الثلاثاء، 28 يناير 2025

آية ٨٦ : ٩١ - سورة طه

🌿 ﷽ { فَرَجَعَ مُوسَىٰ إِلَىٰ قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا ۚ قَالَ يَا قَوْمِ أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْدًا حَسَنًا ۚ أَفَطَالَ عَلَيْكُمُ الْعَهْدُ أَمْ أَرَدتُّمْ أَن يَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبٌ مِّن رَّبِّكُمْ فَأَخْلَفْتُم مَّوْعِدِي ۝٨٦ قَالُوا مَا أَخْلَفْنَا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنَا وَلَٰكِنَّا حُمِّلْنَا أَوْزَارًا مِّن زِينَةِ الْقَوْمِ فَقَذَفْنَاهَا فَكَذَٰلِكَ أَلْقَى السَّامِرِيُّ ۝٨٧ فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلًا جَسَدًا لَّهُ خُوَارٌ فَقَالُوا هَٰذَا إِلَٰهُكُمْ وَإِلَٰهُ مُوسَىٰ فَنَسِيَ ۝٨٨ أَفَلَا يَرَوْنَ أَلَّا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلًا وَلَا يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا ۝٨٩ وَلَقَدْ قَالَ لَهُمْ هَارُونُ مِن قَبْلُ يَا قَوْمِ إِنَّمَا فُتِنتُم بِهِ ۖ وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَٰنُ فَاتَّبِعُونِي وَأَطِيعُوا أَمْرِي ۝٩٠ قَالُوا لَن نَّبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ حَتَّىٰ يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَىٰ } 🌿

✍️ { فَرَجَعَ مُوسَىٰ إِلَىٰ قَوْمِهِ } نزل من الجبل عائداً إلى قومه ، من اللقاء المقدس و تلقيه الشريعة ، { غَضْبَانَ أَسِفًا ۚ } و الغضب هو شدة الحنق ، و غضبان صيغة مبالغة على وزن فعلان ممّا يدل على شدة الغضب ، و الأسف هو شدة الحزن.

✍️ صُدِم الرسول الكريم عليه السلام من فعلة قومه ، و هذا شعور مؤلم ، خليط من خيبة الأمل و الإحباط قد امتزجا بالحزن و الأسى ، لذا نتج كل هذا الغضب و الحرقة و الثورة الذين حدثنا عنهم المولى ﷻ.

✍️ هذا الشعور قد انتاب النبي الكريم عليه السلام لمّا نبّأه المولى ﷻ أنّ بني إسرائيل قد فتنهم و أضلهم السامري في غيابه ، و كان قبل أن ينبأ بهذا يدافع عنهم أمام الله ﷻ قائلاً: { قَالَ هُمْ أُولَاءِ عَلَىٰ أَثَرِي وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَىٰ }.(١) 

✍️ و ممّا يدلّ كذلك على شدة غضب موسى عليه السلام ، ما قصه علينا المولى ﷻ في سورة الأعراف فقال :{ وَأَلْقَى الْأَلْوَاحَ وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ ۚ } (٢) ، و تحطمت الألواح نتيجة شدة إلقائه إياها في غضبه ، و لذلك لمّا وصف المولى ﷻ أخذه للألواح لمّا سكت عنه الغضب بعد ذلك ، أنه أخذ نسخة منها و ليست الألواح الأصلية التي تحطمت من إلقائه لها ، فقال ﷻ: { وَلَمَّا سَكَتَ عَن مُّوسَى الْغَضَبُ أَخَذَ الْأَلْوَاحَ ۖ وَفِي نُسْخَتِهَا هُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ }. (٣)

✍️ { أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْدًا حَسَنًا ۚ } و قد جاء بيان ذلك في قوله ﷻ : { يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ قَدْ أَنجَيْنَاكُم مِّنْ عَدُوِّكُمْ وَوَاعَدْنَاكُمْ جَانِبَ الطُّورِ الْأَيْمَنَ وَنَزَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَىٰ } (٤) ، فيقابل إلتزامهم بعهد الله ﷻ  ؛ النجاة و الرزق و النصر في الدنيا ، و الفوز بالجنة في الآخرة.

