاء فمن أقدار الله ﷻ الماضية فينا بمشيئته و إذنه.

✍️ و في هذه الآية الكريمة ، اصطفى المولى ﷻ لفظ {فَتَنَّا} إذن المعنى المراد أنها وقعت بالنبي سليمان عليه السلام بسبب شيء من كسب يده و عمله ، و لعلّ هذا ما أثقل تفصيل هذا المعنى في صدور العلماء.

✍️ و لا غرابة في تعرض الأنبياء عليهم السلام أجمعين للفتن ، و هذا بنص كتاب الله ﷻ ، فعن تعرض موسى عليه السلام للفتن قال المولى ﷻ: { فَنَجَّيْنَاكَ مِنَ الْغَمِّ وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا فَلَبِثْتَ سِنِينَ فِي أَهْلِ مَدْيَنَ ثُمَّ جِئْتَ عَلَى قَدَرٍ يَا مُوسَى } (١) ، و عن الفتنة التي وقعت بداود عليه السلام ، قال ﷻ: { وَظَنَّ داوُدُ أَنَّما فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ راكِعًا وَأَنابَ }. (٢)

✍️ و من هذا نجد أنّ الأنبياء عليهم السلام أجمعين يتعرضون للفتن و لكن نفوسهم الطيبة تعصمهم أن يسقطوا فيها ، و إنما يتجاوزونها بفضل الله ﷻ عليهم ، و في هذه الآية المباركة يقص علينا المولى ﷻ خبر ما وقع بسليمان عليه السلام و ما تعرض له من فتنة إذ ألقي على كرسيه جسداً ، و قد بينها لنا رسول الله ﷺ ، كما أخرج البخاري في صحيحه. 

✍️ فعن أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله ﷺ : " قَالَ سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ عليهما السلام لَأَطُوفَنَّ اللَّيْلَةَ عَلَى مِائَةِ امْرَأَةٍ أَوْ تِسْعٍ وَتِسْعِينَ ، كُلُّهُنَّ يَأْتِي بِفَارِسٍ يُجَاهِدُ فِي سَبِيلِ اللهِ ، فَقَالَ لَهُ صَاحِبُهُ: إِنْ شَاءَ اللهُ ، فَلَمْ يَقُلْ إِنْ شَاءَ اللهُ ، فَلَمْ يَحْمِلْ مِنْهُنَّ إِلَّا امْرَأَةٌ وَاحِدَةٌ جَاءَتْ بِشِقِّ رَجُلٍ ، وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَوْ قَالَ إِنْ شَاءَ اللهُ لَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللهِ فُرْسَانًا أَجْمَعُونَ ". (٣)

✍️ أمّا القصة التى تروى عن استيلاء جني (أياً كان اسمه) على عرش سليمان عليه السلام و ملكه ، فهي ممّا نقل عن أهل الكتاب ، و حتى إن صحت سنداً ، لا تصح متناً لما فيها من نكارة شديدة ، و لا يجب تأويل الآية الكريمة بما جاء فيها و ذلك لعدة أسباب ؛-

أولاً أنّ التأويل الصحيح و قصته قد قصها علينا رسول الله ﷺ كما تبينا معاً ، و طالما كان ذلك ، إذن فليس من داعي للجوء إلى ما جاء في كتب و شرائع الآخربن. 

ثانياً أنّ المولى ﷻ قد سخر الجنّ لسليمان عليه السلام ، فحتى المردة منهم كان له عليهم سلطاناً ، فكيف يتجرأ أحدهم على مقامه ، و انتزاع ملكه و عرشه.

ثالثاً أنك إذا ما أمعنت النظر في الآية الكريمة و تأملت ألفاظها بدقة ، تجدها لا تنطبق أبداً على ما نقلوا عن أهل الكتاب ، و إنما تنطبق على ما قصه علينا رسول الله ﷺ.

فقال ﷻ: { وَأَلْقَيْنَا عَلَىٰ كُرْسِيِّهِ } و الكرسي يكون موضعه دون العرش و تحته ، فالعرش محل جلوس الملك و تنصيبه ، أمّا الكرسي فهو موضع قدميه ، و هذا لا ينطبق على قصة الجني ، إذ قالوا أنه استولى على ملك سليمان عليه السلام ، ممّا يستلزم إعتلائه لعرشه.

و إنما ينطبق على ما قصه علينا رسول الله ﷺ ، إذ ألقوا على الكرسي أي تحت قدميه شق المولود الذي أنجبته له امرأته ، و { جَسَدًا } أي بدناً بلا حياة (٤) ، ممّا يؤكد أنّ المقصود الوليد المشوّه ، أمّا الجني فلا ينطبق عليه لفظ جسد.

✍️ و سبب تعرض سليمان عليه السلام لهذه الفتنة قد بينه لنا رسول الله ﷺ ، أنه نسي قول إن شاء الله ، و ذلك لأن أنبياء الله عليهم السلام أجمعين ، لا يجب أن تفوتهم حتى الهفوة الصغيرة ، لأنّ أفعالهم تُسنّ عنهم فيمن تبعهم و من جاء بعدهم.

✍️ و لو أنّه عليه السلام لم يتعرض لهذه لفتنة ،  لكانت فتنة و فتن بها الرجل الذي كان معه ؛ كما جاء في الحديث ، و لسنّت عنه و تساهلنا في ذلك إتكالاً عليها .

