الجمعة، 17 مايو 2024

آية ١٧ - سورة القيامة

 🌿 ﷽ [ إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ ] 🌿

✍️ ذڪرت لڪم في تدبرنا سوياً للآية السابقة ؛ ڪيف ڪان تخوف النبي ﷺ من انفلات الوحي منه ، حتى أنّه ڪان يشقّ على نفسه و يبلغ ما يوحي إليه أثناء نزول الوحي عليه.

✍️ و جزاه الله ﷻ خيراً بحرصه الشديد هذا ، فوعده أنّه ليس عليه أن يخاف من النسيان ، فجمع الآيات و قرآنها عهد المولى ﷻ به إلى نفسه.

✍️ و الحق أقول لڪم ؛ إنّ جمع الآيات و قرآنها ، معجزة و آية من آيات الله ﷻ لمن يتدبرها ، فإذا تأملت جمع الآيات و قرآنها ، لتجدنّ أنّه تحقق على مستويين خاص و عام .

✍️ فأمّا على المستوى الخاص ، الذي حدثنا عنه ابن عباس رضي الله عنهما حيث قال ؛ أنّ النبي ﷺ ڪان إذا آتاه جبريل عليه السلام أطرق (أنصت) ، فإذا ذهب جبريل عليه السلام قرأه النبي ﷺ ڪما وعده الله تعالى (١).

✍️ و أمّا على المستوى العام ، فإنّ في الآية الڪريمة نبوءة عظيمة على ما هو واقع و ڪائن بعد ذلك ، فبعد إنتقال النبي ﷺ إلى الرفيق الأعلى ؁١١هـ ، مر القرآن الڪريم بمرحلتين [جَمْعَهُ] و ڪان هذا في عهد الصديق أبي بڪر رضي الله عنه ؁١١هـ ، [وَقُرْآنَهُ] و ڪان هذا في عهد ذا النورين عثمان بن عفان رضي الله عنه آخر ؁٢٤هـ .

✍️ و تفصيل ذلك أنّ القرآن الڪريم لم يجمع في مصحف واحد في حياة النبي ﷺ لأنّ الوحي لم ينقطع ، فما زال جبريل عليه السلام ينزل عليه ﷺ حتى وافته المنية.

✍️ و إنما في عهده ﷺ ڪُتب بأيدي ڪتبة الوحي ، و حُفظ في صدور الحفظة رضوان الله عليهم أجمعين ، و ڪان جبريل عليه السلام يراجع القرآن الڪريم ڪلّه مع رسول الله ﷺ مرة ڪل عام ، لڪن في السنة التي توفي فيها ﷺ أي  ؁١١هـ ؛ راجعه معه مرتين ، و تسمى هذه بالعرضة الأخيرة.

✍️ فعن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها قالت ؛ أنّ النبي ﷺ قبل وفاته أسر إلى ابنته فاطمة عليها السلام حديثاً ، فلما توفي ﷺ سألتها عائشة رضي الله عنهما عن ذلك فأجابتها أنّه ﷺ أخبرها : " أَنَّ جِبْرِيلَ كَانَ يُعَارِضُهُ بِالْقُرْآنِ كُلَّ سَنَةٍ مَرَّةً، وَإِنَّهُ قَدْ عَارَضَنِي بِهِ، الْعَامَ، مَرَّتَيْنِ، وَلَا أَرَى الأَجَلَ إِلَاّ قَدِ اقْتَرَبَ " (٢).

✍️ و مقابلة جبريل عليه السلام و مراجعته القرآن الڪريم مع النبي ﷺ ڪانت لترتيب الآيات و السور ، و نسخ ما شاء الله  ﷻ من الآيات و ترك و إثبات ما بقى ، و بعد وفاة النبي ﷺ ؁١١هـ وقعت الردّة في عهد أبي بڪر الصديق رضي الله عنه ، و وقعت فتنة الڪذّاب مسيلمة التميمي .

✍️ و بقيادة خالد بن الوليد رضي الله عنه انتصر الحق و قتل الشيطان مسيلمة الڪذّاب الدجال في معرڪة اليمامة ، و لڪن ڪان لذلك ثمناً باهظاً ،  فقد استشهد عدد ڪبير من حفظة ڪتاب الله تعالى في هذه المعرڪة.