✍️ { أَفَطَالَ عَلَيْكُمُ الْعَهْدُ } و فيه استنكار من فعلتهم لأنّ موسى عليه السلام كل ما غابه عنهم كان أربعون ليلة ، { أَمْ أَرَدتُّمْ أَن يَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبٌ مِّن رَّبِّكُمْ فَأَخْلَفْتُم مَّوْعِدِي } ذلك أنّ شدة قبح العذر الأول و التي لا تجعله يستوي و المنطق السليم ، لا تترك احتمال آخر سوى أنهم انتقوا غضب الله ﷻ بمحض إرادتهم.

✍️ { قَالُوا مَا أَخْلَفْنَا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنَا } أي بإرادتنا و المراد أنّهم لم يتمالكوا أنفسهم أمام الفتنة ، وذلك لأنهم كانوا يريدون ذلك قبل مغادرة موسى عليه السلام لهم ، حتى أنهم تبجحوا و طلبوا منه أن يصنع لهم أصناماً آلهة ، تلك الرغبة الدفينة في نفوسهم هي ما عجلت بسقوطهم في الفتنة ، و قد تدارسنا سوياً هذه النقطة بالتفصيل . (٥)

✍️ { وَلَٰكِنَّا حُمِّلْنَا أَوْزَارًا مِّن زِينَةِ الْقَوْمِ } و نعتوا زينة القوم "أوزاراً" لأنهم أخذوها بغير حق ، إذ احتالوا على القبط و أخذوها على وجه الاستعارة ثمّ خرجوا بها مع موسى عليه السلام ، و لم يردوها لأهلها .

✍️ { فَقَذَفْنَاهَا فَكَذَٰلِكَ أَلْقَى السَّامِرِيُّ } و ألقى تُحمل على معنيين ؛ الأول أنّه قذف ما كان يحمل معه مثلهم ، و المعنى الآخر أنّه ألقى إليهم قولاً و أملى عليهم ، فأضلّهم به و زين لهم الكفر ، و هذا يتفق مع وصف المولى ﷻ له في قوله { وَأَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُّ } ، حيث حثّهم هذا الدجّال أن يقذفوا ما معهم من الحليّ و من ثَمّ يقوم هو بسحره ، و الله أعلم.

✍️ { فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلًا جَسَدًا } و أخرج أي أبرز و بيّن بدفع الشيء للخارج ، و هذا دلالة على أنّه لم ينحت و إنّما أخرجه لهم السامري على هيئة العجل و كأنّه كان قد صبّ في قالب أو نحوه ثمّ أخرج منه ، و جسداً أي لا روح فيه و لا حياة ، و قد بينت لكم فرق المعنى بين جسد و جسم من حيث التوظيف اللغوي. (٦)

✍️ { لَّهُ خُوَارٌ } و الخوار هو صوت الجاموس و البقر و هذا الصوت صدر منه نتيجة مرور الهواء في الفتحات و الفقاعات التي إحتواها جسد الصنم في بنيته ، لأنّ زينة القوم قطعاً لم تكن ذهباً خالصاً و إنّما سبيكة مذهبة أي أنّ فيها معادن أخرى ، مثل الفضة و النحاس ، و ربما كانت مرصعة بأحجار كالياقوت و الزمرد .... إلخ.

✍️ و قطعاً ما زاد من وجود هذه الفقاعات و الفتحات في بنيته ، تلك القبضة التي قبضها السامري من تراب أرض القاع من أثر الرسول كما سوف تبيّن لنا الآيات الكريمة القادمة بإذن الله تعالى.

✍️ { فَقَالُوا هَٰذَا إِلَٰهُكُمْ وَإِلَٰهُ مُوسَىٰ } و هذا قول جماعي يدل على اتفاقهم عليهم و وقوعهم في الفتنة ، { فَنَسِيَ } قلت و ما يبدوا أن هذا كان رداً على تساؤل ، إن كان هذا إله موسى عليه السلام ، فمن الذي ذهب موسى للقائه ، فأجابوا على ذلك أنّ موسى عليه السلام قد ضل سبيله عنه و نسيه ، انظر كيف اتبعوا أهوائهم و زين لهم الشيطان سوء عملهم !!