✍️ و قد عُوتب رسول الله ﷺ عن ذات هذه الهفوة ، و تأخر عنه الوحي في إجابة الأسئلة التي بعث بها يهود المدينة إليه ، و ضاق صدره و كانت محنة شديدة ، فقال المولى ﷻ : { وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَٰلِكَ غَدًا ۝٢٣ إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ ۚ وَاذْكُر رَّبَّكَ إِذَا نَسِيتَ وَقُلْ عَسَىٰ أَن يَهْدِيَنِ رَبِّي لِأَقْرَبَ مِنْ هَٰذَا رَشَدًا }. (٥)

✍️ و الدليل الأعظم على أن الفتنة التي تعرض لها النبي سليمان عليه السلام كانت بسبب هذه الهفوة الصغيرة ، أن المولى ﷻ ختم الآية الكريمة بقوله { ثُمَّ أَنَابَ } أي رجع إلى الحق و الصواب و هذا كما ترى لا ينطبق ايضا على رواية الجني ، و إنما ينطبق على ما قصه علينا رسول الله ﷺ ، بدليل توبة سليمان عليه السلام عن هذا السهو .

🌿 سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك و أتوب إليك 🌿 

------------------------------------------------------------

📖 المراجع :-

(١) آية ٤٠ - سورة طه
(٢) آية ٢٤ - سورة ص
(٣) صحيح البخاري (٢٨١٩)
(٤)  انظر معنى جسد في شرح آية ٨ - سورة الأنبياء
(٥) آية ٢٣، ٢٤ - سورة الكهف 

الأحد، 2 فبراير 2025

الآيات ٩٢ : ٩٨ - سورة طه

🌿 ﷽ { قَالَ يَا هَارُونُ مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا ۝٩٢ أَلَّا تَتَّبِعَنِ ۖ أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي ۝٩٣ قَالَ يَا ابْنَ أُمَّ لَا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلَا بِرَأْسِي ۖ إِنِّي خَشِيتُ أَن تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي ۝٩٤ قَالَ فَمَا خَطْبُكَ يَا سَامِرِيُّ ۝٩٥ قَالَ بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِّنْ أَثَرِ الرَّسُولِ فَنَبَذْتُهَا وَكَذَٰلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي ۝٩٦ قَالَ فَاذْهَبْ فَإِنَّ لَكَ فِي الْحَيَاةِ أَن تَقُولَ لَا مِسَاسَ ۖ وَإِنَّ لَكَ مَوْعِدًا لَّن تُخْلَفَهُ ۖ وَانظُرْ إِلَىٰ إِلَٰهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفًا ۖ لَّنُحَرِّقَنَّهُ ثُمَّ لَنَنسِفَنَّهُ فِي الْيَمِّ نَسْفًا ۝٩٧ إِنَّمَا إِلَٰهُكُمُ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ۚ وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا ۝٩٨ } 🌿

✍️ { قَالَ } موسى عليه السلام { يَا هَارُونُ مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا } و موسى قد ألقى اللوم على أخيه عليهما السلام ، لأنه استخلفه فيهم ، فاللوم دائماً على يقع القائد و إن لم يذنب { أَلَّا تَتَّبِعَنِ ۖ أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي } حين أوصاه قائلاً { وَأَصْلِحْ وَلَا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ }. (١)

✍️ و هنا لم يتمالك موسى عليه السلام غضبه كما بينت لكم من قبل { وَأَلْقَى الْأَلْوَاحَ وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ ۚ } (٢) ، و هنا دافع هارون عليه السلام عن نفسه فقال { قَالَ يَا ابْنَ أُمَّ } و هنا لنا وقفة مع تساؤل لماذا قال يا ابن أم و لم يقل يا أخي مثلاً !!

✍️ إنّ هذا التساؤل قد أودى بكثير من الباحثين إلى تأويل الآية  على غير الحق ، و ذهب بهم ظنهم بعيداً حتى أن بعضهم قد قال أنّ موسى و هارون عليهما السلام ليسا إشقاء و إنما إخوة لأم ، و لمّا أجابهم مجيب بأنّ كلاهما عليهما السلام يحملان ذات اسم الأب ، كان ردهم صادماً ، إذ قالوا لقد تزوجت مرتين من رجلين كلاهما اسمه عمران !!

✍️ و هذا فرض بعيد و رأي غير صحيح ، قد جانب القائل به الصواب تماماً ، فكلاهما عليهما السلام ابنين لذات الأب و كان اسمه عمران و لذات الأم ، و هذا من المتفق عليه في مختلف الشرائع ، فليس من داعي للتحذلق و التفلسف في أمور مسلم بها و التشكيك فيها ، أو تقصي شيء لا طائل منه.

✍️ و إنما قال له " يا ابن أم " بغرض استعطافه  ، كما نقول باللغة الدارجة "نحن أبناء بطن واحدة" ، هذا هو غاية الأمر ، فقال { يَا ابْنَ أُمَّ لَا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلَا بِرَأْسِي ۖ  إِنِّي خَشِيتُ أَن تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي } ، و في سورة الأعراف أكمل قوله قائلاً : { إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكَادُوا يَقْتُلُونَنِي فَلَا تُشْمِتْ بِيَ الْأَعْدَاءَ وَلَا تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ }. (٢)

✍️ و ما أنزله علينا المولى تبارك وتعالى في الأعراف هو تتمة دفاع هارون عليه السلام عن نفسه إذا برر كيف كانت ستقع الفرقة بين بني إسرائيل إذا اتخذ ضدهم تدبيراً ما ، حيث تمسكوا بالعجل حتى أنهم هددوه عليه السلام و نبيهم بالقتل ، مما سيجعلهم فرقتين تقاتل إحداهما دفاعاً عن هارون عليه السلام و الأخرى تطلب قتله.

✍️ هنا فطن موسى عليه السلام أنّ الفتنة التي وقعت في قومه أثناء غيابه عنهم ، كانت أكبر من أن تُحتوي بالقول زجراً أو أمراً بمعروف و نهياً عن منكر ، لذلك توجه إلى الشيطان الذي أضلهم فقال : " فَمَا خَطْبُكَ يَا سَامِرِيُّ ".