✍️ هذا الأمر أرّق الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه ، و دبّ الخوف في قلبه من أن يضيع القرآن بعد موت الحفظة ؛ فأشار عمر على الصديق رضي الله عنهما بجمع القرآن الڪريم و تدوينه بين دفتبن.

✍️ بادئ الأمر رفض الصديق رضي الله عنه ، و قال : " ڪيف أفعل شيئاً لم يفعله رسول الله ﷺ !!" ، فبيّن له عمر رضي الله عنه وجهة نظره ، و قال : "هو و الله خير" ، فلمّا تدبر أبي بڪر قول عمر رضي الله عنهما وجده خيراً ، و شرح الله ﷻ صدره له ، فأرسل إلى زيد بن ثابت الأنصاري رضي الله عنه ، و قصّ عليه ما ڪان من خبر مشورة عمر رضي الله عنه و ڪلّفه بتتبع و جمع آيات القرآن الڪريم في مصحف واحد (٣)(٤).

✍️ و اختيار زيد بن ثابت رضي الله عنه تحديداً لهذه المهمة ؛ ڪان لعدة أسباب ، أولاً أنه ڪان رضي الله عنه تقياً ورعاً حافظاً لڪتاب الله تعالى ، حفظه و قرأه بين يدي رسول الله ﷺ ، ثانياً ڪان من ڪتبة الوحي ، فڪتب ڪثير من القرآن الڪريم بين يدي رسول الله ﷺ.

✍️ ثالثاً ڪان رضي الله عنه آنذاك شاباً ، عمره لا يتجاوز الثلاثة و العشرون عاماً ، لذلك فهو أقدر على هذه المهمة الشاقّة ، رابعاً علمه رضي الله عنه بخطورة الأمر ؛ زاده حرصاً و دقةً في تحري الحق ، حتى أنّه قال : " فو الله لو ڪلفوني نقل جبل من الجبال ما ڪان أثقل علي من هذا ".

✍️ و رغم ڪل هذا لم يوڪل له الصديق رضي الله عنه الأمر مطلقاً هڪذا ، إنّما لازمه هو و عمر رضي الله عنهم جميعاً في ذلك ، ڪما حدد له قواعد ضبط هذه المسألة ، فاتفقوا أن لا يُڪتفى بالمحفوظ شفاهة و إنّما يجب أن يڪون مڪتوباً.

✍️ و اتفقوا فيما هو مڪتوب أن لا تقبل صحيفة و لا رقعة إلا التي ڪتبت بين يدي رسول الله ﷺ ، لذلك ڪان يأتي الرجل بالصحيفة و معه شاهدين عدلين يشهدان أنّه ڪتبها بين يدي رسول الله ﷺ.

✍️ لذلك لما فقد زيد رضي الله عنه آية من سورة الأحزاب ، و رغم تأڪده الشديد منها و أنّه ڪان يعلمها تمام العلم و يحفظها عن النبي ﷺ ، لڪنه لم يڪتبها حتى وجد صحيفتها عند خزيمة بن ثابت (٥) ، و قبلت شهادته منفردة لأنّ رسول الله ﷺ أقرّ له من قبل أنّ شهادته بشهادتين (٦).

✍️ انظر يا أخي و تعلم ، ڪيف ڪانت تقواهم لله ﷻ ، الثلاثة رضوان الله عليهم ڪانوا يحفظون القرآن الڪريم ، و رغم ذلك لم يعتمدوا على حفظهم مجتمعين أو متفرقين بل تحروا الدقة و الحق لأقصى حد ، بالله عليك من سواهم ڪان يقدر على هذا !! 

✍️ لقد أقدموا و حملوا على عاتقهم مسئولية عظيمة و لڪنهم و الله هم أهلها رضوان الله عليهم أجمعين ؛ لذلك لا يقرأ أحد حتى زماننا هذا شيئاً في ڪتاب الله تعالى إلا و لهم نصيب و أجر عظيم في ذلك ، فقد قال رسول الله ﷺ قال : " مَن سَنَّ في الإسْلَامِ سُنَّةً حَسَنَةً، فَلَهُ أَجْرُهَا وَأَجْرُ مَن عَمِلَ بهَا بَعْدَهُ، مِن غيرِ أَنْ يَنْقُصَ مِن أُجُورِهِمْ شَيءٌ "(٧).