✍️ { أَفَلَا يَرَوْنَ أَلَّا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلًا وَلَا يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا } و هذا دليل قاطع من كتاب الله ﷻ ، ينفي أنّ العجل الذي أخرجه لهم السامري كان حيّاً ، و إنّما لم يكن سوى صنماً لا يتكلم و لا يملك ضراً و لا نفعاً ، كما قال إبراهيم عليه السلام لقومه على الأصنام عامةً ، { قَالَ أَفَتَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنفَعُكُمْ شَيْئًا وَلَا يَضُرُّكُمْ }. (٧)

✍️ { وَلَقَدْ قَالَ لَهُمْ هَارُونُ مِن قَبْلُ } أن يرجع موسى عليه السلام إليهم ، و هذه تبرئة المولى ﷻ لنبيه هارون عليه السلام مما اتهموه به ظلماً و زوراً (٥) ، إذ أنه لم يقف مكتوف الأيدي و إنما قال لهم في أنفسهم قولاً بليغاً .

✍️ فإذا ما تأملت قول النبي الكريم عليه السلام ، لتجدنه قد جمع فيه كل محاسن الدعوة إلى الله ﷻ ؛ فقال { يا قَوْمِ إِنَّمَا فُتِنتُم بِهِ ۖ } حيث زجرهم عن الباطل و بيٌن لهم أنّهم فتنوا و أشركوا برب العباد ، ثم أكمل بإقرار التوحيد براءة لنفسه أمام الله تعالى ، و دعوة لهم للرجوع للحق فقال { وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَٰنُ } ، ثم دلهم على سبيل الهدى ؛ و هو اتباع الشريعة و ذلك باتباعه كونه نبي عليه السلام و طاعة أمره ؛ فقال : { فَاتَّبِعُونِي وَأَطِيعُوا أَمْرِي } .

✍️ و أصرّ الكافرين على كفرهم و لم يأبهوا لقوله عليه السلام ، و قالوا { لَن نَّبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ حَتَّىٰ يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَىٰ } أي دائمين على عبادته حتى يرجع موسى عليه السلام و يقرر فيه ، فآثروا تصديق هذا الدجّال على اتباع نبيهم عليه السلام.

⚡ و قد تتسائل لماذا اكتفى هنا هارون عليه السلام بالقول و لم يتخذ يعاقبهم أو ينزل بهم جزاء ؟!

✍️ لأنّ بني إسرائيل كانت في هذه الفتنة على فرقتين فرقة آمنت للسامري و فرقة امتنعت عن اتباعه ، فإذا أنزل بهم هارون عليه السلام عقاب زادت الفرقة و انقسموا ، و لربما تقاتلوا ، و هذا ما لم يريده النبي الكريم عليه السلام ، لسببين ؛-

✍️ فمن ناحية أفعال الرسل عليهم السلام أجمعين لا تكون إلا بوحي من الله ﷻ ، و لعل الوحي لم يبلغه هذا ، و من ناحية أخرى كان ذلك اتباعاً لأمر موسى عليه السلام ، فقد أوصاه عليهما السلام ، لما أستخلفه فيهم قائلاً ؛ { وَقَالَ مُوسَىٰ لِأَخِيهِ هَارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلَا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ } (٨) ؛ و هارون يتبع موسى عليهما السلام في الأمر و الدعوة ، لذلك لم يقضي في المسألة حتى يرجع موسى عليه السلام.

🌿 سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك و أتوب إليك 🌿 

------------------------------------------------------------

📖 المراجع :-

(١) آية ٨٤ - سورة طه
(٢) آية ١٥٠ - سورة الأعراف
(٣) آية ١٥٤ - سورة الأعراف
(٤) آية ٨٠ - سورة البقرة 
(٥) انظر تفسير آية ٨٥ - سورة طه
(٦) انظر تفسير آية ٨ - سورة الأنبياء
(٧) آية ٦٦ - سورة الأنبياء
(٨) آية ١٤٢ - سورة الأعراف 

الأحد، 26 يناير 2025

آية ٨ - سورة الأنبياء

 🌿 ﷽ { وَمَا جَعَلْنَاهُمْ جَسَدًا لَّا يَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَمَا كَانُوا خَالِدِينَ } 🌿 

✍️ إنّ لفظي جسد و جسم ؛ متشابهان في الأحرف و كلاهما يشير إلى البدن أو صورة و هيئة الخلق التي يبدو بها للناظرين ، إلا أنّ هناك فرق بينهما في التوظيف اللغوي.