✍️ و اعتقد أنّ الدهشة في سؤاله عليه السلام سببها أنّ شيطاناً كهذا خرج منهم و أوقع بينهم فتنة عظيمة ، فكيف غاب عنهم فما اكتشفوا أمره و لا أحاطوا به علماً !! و كيف كان مستتراً فيهم ، فلم يلحظوه إذ خرج معهم و عبر البحر بين صفوفهم !!

✍️ و كان الرد أدهى من كل ما كان ، إذ فاق في القبح حتى الجريمة ذاتها ،  فقال { قَالَ بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ } و "بصرت" تختلف عن "أبصرت" من حيث التوظيف اللغوي ، فأما أبصرت تصف الرؤية الحسيّة ، أما بصرت فتعبر عن رؤية تتجاوز الحسية ، رؤية الإدراك و الوعي و البصيرة.

✍️ { فَقَبَضْتُ قَبْضَةً } أي أخذ بملء كفه  و الأصل هو تفسير النص على ظاهره ، و لا حاجة في حمل النص على غير هذا المعنى مثل الرأي القائل أنه أخذ القليل من شريعة موسى عليه السلام.

✍️ { فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِّنْ أَثَرِ الرَّسُولِ } و لفظ "الرسول" يصلح لوصف كل من جبريل و موسى عليهما السلام ، فالله ﷻ يصطفي من الملائكة رسلاً ، كما بين لنا في قوله ﷻ : { الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ } (٣) ، و من المعلوم أن جبريل عليه السلام موكل بالوحي للأنبياء و الرسل.

✍️ و كذلك موسى عليه السلام لائق به الوصف ، فهو رسول الله إلى قومه ، و أنزل عليه الكتاب و الشريعة ، فقال عنه المولى ﷻ { وَلَقَدْ فَتَنَّا قَبْلَهُمْ قَوْمَ فِرْعَوْنَ وَجَاءَهُمْ رَسُولٌ كَرِيمٌ } (٤) ، لكن الأرجح أنّ المقصود في قول السامري هو جبريل عليه السلام ، لأن الخطاب موجه إلى موسى عليه السلام ، و قد تحدث عن الرسول بصيغة الغائب إذن فالرسول المقصود ليس موسى و إنما جبريل عليهما السلام.

✍️ و على هذا الرأي السلف الصالح من صحابة رسول الله ﷺ ، و عليه جمهور المفسرين و أهل العلم إن شاء الله تعالى ، و هنا قد يسأل سائل كيف تسنى له رؤية جبريل عليه السلام !!

✍️ و جواب ذلك في الآية ذاتها ، أنه استدل على رؤيته من أثره في الأرض ، و الظاهر من المعنى أنه رأى ما أدهشه حتى ظن أن تراب الأثر أصبح غير عادياً ، و هذا يؤكد أن المراد بالرسول كان جبريل عليه السلام ، فلئن كان الرسول يقصد به موسى عليه السلام ، ما أدهش الأمر السامري ، و لما أدهشه ما رأى في آثاره أخذ منه قبضة و أكمل  قوله { فَنَبَذْتُهَا } أي ألقاها في محرقة زينة القوم. 

✍️ { وَكَذَٰلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي } أي وسوست و زينت ، فالنفس آمارة بالسوء إلا ما رحم ربي ، و قد زينت له نفسه أن يحل محل موسى عليه السلام بتحقيق مطالب بني إسرائيل في أن تكون لهم أصناماً يعبدونها .

✍️ { قَالَ فَاذْهَبْ } و رغم ثورة موسى عليه السلام و غضبه الشديد إلا أنّه إلتزم ضبط النفس مع هذا الشيطان ، و لعل هذا كان وحياً من الله ﷻ له ، فقد جاء في سورة الأعراف أنّ المولى ﷻ كتب على أصحاب العجل الهوان و المذلة في الدنيا و غضب عليهم فيها و في الآخرة ، فقال ﷻ { إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَذِلَّةٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۚ وَكَذَٰلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ }(٥) ، فلعل موسى عليه السلام اكتفى بما كتبه الله ﷻ عليهم من عقاب جزاء فعلتهم.

✍️ و قوله "فاذهب" لا تعني أنه أطلق سراحه بغير عقاب ، فلقد قال المولى ﷻ مثل ذلك لإبليس { قَالَ اذْهَبْ فَمَن تَبِعَكَ مِنْهُمْ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَاؤُكُمْ جَزَاءً مَّوْفُورًا } (٦) فهل معنى هذا هنا أنه أطلق سراحه بغير عقاب ، كلا قطعاً ، و إنما اذهب هنا بمعنى فارقني و اذهب عني .

✍️ و الدليل ما أكمل به موسى عليه السلام قوله ، فقال { قَالَ فَاذْهَبْ فَإِنَّ لَكَ فِي الْحَيَاةِ أَن تَقُولَ لَا مِسَاسَ ۖ وَإِنَّ لَكَ مَوْعِدًا لَّن تُخْلَفَهُ ۖ  } و هذا القول يحمل بين ألفاظه وعيداً شديداً على كافة احتمالاته.

✍️{ أَن تَقُولَ لَا مِسَاسَ } و هذا حال مختلف عن حال من أصابه مس شيطاني ، و قد وصف الله ﷻ حالهم بالتخبط في القيام و المشي فقال تعالى : { الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ } (٧) ، فالمصروع قد يصرخ أو يسقط أو يتعرى ، لكنه لا يقول لا مساس.