✍️ و اجمع الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين على هذا المصحف و بقي محفوظاً عند أبي بڪر الصديق رضي الله عنه ، فلما توفاه الله حفظه عمر رضي الله عنه ، فلما طُعن عهد بحفظه إلى أم المؤمنين حفصة (ابنته) رضي الله عنهما ، و ذلك أنّه لم يڪن قد بويع خليفة له و أمير للمؤمنين بعد حتى يعهد له بذلك ، و هڪذا ڪان [جَمْعَهُ] .

✍️ فلمّا ڪان عهد ذا النورين عثمان بن عفان رضي الله عنه وقعت فتنة بين القراء آخر ؁٢٤هـ ، فتلاوة القرآن الڪريم تأخذ بالتلقي ، و مع اتساع رقعة الدولة الإسلامية بدأ أهل الأمصار أخذ القرآن من المصاحف بغير تلقي ، فاحتلفوا في ألفاظه و قرائتها باختلاف لهجاتهم و لحونها .

✍️ فلمّا رجع حذيفة بن اليمان رضي الله عنه إلى المدينة من فتح أذربيجان و أرمينيا ، فزع إلى عثمان رضي الله عنه قائلاً : " يا أميرَ المؤمنينَ ، أدرِكْ هذِهِ الأمَّةَ قبلَ أن يختلِفوا في الڪتابِ ڪما اختلفتِ اليَهودُ والنَّصارَى " فڪان أول مصدر اعتمد عليه عثمان رضي الله عنه هو المصحف الذي جمع في عهد أبي بڪر الصديق رضي الله عنه ، فأرسل إلى حفصة حتى ترسله له فيستنسخه ثم يرده إليها (٨).

✍️ أما القول بأنه رضي الله عنه أعاد تتبع و جمع الآيات من الصحف و الرقع و غيرها ، فهو قول لم تثبت صحته و إن ثبت ذلك لن يڪون إلا ڪشاهداً على ما جاء في مصحف أبي بڪر (٩) .

✍️ و أمر أمير المؤمنين زيد بن ثابت رضي الله عنهما بتولي نسخ المصحف و رغم أن زيداً رضي الله عنه ڪان القائم على جمع القرآن الڪريم في عهد أبي بكر رضي الله عنهما ، إلا أنّ عثمان رضي الله عنه أوڪل هذا الأمر لثلاثة معه من الرجال العدول ؛ هم سعيد بن العاص و عبدالله بن الزبير و عبدالرحمن بن الحارث بن هشام .

✍️ و ذلك لسببين ؛ أولاً زيادة في التدقيق و الحرص ، و ثانياً حتى يضبط ما وقع خلاف في لفظه على لسان قريش ، لأنّ النبي ﷺ ڪان قرشياً ، أمّا زيد بن ثابت رضي الله عنه ڪان من الأنصار .

✍️ فاختار له الثلاثة رهط القرشيين الذين ذڪرتهم لڪم ، و اوصاهم في حالة الخلاف بإثبات اللفظ على لسان قريش ، لذلك لما اختلفوا في نسخ آية التابوت في سورة البقرة ، أن تڪتب [التابوه] أو [التابوت] ، أقر عثمان رضي الله عنه على ڪتابتها [التابوت] على لسان قريش (١٠).

✍️ فلما اڪتمل نسخه و اجمع الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين عليه (١١) ، رد عثمان مصحف أبي بڪر إلى أم المؤمنين حفصة رضي الله عنهم جميعاً ، و أمر بحرق أي نسخة أخرى للقرآن ، و أما المصحف العثماني فقد نسخ آلاف النسخ ، و أرسلوا هذه النسخ إلى جميع الأقطار ، و تلقاها جميع أهل الأمصار بالقبول ، و هڪذا ڪان [قُرْآنَهُ] .