✍️ فقد ذكر لفظ "جسم" في كتاب الله ﷻ مرتين ؛ بصيغة المفرد في قوله ﷻ: { وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا ۚ قَالُوا أَنَّىٰ يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِّنَ الْمَالِ ۚ قَالَ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ ۖ وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَن يَشَاءُ ۚ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ } (١) ، و مرة بصيغة الجمع في قوله ﷻ: { وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ ۖ وَإِن يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ ۖ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُّسَنَّدَةٌ ۖ يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ ۚ هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ ۚ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ ۖ أَنَّىٰ يُؤْفَكُونَ }. (٢)

✍️ أمّا لفظ جسد فقد ذكر في القران الكريم أربع مرات ، منهم الآية التي هي موضوع تدبرنا ، و في قوله ﷻ: { وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَىٰ مِن بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلًا جَسَدًا لَّهُ خُوَارٌ ۚ أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لَا يُكَلِّمُهُمْ وَلَا يَهْدِيهِمْ سَبِيلًا ۘ اتَّخَذُوهُ وَكَانُوا ظَالِمِينَ } (٣) ، و كذلك في قوله ﷻ :{ فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلًا جَسَدًا لَّهُ خُوَارٌ فَقَالُوا هَـٰذَا إِلَـٰهُكُمْ وَإِلَـٰهُ مُوسَىٰ فَنَسِيَ } (٤) ، و في قوله ﷻ: { وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ وَأَلْقَيْنَا عَلَىٰ كُرْسِيِّهِ جَسَدًا ثُمَّ أَنَابَ } . (٥)

✍️ و بمقارنة توظيف القرآن الكريم اللغوي للفظين في الآيات السابقة نجد أنّ المولى ﷻ يطلق لفظ "جسم" على البدن التي تدبّ فيها الحياة و تظهر فيه خصائص الكائنات الحيّة ، مثل طالوت في الآية الأولى و المنافقون في الآية الثانية ، أمّا لفظ "جسد" فيصف به المولى ﷻ البدن الذي يخلو من الحياة ، مثل العجل الذي أخرجه السامري و أضل به بني إسرائيل ، و وليد نبي الله سليمان عليه السلام الذي ولد ميتاً مشوهاً.

✍️ و في الآية الكريمة ؛ محل تدارسنا ، يخبر المولى ﷻ رسوله ﷺ ؛ أنّ تعجب الكافرين من اصطفاء الله ﷻ بشراً رسولاً ، ليس له أساس من الصحة ، فتلك سنة الله تعالى في الحياة الدنيا و رحمة منه ، و الرسل عليهم السلام أجمعين من قبل النبي ﷺ ، كانوا بشراً لأمثالنا ، يأكلون و يشربون و ينامون و يتزوجون و ما إلى غير ذلك من خصائص الأحياء.

✍️ و لم يكونوا أجساداً هامدة كأنهم تماثيل و أصنام ، و لم يجعل الله ﷻ لأحد منهم الخلد ، و إنما كل نفس منهم ذاقت الموت ، و هذا بيّن في الآية السابقة لها ، إذ قال ربّ العباد ﷻ : { وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلَّا رِجَالًا نُّوحِي إِلَيْهِمْ ۖ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ }. (٦)

🌿 سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك و أتوب إليك 🌿 

------------------------------------------------------------

📖 المراجع :-

(١) آية ٢٤٧ - سورة البقرة
(٢) آية ٤ - سورة المنافقون
(٣) آية ١٤٨ - سورة الأعراف
(٤) آية ٨٨ - سورة طه
(٥) آية ٣٤ - سورة ص
(٦) آية ٦ - سورة الأنبياء

الجمعة، 24 يناير 2025

آية ٧٢ - سورة ص

 🌿 { فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ } 🌿

✍️ { فَإِذَا سَوَّيْتُهُ } أي فإذا خلقه الله ﷻ و صوّره على هيئة سوية حتى في أدق التفاصيل ، قال ﷻ : { قَادِرِينَ عَلَىٰ أَن نُّسَوِّيَ بَنَانَهُ } (١) ، صنع الله الذي أتقن كل شيء ، فتبارك الله أحسن الخالقين.