✍️ لذلك حمله أهل التأويل على ثلاثة معاني ، الأول أنه لعنه فأراد به أن يجعله كالحيوان الأجرب لا يقربه أحد و لا يقرب أحد ، و الثاني أنّ المساس يراد به النكاح (٨) و بذلك ينقطع نسله ، و استدلوا على هذا المعنى من قوله ﷻ { وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِن نِّسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِّن قَبْلِ أَن يَتَمَاسَّا ۚ ذَٰلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ ۚ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ } (٩) ، و كذلك في قوله تبارك و تعالى : { وَإِن طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ }. (١٠) 

✍️ و الرأي الثالث  أن لا يمسّه أحد بآذى حتى أجل معلوم ، و لكني أركن قليلاً إلى الرأي الثاني من بينهم لما لمعناه من شواهد قرآنية ، و الله أعلى و أعلم.

✍️ { وَإِنَّ لَكَ مَوْعِدًا لَّن تُخْلَفَهُ ۖ  } و فيه قولين أولهما أنه موعد الآخرة حيث يحاسبه الله ﷻ على جرمه ، و الرأي الآخر أنّ موعده الدنيا حيث يعذب عند موته ، قلت الأرجح موعد الدنيا فموعد الآخرة للخلق جميعاً و الله أعلم.

✍️ { وَانظُرْ إِلَىٰ إِلَٰهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفًا ۖ لَّنُحَرِّقَنَّهُ } و هذا ليجعل ما عمله هباءاً و يجعل ما أنفقوا حسرةً عليهم و ينقلبوا خاسرين ، { ثُمَّ لَنَنسِفَنَّهُ فِي الْيَمِّ نَسْفًا } لأن طبيعة السبيكة حال إنصهارها لن تتحمل التبريد المفاجئ في مياه البحر ، لذا سوف تتنفصل عناصرها أيا كانت و تتبعثر.

✍️ { إِنَّمَا إِلَٰهُكُمُ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ۚ } إن هذه تذكرة لكل مؤمن ، حتى لا يفتتن عن الإقرار بوحدانية الله سبحانه { وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا } ما كان و ما هو كائن و ما سيكون .

🌿 سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك و أتوب إليك 🌿 

------------------------------------------------------------

📖 المراجع :-

(١) آية ١٤٢ - سورة الأعراف
(٢) آية ١٥٠ - سورة الأعراف
(٣) آية ١ - سورة فاطر
(٤) آية ١٧ - سورة الدخان 
(٥) آية ١٥٢ - سورة الأعراف
(٦) آية ٦٣ - سورة موسى
(٧) آية ٢٧٥ - سورة البقرة 
(٨) تفسير القرطبي (٤٢٠٦/١١)
(٩) آية ٣ - سورة المجادلة
(١٠) آية ٢٣٧ - سورة البقرة 

الثلاثاء، 28 يناير 2025

آية ٨٦ : ٩١ - سورة طه

🌿 ﷽ { فَرَجَعَ مُوسَىٰ إِلَىٰ قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا ۚ قَالَ يَا قَوْمِ أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْدًا حَسَنًا ۚ أَفَطَالَ عَلَيْكُمُ الْعَهْدُ أَمْ أَرَدتُّمْ أَن يَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبٌ مِّن رَّبِّكُمْ فَأَخْلَفْتُم مَّوْعِدِي ۝٨٦ قَالُوا مَا أَخْلَفْنَا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنَا وَلَٰكِنَّا حُمِّلْنَا أَوْزَارًا مِّن زِينَةِ الْقَوْمِ فَقَذَفْنَاهَا فَكَذَٰلِكَ أَلْقَى السَّامِرِيُّ ۝٨٧ فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلًا جَسَدًا لَّهُ خُوَارٌ فَقَالُوا هَٰذَا إِلَٰهُكُمْ وَإِلَٰهُ مُوسَىٰ فَنَسِيَ ۝٨٨ أَفَلَا يَرَوْنَ أَلَّا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلًا وَلَا يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا ۝٨٩ وَلَقَدْ قَالَ لَهُمْ هَارُونُ مِن قَبْلُ يَا قَوْمِ إِنَّمَا فُتِنتُم بِهِ ۖ وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَٰنُ فَاتَّبِعُونِي وَأَطِيعُوا أَمْرِي ۝٩٠ قَالُوا لَن نَّبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ حَتَّىٰ يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَىٰ } 🌿

✍️ { فَرَجَعَ مُوسَىٰ إِلَىٰ قَوْمِهِ } نزل من الجبل عائداً إلى قومه ، من اللقاء المقدس و تلقيه الشريعة ، { غَضْبَانَ أَسِفًا ۚ } و الغضب هو شدة الحنق ، و غضبان صيغة مبالغة على وزن فعلان ممّا يدل على شدة الغضب ، و الأسف هو شدة الحزن.

✍️ صُدِم الرسول الكريم عليه السلام من فعلة قومه ، و هذا شعور مؤلم ، خليط من خيبة الأمل و الإحباط قد امتزجا بالحزن و الأسى ، لذا نتج كل هذا الغضب و الحرقة و الثورة الذين حدثنا عنهم المولى ﷻ.