✍️ أمّا السؤال الشائع لماذا أحرق عثمان رضي الله عنه هذه المصاحف ، فتالله إنّه سؤال لا يسأله إلا مبنغي الفتن ، و يرد على ذلك ببساطة أنّ عثمان رضي الله عنه قام بهذا العمل العظيم لحماية الأمة من الخلاف و يستأصل من بينهم النزاع ، فهل بعد ذلك ڪله يترك المصاحف التي وقع الخلاف بينهم في قرائتها ، قطعاً لا.

✍️ و لذات السبب حرق مروان بن الحڪم المصحف الذي جمعه أبي بڪر رضي الله عنه بعد وفاة أم المؤمنين حفصة رضي الله عنها ، مخافة أن يڪون  فيه من الألفاظ  ما لم يضبط املائه على لسان قريش ، فيتجدد الخلاف من جديد.

🌿 سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت ، أستغفرك و أتوب إليك 🌿 

------------------------------------------------------------
📖 المراجع :-
(١) متفق عليه ، اللؤلؤ والمرجان فيما اتفق الشيخان - رقم ٢٥٧
(٢) متفق عليه ، اللؤلؤ والمرجان فيما اتفق الشيخان - رقم ١٥٩٣
(٣) صحيح البخاري - رقم ٤٦٧٩
(٤) قال ابن منظور في اللسان (١٨٦/٩) : و المصحف الجامع للصحف المكتوبة بين الدفتين كأنه أصحف.
(٥) صحيح البخاري - رقم ٢٨٠٧
(٦) صحيح أبي داود لشعيب الأرناؤوط - رقم ٣٦.٧ ، " أنَّ النَّبيَّ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ ، ابتاعَ فَرسًا مِن أعرابيٍّ، فاستَتبعَهُ النَّبيُّ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ ليَقضيَهُ ثمنَ فرسِهِ، فأسرَعَ رسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ المشيَ وأبطأَ الأعرابيُّ، فطفِقَ رجالٌ يعتَرِضونَ الأَعرابيَّ، فيُساومونَهُ بالفَرسِ ولا يشعُرونَ أنَّ النَّبيَّ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ ابتاعَهُ، فَنادى الأَعرابيُّ رسولَ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ، فَقالَ: إن كُنتَ مُبتاعًا هذا الفَرَسِ وإلَّا بعتُهُ ؟ فقامَ النَّبيُّ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ حينَ سَمعَ نداءَ الأعرابيِّ، فقالَ: أو لَيسَ قدِ ابتعتُهُ منكَ ؟ فقالَ الْأعرابيُّ: لا، واللَّهِ ما بعتُكَهُ، فَقالَ النَّبيُّ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ: بلَى، قدِ ابتعتُهُ مِنكَ فطفقَ الأعرابيُّ، يقولُ هلُمَّ شَهيدًا، فَقالَ خُزَيْمةُ بنُ ثابتٍ: أَنا أشهدُ أنَّكَ قَد بايعتَهُ، فَأقبلَ النَّبيُّ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ على خُزَيْمةَ فقالَ: بِمَ تشهَدُ ؟، فقالَ: بتَصديقِكَ يا رَسولَ اللَّهِ فجَعلَ رسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ شَهادةَ خُزَيْمةَ بشَهادةِ رَجُلَيْنِ " 
و كذلك صححه الزرقاني في مختصر المقاصد (ص٥٦٣) ، و صححه ابن الملقن في البدر المنير (٤٦٢/٧) ، و صححه الألباني في إراوء الإغليل (١٢٧/٥) ، و الوادعي في الصحيح المسند (١٥١٢) ، و أحمد شاكر في عمدة التفسير (٣٤١/١) و قال : إسناده صحيح كالشمس.
(٧) صحيح مسلم - رقم ١٠١٧
(٨) صحيح البخاري - رقم ٤٩٨٧
(٩) المرشد الوجيز لأبي شامة (٥٨)
(١٠) كتاب المصاحف لابن أبي داود (ص٢٦) - فتح الباري لابن حجر (٦٣٥/٨)
(١١) فضائل القرآن لأبي عبيد (٢٨٤) ، تاريخ المدينة لابن شبة (٣/ ١٠٠٤) ، و صححه الحافظ في "الفتح" (١٨/٩).