✍️ { وَنَفَخْتُ فِيهِ } و التاء آخر " نفخت " هي تاء الفاعل المتكلم أي المولى ﷻ ، أي أنّ النفخة وقعت بأمر الله ﷻ و بإذنه ، و الهاء آخر " فيه" ضمير متصل عوضاً عن المفعول به ، و هو آدم عليه السلام .

✍️ { مِن رُّوحِي } و القاعدة الرئيسية التي يجب أنّ نعود لها في تدبر هذه المسألة هي قول المولى ﷻ { وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ ۖ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا }. (٢)

✍️ إذن فكل ما قيل و ما سوف يُقال في هذه المسألة يندرج و يصنف تحت عبارة " الله أعلى و أعلم" ، و ما سوف نطرحه هنا ليس إلا ترجيحاً و حسب، لتقريب المفهوم .

✍️ و الروح مخلوقة من المخلوقات و ليست من ذات الله ﷻ ، و على هذا إجماع أهل العلم (٣) ، و الروح كما ينجلي لي في الإشارات القرآنية؛ هو جبريل عليه السلام ؛ رئيس الملائكة و رسول أهل السماء للبشر -والله أعلى وأعلم.

✍️ وربما مما يصطلح في معناها، أننا نطلق لفظ الروح مجازاً على ما نُفخ فينا وحبينا به، أو ربما لأننا لا نعرف لذلك اسم فسميناه بحسب أصله، وهذا من لغة العرب، مثل أن تنادي شخص بلقب عائلته لأنك لا تعرف اسمه...

✍️ و أشار المولى ﷻ إلى هذا في غير موضع من كتابه الكريم ، فقال ﷻ : { وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَقَفَّيْنَا مِن بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ ۖ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ ۗ أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَىٰ أَنفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ } (٤) ، و قال ﷻ : { نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ } . (٥)

✍️ و ياء الملكية آخر " روحي " في الآية المباركة التي هي موضوع تدبرنا ، بلى تعود على المولى ﷻ و لكنها لا تدل على أنّها من ذاته و إنّما نسبها المولى ﷻ لذاته تشريفاً لجبريل عليه السلام و تعظيماً لقدره ، و لاشك في رفعة مقام جبريل عليه السلام ، فهو سيد الملائكة باتفاق كافة الشرائع السماوية ، و قال عنه رب العباد : { عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَىٰ ۝٥ ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَىٰ }.(٦)

✍️ و قد ميّزه الله ﷻ عن سائر الملائكة في كتابه غير مرة ، حتى أنه يذكر منفرداً و ليس ضمن الملائكة ، كما في قوله ﷻ: { تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ } (٧) ، و قال ﷻ : { تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِم مِّن كُلِّ أَمْرٍ } (٨) ،  { يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَائِكَةُ صَفًّا ۖ لَّا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَٰنُ وَقَالَ صَوَابًا } . (٩)

✍️ أو يذكر وحده لكن بصيغة الجمع للتعظيم ، كما جاء في قوله ﷻ: { وَإِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَىٰ نِسَاءِ الْعَالَمِينَ } (١٠) ، و في قوله ﷻ: { إِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِّنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ }. (١١)

✍️ و معلوم أنّ الذي تحدث إلى الصديقة مريم كان جبريل وحده عليهما السلام ، كما جاء في قوله ﷻ : { فَاتَّخَذَتْ مِن دُونِهِمْ حِجَابًا فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا ۝١٧ قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَٰنِ مِنكَ إِن كُنتَ تَقِيًّا ۝١٨ قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلَامًا زَكِيًّا } (١٢) ، فكما ترى الكلام محمول على صيغة المفرد ، مثل " منك" و "أنا" و " رسول" و "أهب".