✍️ هذا الشعور قد انتاب النبي الكريم عليه السلام لمّا نبّأه المولى ﷻ أنّ بني إسرائيل قد فتنهم و أضلهم السامري في غيابه ، و كان قبل أن ينبأ بهذا يدافع عنهم أمام الله ﷻ قائلاً: { قَالَ هُمْ أُولَاءِ عَلَىٰ أَثَرِي وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَىٰ }.(١) 

✍️ و ممّا يدلّ كذلك على شدة غضب موسى عليه السلام ، ما قصه علينا المولى ﷻ في سورة الأعراف فقال :{ وَأَلْقَى الْأَلْوَاحَ وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ ۚ } (٢) ، و تحطمت الألواح نتيجة شدة إلقائه إياها في غضبه ، و لذلك لمّا وصف المولى ﷻ أخذه للألواح لمّا سكت عنه الغضب بعد ذلك ، أنه أخذ نسخة منها و ليست الألواح الأصلية التي تحطمت من إلقائه لها ، فقال ﷻ: { وَلَمَّا سَكَتَ عَن مُّوسَى الْغَضَبُ أَخَذَ الْأَلْوَاحَ ۖ وَفِي نُسْخَتِهَا هُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ }. (٣)

✍️ { أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْدًا حَسَنًا ۚ } و قد جاء بيان ذلك في قوله ﷻ : { يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ قَدْ أَنجَيْنَاكُم مِّنْ عَدُوِّكُمْ وَوَاعَدْنَاكُمْ جَانِبَ الطُّورِ الْأَيْمَنَ وَنَزَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَىٰ } (٤) ، فيقابل إلتزامهم بعهد الله ﷻ  ؛ النجاة و الرزق و النصر في الدنيا ، و الفوز بالجنة في الآخرة.

✍️ { أَفَطَالَ عَلَيْكُمُ الْعَهْدُ } و فيه استنكار من فعلتهم لأنّ موسى عليه السلام كل ما غابه عنهم كان أربعون ليلة ، { أَمْ أَرَدتُّمْ أَن يَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبٌ مِّن رَّبِّكُمْ فَأَخْلَفْتُم مَّوْعِدِي } ذلك أنّ شدة قبح العذر الأول و التي لا تجعله يستوي و المنطق السليم ، لا تترك احتمال آخر سوى أنهم انتقوا غضب الله ﷻ بمحض إرادتهم.

✍️ { قَالُوا مَا أَخْلَفْنَا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنَا } أي بإرادتنا و المراد أنّهم لم يتمالكوا أنفسهم أمام الفتنة ، وذلك لأنهم كانوا يريدون ذلك قبل مغادرة موسى عليه السلام لهم ، حتى أنهم تبجحوا و طلبوا منه أن يصنع لهم أصناماً آلهة ، تلك الرغبة الدفينة في نفوسهم هي ما عجلت بسقوطهم في الفتنة ، و قد تدارسنا سوياً هذه النقطة بالتفصيل . (٥)

✍️ { وَلَٰكِنَّا حُمِّلْنَا أَوْزَارًا مِّن زِينَةِ الْقَوْمِ } و نعتوا زينة القوم "أوزاراً" لأنهم أخذوها بغير حق ، إذ احتالوا على القبط و أخذوها على وجه الاستعارة ثمّ خرجوا بها مع موسى عليه السلام ، و لم يردوها لأهلها .

✍️ { فَقَذَفْنَاهَا فَكَذَٰلِكَ أَلْقَى السَّامِرِيُّ } و ألقى تُحمل على معنيين ؛ الأول أنّه قذف ما كان يحمل معه مثلهم ، و المعنى الآخر أنّه ألقى إليهم قولاً و أملى عليهم ، فأضلّهم به و زين لهم الكفر ، و هذا يتفق مع وصف المولى ﷻ له في قوله { وَأَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُّ } ، حيث حثّهم هذا الدجّال أن يقذفوا ما معهم من الحليّ و من ثَمّ يقوم هو بسحره ، و الله أعلم.

✍️ { فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلًا جَسَدًا } و أخرج أي أبرز و بيّن بدفع الشيء للخارج ، و هذا دلالة على أنّه لم ينحت و إنّما أخرجه لهم السامري على هيئة العجل و كأنّه كان قد صبّ في قالب أو نحوه ثمّ أخرج منه ، و جسداً أي لا روح فيه و لا حياة ، و قد بينت لكم فرق المعنى بين جسد و جسم من حيث التوظيف اللغوي. (٦)

✍️ { لَّهُ خُوَارٌ } و الخوار هو صوت الجاموس و البقر و هذا الصوت صدر منه نتيجة مرور الهواء في الفتحات و الفقاعات التي إحتواها جسد الصنم في بنيته ، لأنّ زينة القوم قطعاً لم تكن ذهباً خالصاً و إنّما سبيكة مذهبة أي أنّ فيها معادن أخرى ، مثل الفضة و النحاس ، و ربما كانت مرصعة بأحجار كالياقوت و الزمرد .... إلخ.

✍️ و قطعاً ما زاد من وجود هذه الفقاعات و الفتحات في بنيته ، تلك القبضة التي قبضها السامري من تراب أرض القاع من أثر الرسول كما سوف تبيّن لنا الآيات الكريمة القادمة بإذن الله تعالى.

✍️ { فَقَالُوا هَٰذَا إِلَٰهُكُمْ وَإِلَٰهُ مُوسَىٰ } و هذا قول جماعي يدل على اتفاقهم عليهم و وقوعهم في الفتنة ، { فَنَسِيَ } قلت و ما يبدوا أن هذا كان رداً على تساؤل ، إن كان هذا إله موسى عليه السلام ، فمن الذي ذهب موسى للقائه ، فأجابوا على ذلك أنّ موسى عليه السلام قد ضل سبيله عنه و نسيه ، انظر كيف اتبعوا أهوائهم و زين لهم الشيطان سوء عملهم !!

