الأربعاء، 22 يناير 2025

آية ٨٥ - سورة طه

🌿 ﷽ { قَالَ فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِن بَعْدِكَ وَأَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُّ ۝٨٥ } 🌿

✍️ { قَالَ فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِن بَعْدِكَ } و إنّا تعود على القائل و هو المولى ﷻ ، و صيغة بالجمع التعظيم ، سبحانه ؛ رفيع الدرجات و هو ربّ العالمين ، و قد يظن البعض من صياغة الكلام على هذا النحو ، أنّ الله ﷻ قد فتن الناس ، و هذا غير صحيح ، حاشا لله بل هو الرؤوف الرحيم.

✍️ عليك أن تعلم أيها المؤمن أنّ الله ﷻ لا يريد مطلقاً ظلماً بالعباد ، و إنّما ما يقع بالناس هو مما كسبت أيديهم ، فهؤلاء الذين فتنوا و عبدوا العجل بادئ الرحلة طلبوا من نبيهم أن يصنع لهم أصناماً آلهة يعبدونها كعبدة الأوثان ، فقال ﷻ : { وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْا عَلَىٰ قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَىٰ أَصْنَامٍ لَّهُمْ ۚ قَالُوا يَا مُوسَى اجْعَل لَّنَا إِلَٰهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ ۚ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ }. (١)

✍️ انظر كيف يجهلون على الله تعالى ؛ بعد أنّ نجاهم من عدوهم و نصرهم عليه بمعجزة عظيمة ، إذ فرق لهم البحر يعبروه كأنه أرض ، و أغرق من لاحقهم من فرعون و جنوده ، و قد أبصروا ذلك و ادركوه ، لذلك من بعد جهلهم على الله تعالى ، و ما بدا من سرائر أنفسهم و طلبهم لصناعة أصنام ليعبدوها من دونه ، وجب امتحان قلوبهم.

✍️ و أكبر ما يدل على أنّ تلك خبيئة أنفسهم هو جوابهم على موسى عليه السلام لما سألهم عن ذلك ، إذ قالوا : قَالُوا مَا أَخْلَفْنَا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنَا } (٢) أي بإرادتنا و المراد أنّهم لم يتمالكوا أنفسهم أمام الفتنة ، لأنها كانت رغبة دفينة و مُلحّة في نفوسهم .

و قد تتسائل ما الحكمة إذن من صياغة الآية الكريمة لقصة هذه الفتنة هكذا و كأنّها مشيئة ربّ العباد ﷻ !!

✍️ و جواب ذلك على وجهين ، أولهما هو أنّ المولى ﷻ هو من أذِن بوقوع الفتنة فيهم بما كسبت أيديهم كما بينت لكم ، و ما من شيء هو واقع و كائن إلا بإذنه و مشيئته ، سبحانه ، فإن شاء لم يكن ذلك و لم يقع أو لم تتهيأ له الأسباب و الحيثيات من الأصل.

✍️ و الوجه الآخر أنّ المولى ﷻ لو شاء لنجّاهم منها و آتى كل نفس منهم هداها ، لكنّ الله ﷻ ترك للفتنة منهم ، مَنْ طرح الإيمان مِن قلبه و نبذه ، و لو دققت النظر لتجدنّ هذا خير لهم ، فهذه الفتنة طهر الله ﷻ بها صفوفهم ، فأخرج من بينهم المنافقين و الكافرين.

✍️ { وَأَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُّ } لأنّ السامري هو الذي أخرج لهم العجل و زين لهم عبادته ، و خالف الحق كتبة التناخ ، و رموا بالباطل هارون عليه السلام و هو نبي كريم ، فنسبوا له فعلة السامري .

✍️و هذا بهتان مبين ، فمن ناحية القرآن الكريم أحق بأن يصدق ، و لا يعتد بأي رواية من روايات هذه الكتب إذا ما خالفت القرآن الكريم ؛ فهو كلام الله ﷻ ، الذي نُقل لنا متواتراً تحت ضوابط منتهاية الدقّة (٣) ، فهل بين كتبهم ما نقل و ضبط مثل القرآن الكريم !! ثمّ أين كانت عقولهم بينما يسطرون هذه الوقاحة و يتهمون بها زوراً نبي كريم !!

✍️ و قد نقل ابن كثير عن السدي رحمهما الله عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: إنما أراد هارون عليه السلام أن يجتمع الحلي كله ( الذي أخذوه بغير حق ) في تلك الحفيرة ويجعل حجرا واحدا ، حتى إذا رجع موسى يرى فيه ما يشاء. (٤)

✍️ فإن صحّ ذلك فلعله هو سبب الخلط في الرواية التوراتية ، فرمى كتبتها نبياً كريماً بالباطل ، و قصّوا أنّه عليه السلام هو مَن أخرج لهم العجل ، و زعموا باطلاً صحة روايتهم ، و عللوا ذلك بأنّ اسم السامري لا يمكن أن يتواجد في عهد موسى عليه السلام ، لأن مدينة السامرة بنيت بعده ، و لا أعلم ما العجب في أن يكون الاسم أقدم من ذلك ، و ماذا عن حضارة السومريين ، أليست أقدم من السامرة !! و من قال أصلاً أنه ينسب للسامرة البلدة !!

✍️ الأدهى أن كتبهم ترد عليهم في ذلك و تثبت العكس ، فالسامرة بحسب التناخ ، سُمّيت بذلك لأن الملك عمري اشترى جبل السامرة من رجل يُدعى "شامر" "سامر" بوزنتين فضة .(٥)

✍️ و هذا كاف لإثبات أنّ الاسم أقدم من المدينة و ليس العكس كما يزعمون ، بل إنّ اسم السامري في التناخ أقدم من ذلك فقد جاء ذكر اسم "زمري" كأحد ملوك بني إسرائيل ، و ترجمته إلى العربية "سامري". (٦)

✍️ و هكذا يحق الله ﷻ الحق بكلماته و يبطل الباطل و لو كره المجرمون ، و شهد الله ﷻ ببراءة نبيه هارون عليه السلام مما نسب إليه ظلماً و زوراً ، و أظهر الحقّ أنّ الذي أضلهم هو السامري الدجّال.

✍️ و لما خابت مساعيهم زعم بعضهم أنّ القصة المذكورة في كتاب الله تعالى مأخوذة عن سفر " Pirkei De-Rabbi Eliezer " ، و هذا باطل و مردود عليه ، لأن تاريخ تدوين السفر يرجع للقرن الثامن (٧) أي بعد البعثة الشريفة بحوالي قرن و نصف ، و بذلك فإن كاتب السفر نقل من القرآن و ليس العكس كما يدّعي المشككون.

🌿 سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك و أتوب إليك 🌿 

------------------------------------------------------------

📖 المراجع :-

(١) آية ١٨٣ - سورة الأعراف
(٢) آية ٨٧ - سورة طه
(٣) انظر تفسير آية ١٧ - سورة القيامة 
(٤) تفسير القرآن العظيم لابن كثير (٢٧٣/٥)
(٥) سفر الملوك الاول (١٦/٢٤)
(٦) سفر الملوك الاول (١٦/١٥)
(٧) انظر مقال Pirkei De-Rabbi Eliezer / ويكيبيديا