✍️ و الروح لغوياً هي الرحمة لذلك قال يعقوب عليه السلام لابنائه { يَا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِن يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلَا تَيْأَسُوا مِن رَّوْحِ اللَّهِ ۖ إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ } (١٣) ، و لو تأملت ما عليه جبريل عليه السلام  لتجدنّه كذلك ، إذ ينزل بالشرائع و الوحي للرسل عليهم السلام أجمعين و هذا من رحمة الله تعالى بعباده ، و كذلك الروح و دبّ الحياة في الخلق هي من رحمة الله تعالى بعباده .

✍️ و قد أشار النبي ﷺ أنّ الحياة تدب في الجنين في بطن أمه بذات الطريقة (١٤) ، إذ ينفخ الملك في مرحلة من مراحل نموه و اكتماله.

✍️ و نفخ جبريل أو الروح و إبلاغ الرسل عليهم السلام أجمعين و الوحي ، هو بأمر الله ﷻ و إذنه لذلك ينسب الأمر لله تعالى ، كما جاء في قوله ﷻ { وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا وَلَا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا ۚ إِنَّهُم مُّغْرَقُونَ }. (١٥)

✍️ ففي هذه الآية كما ترى نسب الله ﷻ الوحي لذاته ، حتى لو كان جبريل عليه السلام هو من بلّغ به ،  كذلك الأمر في مسألة الروح ، و قد جاءت بهذه الصيغة أكثر من آية ، فقال ﷻ : { وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهَا مِن رُّوحِنَا وَجَعَلْنَاهَا وَابْنَهَا آيَةً لِّلْعَالَمِينَ } (١٦) ، و قال ﷻ : { وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِن رُّوحِنَا وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ }. (١٧)

✍️ قلت و خلق آدم عليه السلام كان كذلك و الله أعلى و أعلم ، فهذا ما يدلنا عليه ما ذكرنا من آيات كتاب الله ﷻ ، و ما يزيد الدلالة على ذلك تشببه خلق عيسى و بخلق آدم عليهما السلام ، كما جاء في قوله تعالى: { إِنَّ مَثَلَ عِيسَىٰ عِندَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ ۖ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ }. (١٨)

✍️ قد يستشكل البعض هذا الرأي ، ظناً أنّ خلق آدم عليه السلام مختلف ، و يستدلوا من قول النبي ﷺ : " فَيَقُولُونَ: يَا آدَمُ أَنْتَ أَبُو الْبَشَرِ خَلَقَكَ اللهُ بِيَدِهِ وَنَفَخَ فِيكَ مِنْ رُوحِهِ وَأَمَرَ الْمَلَائِكَةَ فَسَجَدُوا لَكَ وَأَسْكَنَكَ الْجَنَّةَ أَلَا تَشْفَعُ لَنَا إِلَى رَبِّكَ " (١٩) أنه أمر يخص آدم عليه السلام وحده .

✍️ قلت و لا اختلاف بينهما في ذلك ، بدليل أنهم يقولون مثل ذلك للمسيح عليه السلام (٢٠) ، صحيح أنّ آدم عليه السلام يختلف من حيث أنّه خلق حتى بغير أم ، و لكن القاعدة واحدة ، و نفخ الروح واحداً في الحالتين. 

✍️ { فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ } و هذا من باب التكريم و التشريف و تفصيل ذلك و القصة بتمامها ذكرت في غير موضع من كتاب الله ﷻ.