✍️ { أَفَلَا يَرَوْنَ أَلَّا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلًا وَلَا يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا } و هذا دليل قاطع من كتاب الله ﷻ ، ينفي أنّ العجل الذي أخرجه لهم السامري كان حيّاً ، و إنّما لم يكن سوى صنماً لا يتكلم و لا يملك ضراً و لا نفعاً ، كما قال إبراهيم عليه السلام لقومه على الأصنام عامةً ، { قَالَ أَفَتَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنفَعُكُمْ شَيْئًا وَلَا يَضُرُّكُمْ }. (٧)

✍️ { وَلَقَدْ قَالَ لَهُمْ هَارُونُ مِن قَبْلُ } أن يرجع موسى عليه السلام إليهم ، و هذه تبرئة المولى ﷻ لنبيه هارون عليه السلام مما اتهموه به ظلماً و زوراً (٥) ، إذ أنه لم يقف مكتوف الأيدي و إنما قال لهم في أنفسهم قولاً بليغاً .

✍️ فإذا ما تأملت قول النبي الكريم عليه السلام ، لتجدنه قد جمع فيه كل محاسن الدعوة إلى الله ﷻ ؛ فقال { يا قَوْمِ إِنَّمَا فُتِنتُم بِهِ ۖ } حيث زجرهم عن الباطل و بيٌن لهم أنّهم فتنوا و أشركوا برب العباد ، ثم أكمل بإقرار التوحيد براءة لنفسه أمام الله تعالى ، و دعوة لهم للرجوع للحق فقال { وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَٰنُ } ، ثم دلهم على سبيل الهدى ؛ و هو اتباع الشريعة و ذلك باتباعه كونه نبي عليه السلام و طاعة أمره ؛ فقال : { فَاتَّبِعُونِي وَأَطِيعُوا أَمْرِي } .

✍️ و أصرّ الكافرين على كفرهم و لم يأبهوا لقوله عليه السلام ، و قالوا { لَن نَّبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ حَتَّىٰ يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَىٰ } أي دائمين على عبادته حتى يرجع موسى عليه السلام و يقرر فيه ، فآثروا تصديق هذا الدجّال على اتباع نبيهم عليه السلام.

⚡ و قد تتسائل لماذا اكتفى هنا هارون عليه السلام بالقول و لم يتخذ يعاقبهم أو ينزل بهم جزاء ؟!

✍️ لأنّ بني إسرائيل كانت في هذه الفتنة على فرقتين فرقة آمنت للسامري و فرقة امتنعت عن اتباعه ، فإذا أنزل بهم هارون عليه السلام عقاب زادت الفرقة و انقسموا ، و لربما تقاتلوا ، و هذا ما لم يريده النبي الكريم عليه السلام ، لسببين ؛-

✍️ فمن ناحية أفعال الرسل عليهم السلام أجمعين لا تكون إلا بوحي من الله ﷻ ، و لعل الوحي لم يبلغه هذا ، و من ناحية أخرى كان ذلك اتباعاً لأمر موسى عليه السلام ، فقد أوصاه عليهما السلام ، لما أستخلفه فيهم قائلاً ؛ { وَقَالَ مُوسَىٰ لِأَخِيهِ هَارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلَا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ } (٨) ؛ و هارون يتبع موسى عليهما السلام في الأمر و الدعوة ، لذلك لم يقضي في المسألة حتى يرجع موسى عليه السلام.

🌿 سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك و أتوب إليك 🌿 

------------------------------------------------------------

📖 المراجع :-

(١) آية ٨٤ - سورة طه
(٢) آية ١٥٠ - سورة الأعراف
(٣) آية ١٥٤ - سورة الأعراف
(٤) آية ٨٠ - سورة البقرة 
(٥) انظر تفسير آية ٨٥ - سورة طه
(٦) انظر تفسير آية ٨ - سورة الأنبياء
(٧) آية ٦٦ - سورة الأنبياء
(٨) آية ١٤٢ - سورة الأعراف 

الأحد، 26 يناير 2025

آية ٨ - سورة الأنبياء

 🌿 ﷽ { وَمَا جَعَلْنَاهُمْ جَسَدًا لَّا يَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَمَا كَانُوا خَالِدِينَ } 🌿 

✍️ إنّ لفظي جسد و جسم ؛ متشابهان في الأحرف و كلاهما يشير إلى البدن أو صورة و هيئة الخلق التي يبدو بها للناظرين ، إلا أنّ هناك فرق بينهما في التوظيف اللغوي.

✍️ فقد ذكر لفظ "جسم" في كتاب الله ﷻ مرتين ؛ بصيغة المفرد في قوله ﷻ: { وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا ۚ قَالُوا أَنَّىٰ يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِّنَ الْمَالِ ۚ قَالَ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ ۖ وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَن يَشَاءُ ۚ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ } (١) ، و مرة بصيغة الجمع في قوله ﷻ: { وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ ۖ وَإِن يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ ۖ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُّسَنَّدَةٌ ۖ يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ ۚ هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ ۚ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ ۖ أَنَّىٰ يُؤْفَكُونَ }. (٢)

✍️ أمّا لفظ جسد فقد ذكر في القران الكريم أربع مرات ، منهم الآية التي هي موضوع تدبرنا ، و في قوله ﷻ: { وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَىٰ مِن بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلًا جَسَدًا لَّهُ خُوَارٌ ۚ أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لَا يُكَلِّمُهُمْ وَلَا يَهْدِيهِمْ سَبِيلًا ۘ اتَّخَذُوهُ وَكَانُوا ظَالِمِينَ } (٣) ، و كذلك في قوله ﷻ :{ فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلًا جَسَدًا لَّهُ خُوَارٌ فَقَالُوا هَـٰذَا إِلَـٰهُكُمْ وَإِلَـٰهُ مُوسَىٰ فَنَسِيَ } (٤) ، و في قوله ﷻ: { وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ وَأَلْقَيْنَا عَلَىٰ كُرْسِيِّهِ جَسَدًا ثُمَّ أَنَابَ } . (٥)

✍️ و بمقارنة توظيف القرآن الكريم اللغوي للفظين في الآيات السابقة نجد أنّ المولى ﷻ يطلق لفظ "جسم" على البدن التي تدبّ فيها الحياة و تظهر فيه خصائص الكائنات الحيّة ، مثل طالوت في الآية الأولى و المنافقون في الآية الثانية ، أمّا لفظ "جسد" فيصف به المولى ﷻ البدن الذي يخلو من الحياة ، مثل العجل الذي أخرجه السامري و أضل به بني إسرائيل ، و وليد نبي الله سليمان عليه السلام الذي ولد ميتاً مشوهاً.

