🌿 ﷽ [ وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ] 🌿
✍️ قبل أن نتدبر سوياً هذه الآية الڪريمة ، أود أولاً الرد على شبهة قصة الغرانيق الشائعة بين ڪثير من الناس و في أغلب ڪتب التفاسير .
✍️ و القول الأعدل في هذا الخبر أنه لا يصح من الأساس ، و لن أذڪر في مقالي هذا حتى مفاد هذه القصة ، حتى لا أعڪر صفو قلوبكم و سأڪتفي بالرد عليها و نقدها من الناحيتين ؛ النقل و العقل.
✍️ فمن ناحية النقل ستجد أن أحسن رواياتها سنداً مرسلاً ؛ أي منقطع الاتصال ، يرويه أحد التابعين عن النبي ﷺ ، و من المعلوم أن الأحاديث المرسلة في حڪم الضعيفة و لا يأخذ و لا يعمل و لا يحتج بها ، و بقية روايات هذه القصة ستجدها ما بين ضعيفة و موضوعة و منكرة (١).
✍️ و أمّا من ناحية العقل فأسباب بطلان هذه القصة ڪثيرة ، أولاً تأمل ڪيف يفتتح المولى ﷻ سورة النجم ؛ ﷽ [ وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى {٣} إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى] (٢) ، أيعقل أن في نفس هذه السورة يلقي الشيطان على لسان النبي ﷺ ڪلاماً كالذي يذڪرونه في هذه القصة !!
✍️ ثانياً يستحيل أن تتدخل الشياطين في وحي القرآن الڪريم للنبي ﷺ ، فقال المولى ﷻ : [ وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ {٢١٠} وَمَا يَنْبَغِي لَهُمْ وَمَا يَسْتَطِيعُونَ {٢١١} إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ ] (٣) و انظر حتى استراق السمع هم معزولون عنه ، فهل يملوا ڪلاماً علي لسان النبي ﷺ.
✍️ ثالثاً سورة النجم من أوائل الوحي الذي أنزل على رسول الله ﷺ ، و سورة الحج من آخره ، فهل يعقل أن يفسر لنا الوحي حادثة وقعت أول الرسالة و البعثة الشريفة في آخرها.
✍️ و أما عن تدبر الآية المبارڪة ؛ فنبدأ سوياً ، ﷽ [ وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ ] ، قال ابن عباس رضي الله عنهما "تَمَنَّى" أي حدّث (٤) ، و ذهب جمهور المفسرون أن "تَمَنَّى" بمعنى تلا و قرأ .
✍️ قلت و ڪلاهما صحيح إن شاء الله ﷻ و يستقيم به المعنى ، و ذلك أنّ الأنبياء عليهم السلام معصومين و ڪلامهم وحي من الله تعالى ، و إن ڪان الأمر يختلف بالنسبة القرآن الڪريم ، من حيث أنّه لفظاً و نظماً من لدن الحڪيم الخبير ، أما الڪتب الأخرى لم تنزل لفظاً و إنّما مضموناً و معنى(٥) .
✍️ و على هذا يڪون المعنى المراد ؛ أن ما من رسول و لا نبي ؛ عليهم السلام أجمعين ، إلا إذا حدّث قومه أو تلا عليهم ڪلام الله ﷻ ، إلا ألقى الشيطان وسوسته في هذا الحديث.
⚡ و لڪن أين يلقي الشيطان وسوسته !؟ فهل محل ذلك قلب المتحدث أم صدور المستمعين !؟
✍️ قطعاً في صدور المستمعين ، فما من فائدة تُرجى من الوسوسة لنبي معصوم ؛ عليهم السلام أجمعين ، و ما يؤڪد ذلك أنّ الذين ڪفروا ڪانوا يجادلون بالباطل الرسل ؛ عليهم السلام أجمعين ، و ڪانوا يتفننون في تڪذيبهم ، قال تعالى [ وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ ۚ وَيُجَادِلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ ۖ وَاتَّخَذُوا آيَاتِي وَمَا أُنذِرُوا هُزُوًا ] (٦).
✍️ فتارة يقولون ساحر و تارة شاعر و تارة ڪاهن و تارة مجنون ، و يتربصون متشابهات الآيات ابتغاء إثارة الفتن ، قال تعالى [ يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ ] (٧) ، و قد قصصت عليكم في مقال سابق عن صبيغ بن عسل و ڪيف شڪا منه الناس في ذلك إلى الفاروق رضي الله عنه (٨).
✍️ لذلك تجدهم يسألون عن أشياء لا تخطر لك أنت على بال ، و هذا أڪبر دليل أنها من وساوس المردة الشياطين ، قال تعالى [ وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ ] (٩).
✍️ و لا تبتئس بما يقولون و يفعلون ، قال تعالى [ ... وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ ] (١٠) ، فتجد دائماً أنّ المولى ﷻ يبعث من يحجّهم و يرد على هذه الأباطيل و الأكاذيب بإذن الله تعالى و يبين الحق للناس ، من الأنبياء و المرسلين عليهم السلام أجمعين ، ثم ورثهم من جاء من بعدهم العلماء و الصالحين.
✍️ [ فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ] أي ينسخ و يمحو ما يلقى الشيطان من وساوس في صدور العباد و يحڪم آياته ، لذلك و بالرغم من ڪل افترائاتهم هذه ، يبقى وعد الله ﷻ حق ، إذ قال [ إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ ] (١١).
🌿 سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت ، أستغفرك و أتوب إليك 🌿
------------------------------------------------------------
📖 المراجع :-
و قال ابن خزيمة في فتح القدير (٦٥٤/٣) : من وضع الزنادقة.
و قال الشوكاني في فتح القدير (٦٥٦/٣) : الروايات في هذا الباب إما مرسلة أو منقطعة لا تقوم الحجة بشيء منها ، و مرة قال ( ٦٥٣/٣) : لم يصح شيء من هذا ولا ثبت بوجه من الوجوه.
و ضعفه القرطبي في تفسيره برقم (٤٢٩/١٤) ، و كذلك ضعفه الزيلعي في تخريج الكشاف رقم (٣٩١/٢) ، و قال : أجاد القاضي عياض في تضعيفه
و ضعفه الألباني في نصب المجانيق برقم ( ١٥ ، ٢٦ ، ٢٧ ، ٣٢) ، قال : إسناده ضعيف منقطع مرسل ، و مرة قال : ضعيف جداً بل موضوع.
و أيضاً ضعفه العيني في عمدة القاري رقم (١٤٥/٧) و قال : فيه سلسلة ضعفاء.
و أخرجه الشنقيطي في رحلة الحج ( ص ١٢٤ ، ١٢٥ ) و قال : فيه الكلبي وهو ضعيف جدا بل متروك ، و مرة قال : لم تثبت من طريق متصلة ، و قال في دفع إيهام الاضطراب (ص ٢٢٥) : قصة الغرانيق لم تثبت.