🌿 سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك و أتوب إليك 🌿 

------------------------------------------------------------

📖 المراجع :-

(١) آية ٤ - سورة القيامة
(٢) آية ٨٥ - سورة الإسراء
(٣) تفسير السمعاني (٣/ ١٣٨) - إبطال التأويلات لأبي يعلي (١/ ٢٩٨) - شرح مسلم للنووي (٣/ ٥٥) - تفسير البغوي (٤/ ٣٨٠) - مجموع الفتاوى لابن تيمية (١٧/ ١٥٠) ، و بيان تلبيس الجهمية (٧/ ٤٥٦) - الروح لابن القيم (٢/ ٥٢٥) ، فتح الباري لابن حجر ( ١٥/ ٢٣٤) (١٧/ ٤٦٧) - القول المفيد لابن عثيمين (١/ ٣٦٤).
(٤)  آية ٨٧ - سورة البقرة
(٥) آية ١٩٣ - سورة الشعراء
(٦) آية ٥ ، ٦ - سورة النجم
(٧) آية ٤ - سورة المعارج
(٨)  آية ٤ - سورة القدر
(٩) آية ٣٨ - سورة النبأ
(١٠)  آية ٤٢ - سورة آل عمران
(١١) آية ٤٥ - سورة آل عمران 
(١٢) آية ١٧ ، ١٨ - سورة مريم
(١٣) آية ٨٧ - سورة يوسف
(١٤) صحيح مسلم (٢٦٤٥)
(١٥) آية ٣٧ - سورة هود
(١٦) آية ٩١ - سورة الأنبياء
(١٧) آية ١٢ ـ سورة التحريم 
(١٨) آية ٥٩ - سورة آل عمران 
(١٩) صحيح البخاري (٣٣٤٠) 
(٢٠) صحيح البخاري (٧٤١٠)

الأربعاء، 22 يناير 2025

آية ٨٥ - سورة طه

🌿 ﷽ { قَالَ فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِن بَعْدِكَ وَأَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُّ ۝٨٥ } 🌿

✍️ { قَالَ فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِن بَعْدِكَ } و إنّا تعود على القائل و هو المولى ﷻ ، و صيغة بالجمع التعظيم ، سبحانه ؛ رفيع الدرجات و هو ربّ العالمين ، و قد يظن البعض من صياغة الكلام على هذا النحو ، أنّ الله ﷻ قد فتن الناس ، و هذا غير صحيح ، حاشا لله بل هو الرؤوف الرحيم.

✍️ عليك أن تعلم أيها المؤمن أنّ الله ﷻ لا يريد مطلقاً ظلماً بالعباد ، و إنّما ما يقع بالناس هو مما كسبت أيديهم ، فهؤلاء الذين فتنوا و عبدوا العجل بادئ الرحلة طلبوا من نبيهم أن يصنع لهم أصناماً آلهة يعبدونها كعبدة الأوثان ، فقال ﷻ : { وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْا عَلَىٰ قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَىٰ أَصْنَامٍ لَّهُمْ ۚ قَالُوا يَا مُوسَى اجْعَل لَّنَا إِلَٰهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ ۚ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ }. (١)

✍️ انظر كيف يجهلون على الله تعالى ؛ بعد أنّ نجاهم من عدوهم و نصرهم عليه بمعجزة عظيمة ، إذ فرق لهم البحر يعبروه كأنه أرض ، و أغرق من لاحقهم من فرعون و جنوده ، و قد أبصروا ذلك و ادركوه ، لذلك من بعد جهلهم على الله تعالى ، و ما بدا من سرائر أنفسهم و طلبهم لصناعة أصنام ليعبدوها من دونه ، وجب امتحان قلوبهم.

✍️ و أكبر ما يدل على أنّ تلك خبيئة أنفسهم هو جوابهم على موسى عليه السلام لما سألهم عن ذلك ، إذ قالوا : قَالُوا مَا أَخْلَفْنَا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنَا } (٢) أي بإرادتنا و المراد أنّهم لم يتمالكوا أنفسهم أمام الفتنة ، لأنها كانت رغبة دفينة و مُلحّة في نفوسهم .

و قد تتسائل ما الحكمة إذن من صياغة الآية الكريمة لقصة هذه الفتنة هكذا و كأنّها مشيئة ربّ العباد ﷻ !!

✍️ و جواب ذلك على وجهين ، أولهما هو أنّ المولى ﷻ هو من أذِن بوقوع الفتنة فيهم بما كسبت أيديهم كما بينت لكم ، و ما من شيء هو واقع و كائن إلا بإذنه و مشيئته ، سبحانه ، فإن شاء لم يكن ذلك و لم يقع أو لم تتهيأ له الأسباب و الحيثيات من الأصل.