✍️ و في الآية الكريمة ؛ محل تدارسنا ، يخبر المولى ﷻ رسوله ﷺ ؛ أنّ تعجب الكافرين من اصطفاء الله ﷻ بشراً رسولاً ، ليس له أساس من الصحة ، فتلك سنة الله تعالى في الحياة الدنيا و رحمة منه ، و الرسل عليهم السلام أجمعين من قبل النبي ﷺ ، كانوا بشراً لأمثالنا ، يأكلون و يشربون و ينامون و يتزوجون و ما إلى غير ذلك من خصائص الأحياء.

✍️ و لم يكونوا أجساداً هامدة كأنهم تماثيل و أصنام ، و لم يجعل الله ﷻ لأحد منهم الخلد ، و إنما كل نفس منهم ذاقت الموت ، و هذا بيّن في الآية السابقة لها ، إذ قال ربّ العباد ﷻ : { وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلَّا رِجَالًا نُّوحِي إِلَيْهِمْ ۖ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ }. (٦)

🌿 سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك و أتوب إليك 🌿 

------------------------------------------------------------

📖 المراجع :-

(١) آية ٢٤٧ - سورة البقرة
(٢) آية ٤ - سورة المنافقون
(٣) آية ١٤٨ - سورة الأعراف
(٤) آية ٨٨ - سورة طه
(٥) آية ٣٤ - سورة ص
(٦) آية ٦ - سورة الأنبياء

الجمعة، 24 يناير 2025

آية ٧٢ - سورة ص

 🌿 { فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ } 🌿

✍️ { فَإِذَا سَوَّيْتُهُ } أي فإذا خلقه الله ﷻ و صوّره على هيئة سوية حتى في أدق التفاصيل ، قال ﷻ : { قَادِرِينَ عَلَىٰ أَن نُّسَوِّيَ بَنَانَهُ } (١) ، صنع الله الذي أتقن كل شيء ، فتبارك الله أحسن الخالقين.

✍️ { وَنَفَخْتُ فِيهِ } و التاء آخر " نفخت " هي تاء الفاعل المتكلم أي المولى ﷻ ، أي أنّ النفخة وقعت بأمر الله ﷻ و بإذنه ، و الهاء آخر " فيه" ضمير متصل عوضاً عن المفعول به ، و هو آدم عليه السلام .

✍️ { مِن رُّوحِي } و القاعدة الرئيسية التي يجب أنّ نعود لها في تدبر هذه المسألة هي قول المولى ﷻ { وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ ۖ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا }. (٢)

✍️ إذن فكل ما قيل و ما سوف يُقال في هذه المسألة يندرج و يصنف تحت عبارة " الله أعلى و أعلم" ، و ما سوف نطرحه هنا ليس إلا ترجيحاً و حسب، لتقريب المفهوم .

✍️ و الروح مخلوقة من المخلوقات و ليست من ذات الله ﷻ ، و على هذا إجماع أهل العلم (٣) ، و الروح كما ينجلي لي في الإشارات القرآنية؛ هو جبريل عليه السلام ؛ رئيس الملائكة و رسول أهل السماء للبشر -والله أعلى وأعلم.

✍️ وربما مما يصطلح في معناها، أننا نطلق لفظ الروح مجازاً على ما نُفخ فينا وحبينا به، أو ربما لأننا لا نعرف لذلك اسم فسميناه بحسب أصله، وهذا من لغة العرب، مثل أن تنادي شخص بلقب عائلته لأنك لا تعرف اسمه...

✍️ و أشار المولى ﷻ إلى هذا في غير موضع من كتابه الكريم ، فقال ﷻ : { وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَقَفَّيْنَا مِن بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ ۖ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ ۗ أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَىٰ أَنفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ } (٤) ، و قال ﷻ : { نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ } . (٥)

✍️ و ياء الملكية آخر " روحي " في الآية المباركة التي هي موضوع تدبرنا ، بلى تعود على المولى ﷻ و لكنها لا تدل على أنّها من ذاته و إنّما نسبها المولى ﷻ لذاته تشريفاً لجبريل عليه السلام و تعظيماً لقدره ، و لاشك في رفعة مقام جبريل عليه السلام ، فهو سيد الملائكة باتفاق كافة الشرائع السماوية ، و قال عنه رب العباد : { عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَىٰ ۝٥ ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَىٰ }.(٦)

✍️ و قد ميّزه الله ﷻ عن سائر الملائكة في كتابه غير مرة ، حتى أنه يذكر منفرداً و ليس ضمن الملائكة ، كما في قوله ﷻ: { تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ } (٧) ، و قال ﷻ : { تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِم مِّن كُلِّ أَمْرٍ } (٨) ،  { يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَائِكَةُ صَفًّا ۖ لَّا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَٰنُ وَقَالَ صَوَابًا } . (٩)

✍️ أو يذكر وحده لكن بصيغة الجمع للتعظيم ، كما جاء في قوله ﷻ: { وَإِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَىٰ نِسَاءِ الْعَالَمِينَ } (١٠) ، و في قوله ﷻ: { إِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِّنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ }. (١١)

✍️ و معلوم أنّ الذي تحدث إلى الصديقة مريم كان جبريل وحده عليهما السلام ، كما جاء في قوله ﷻ : { فَاتَّخَذَتْ مِن دُونِهِمْ حِجَابًا فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا ۝١٧ قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَٰنِ مِنكَ إِن كُنتَ تَقِيًّا ۝١٨ قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلَامًا زَكِيًّا } (١٢) ، فكما ترى الكلام محمول على صيغة المفرد ، مثل " منك" و "أنا" و " رسول" و "أهب".