✍️ و الوجه الآخر أنّ المولى ﷻ لو شاء لنجّاهم منها و آتى كل نفس منهم هداها ، لكنّ الله ﷻ ترك للفتنة منهم ، مَنْ طرح الإيمان مِن قلبه و نبذه ، و لو دققت النظر لتجدنّ هذا خير لهم ، فهذه الفتنة طهر الله ﷻ بها صفوفهم ، فأخرج من بينهم المنافقين و الكافرين.

✍️ { وَأَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُّ } لأنّ السامري هو الذي أخرج لهم العجل و زين لهم عبادته ، و خالف الحق كتبة التناخ ، و رموا بالباطل هارون عليه السلام و هو نبي كريم ، فنسبوا له فعلة السامري .

✍️و هذا بهتان مبين ، فمن ناحية القرآن الكريم أحق بأن يصدق ، و لا يعتد بأي رواية من روايات هذه الكتب إذا ما خالفت القرآن الكريم ؛ فهو كلام الله ﷻ ، الذي نُقل لنا متواتراً تحت ضوابط منتهاية الدقّة (٣) ، فهل بين كتبهم ما نقل و ضبط مثل القرآن الكريم !! ثمّ أين كانت عقولهم بينما يسطرون هذه الوقاحة و يتهمون بها زوراً نبي كريم !!

✍️ و قد نقل ابن كثير عن السدي رحمهما الله عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: إنما أراد هارون عليه السلام أن يجتمع الحلي كله ( الذي أخذوه بغير حق ) في تلك الحفيرة ويجعل حجرا واحدا ، حتى إذا رجع موسى يرى فيه ما يشاء. (٤)

✍️ فإن صحّ ذلك فلعله هو سبب الخلط في الرواية التوراتية ، فرمى كتبتها نبياً كريماً بالباطل ، و قصّوا أنّه عليه السلام هو مَن أخرج لهم العجل ، و زعموا باطلاً صحة روايتهم ، و عللوا ذلك بأنّ اسم السامري لا يمكن أن يتواجد في عهد موسى عليه السلام ، لأن مدينة السامرة بنيت بعده ، و لا أعلم ما العجب في أن يكون الاسم أقدم من ذلك ، و ماذا عن حضارة السومريين ، أليست أقدم من السامرة !! و من قال أصلاً أنه ينسب للسامرة البلدة !!

✍️ الأدهى أن كتبهم ترد عليهم في ذلك و تثبت العكس ، فالسامرة بحسب التناخ ، سُمّيت بذلك لأن الملك عمري اشترى جبل السامرة من رجل يُدعى "شامر" "سامر" بوزنتين فضة .(٥)

✍️ و هذا كاف لإثبات أنّ الاسم أقدم من المدينة و ليس العكس كما يزعمون ، بل إنّ اسم السامري في التناخ أقدم من ذلك فقد جاء ذكر اسم "زمري" كأحد ملوك بني إسرائيل ، و ترجمته إلى العربية "سامري". (٦)

✍️ و هكذا يحق الله ﷻ الحق بكلماته و يبطل الباطل و لو كره المجرمون ، و شهد الله ﷻ ببراءة نبيه هارون عليه السلام مما نسب إليه ظلماً و زوراً ، و أظهر الحقّ أنّ الذي أضلهم هو السامري الدجّال.

✍️ و لما خابت مساعيهم زعم بعضهم أنّ القصة المذكورة في كتاب الله تعالى مأخوذة عن سفر " Pirkei De-Rabbi Eliezer " ، و هذا باطل و مردود عليه ، لأن تاريخ تدوين السفر يرجع للقرن الثامن (٧) أي بعد البعثة الشريفة بحوالي قرن و نصف ، و بذلك فإن كاتب السفر نقل من القرآن و ليس العكس كما يدّعي المشككون.

🌿 سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك و أتوب إليك 🌿 

------------------------------------------------------------

📖 المراجع :-

(١) آية ١٨٣ - سورة الأعراف
(٢) آية ٨٧ - سورة طه
(٣) انظر تفسير آية ١٧ - سورة القيامة 
(٤) تفسير القرآن العظيم لابن كثير (٢٧٣/٥)
(٥) سفر الملوك الاول (١٦/٢٤)
(٦) سفر الملوك الاول (١٦/١٥)
(٧) انظر مقال Pirkei De-Rabbi Eliezer / ويكيبيديا