✍️ و الروح لغوياً هي الرحمة لذلك قال يعقوب عليه السلام لابنائه { يَا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِن يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلَا تَيْأَسُوا مِن رَّوْحِ اللَّهِ ۖ إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ } (١٣) ، و لو تأملت ما عليه جبريل عليه السلام  لتجدنّه كذلك ، إذ ينزل بالشرائع و الوحي للرسل عليهم السلام أجمعين و هذا من رحمة الله تعالى بعباده ، و كذلك الروح و دبّ الحياة في الخلق هي من رحمة الله تعالى بعباده .

✍️ و قد أشار النبي ﷺ أنّ الحياة تدب في الجنين في بطن أمه بذات الطريقة (١٤) ، إذ ينفخ الملك في مرحلة من مراحل نموه و اكتماله.

✍️ و نفخ جبريل أو الروح و إبلاغ الرسل عليهم السلام أجمعين و الوحي ، هو بأمر الله ﷻ و إذنه لذلك ينسب الأمر لله تعالى ، كما جاء في قوله ﷻ { وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا وَلَا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا ۚ إِنَّهُم مُّغْرَقُونَ }. (١٥)

✍️ ففي هذه الآية كما ترى نسب الله ﷻ الوحي لذاته ، حتى لو كان جبريل عليه السلام هو من بلّغ به ،  كذلك الأمر في مسألة الروح ، و قد جاءت بهذه الصيغة أكثر من آية ، فقال ﷻ : { وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهَا مِن رُّوحِنَا وَجَعَلْنَاهَا وَابْنَهَا آيَةً لِّلْعَالَمِينَ } (١٦) ، و قال ﷻ : { وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِن رُّوحِنَا وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ }. (١٧)

✍️ قلت و خلق آدم عليه السلام كان كذلك و الله أعلى و أعلم ، فهذا ما يدلنا عليه ما ذكرنا من آيات كتاب الله ﷻ ، و ما يزيد الدلالة على ذلك تشببه خلق عيسى و بخلق آدم عليهما السلام ، كما جاء في قوله تعالى: { إِنَّ مَثَلَ عِيسَىٰ عِندَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ ۖ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ }. (١٨)

✍️ قد يستشكل البعض هذا الرأي ، ظناً أنّ خلق آدم عليه السلام مختلف ، و يستدلوا من قول النبي ﷺ : " فَيَقُولُونَ: يَا آدَمُ أَنْتَ أَبُو الْبَشَرِ خَلَقَكَ اللهُ بِيَدِهِ وَنَفَخَ فِيكَ مِنْ رُوحِهِ وَأَمَرَ الْمَلَائِكَةَ فَسَجَدُوا لَكَ وَأَسْكَنَكَ الْجَنَّةَ أَلَا تَشْفَعُ لَنَا إِلَى رَبِّكَ " (١٩) أنه أمر يخص آدم عليه السلام وحده .

✍️ قلت و لا اختلاف بينهما في ذلك ، بدليل أنهم يقولون مثل ذلك للمسيح عليه السلام (٢٠) ، صحيح أنّ آدم عليه السلام يختلف من حيث أنّه خلق حتى بغير أم ، و لكن القاعدة واحدة ، و نفخ الروح واحداً في الحالتين. 

✍️ { فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ } و هذا من باب التكريم و التشريف و تفصيل ذلك و القصة بتمامها ذكرت في غير موضع من كتاب الله ﷻ.

🌿 سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك و أتوب إليك 🌿 

------------------------------------------------------------

📖 المراجع :-

(١) آية ٤ - سورة القيامة
(٢) آية ٨٥ - سورة الإسراء
(٣) تفسير السمعاني (٣/ ١٣٨) - إبطال التأويلات لأبي يعلي (١/ ٢٩٨) - شرح مسلم للنووي (٣/ ٥٥) - تفسير البغوي (٤/ ٣٨٠) - مجموع الفتاوى لابن تيمية (١٧/ ١٥٠) ، و بيان تلبيس الجهمية (٧/ ٤٥٦) - الروح لابن القيم (٢/ ٥٢٥) ، فتح الباري لابن حجر ( ١٥/ ٢٣٤) (١٧/ ٤٦٧) - القول المفيد لابن عثيمين (١/ ٣٦٤).
(٤)  آية ٨٧ - سورة البقرة
(٥) آية ١٩٣ - سورة الشعراء
(٦) آية ٥ ، ٦ - سورة النجم
(٧) آية ٤ - سورة المعارج
(٨)  آية ٤ - سورة القدر
(٩) آية ٣٨ - سورة النبأ
(١٠)  آية ٤٢ - سورة آل عمران
(١١) آية ٤٥ - سورة آل عمران 
(١٢) آية ١٧ ، ١٨ - سورة مريم
(١٣) آية ٨٧ - سورة يوسف
(١٤) صحيح مسلم (٢٦٤٥)
(١٥) آية ٣٧ - سورة هود
(١٦) آية ٩١ - سورة الأنبياء
(١٧) آية ١٢ ـ سورة التحريم 
(١٨) آية ٥٩ - سورة آل عمران 
(١٩) صحيح البخاري (٣٣٤٠) 
(٢٠) صحيح البخاري (٧٤١٠)