الجمعة، 24 يناير 2025

آية ٧٢ - سورة ص

 🌿 { فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ } 🌿

✍️ { فَإِذَا سَوَّيْتُهُ } أي فإذا خلقه الله ﷻ و صوّره على هيئة سوية حتى في أدق التفاصيل ، قال ﷻ : { قَادِرِينَ عَلَىٰ أَن نُّسَوِّيَ بَنَانَهُ } (١) ، صنع الله الذي أتقن كل شيء ، فتبارك الله أحسن الخالقين.

✍️ { وَنَفَخْتُ فِيهِ } و التاء آخر " نفخت " هي تاء الفاعل المتكلم أي المولى ﷻ ، أي أنّ النفخة وقعت بأمر الله ﷻ و بإذنه ، و الهاء آخر " فيه" ضمير متصل عوضاً عن المفعول به ، و هو آدم عليه السلام .

✍️ { مِن رُّوحِي } و القاعدة الرئيسية التي يجب أنّ نعود لها في تدبر هذه المسألة هي قول المولى ﷻ { وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ ۖ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا }. (٢)

✍️ إذن فكل ما قيل و ما سوف يُقال في هذه المسألة يندرج و يصنف تحت عبارة " الله أعلى و أعلم" ، و ما سوف نطرحه هنا ليس إلا ترجيحاً و حسب، لتقريب المفهوم .

✍️ و الروح مخلوقة من المخلوقات و ليست من ذات الله ﷻ ، و على هذا إجماع أهل العلم (٣) ، و الروح كما ينجلي لي في الإشارات القرآنية؛ هو جبريل عليه السلام ؛ رئيس الملائكة و رسول أهل السماء للبشر -والله أعلى وأعلم.

✍️ وربما مما يصطلح في معناها، أننا نطلق لفظ الروح مجازاً على ما نُفخ فينا وحبينا به، أو ربما لأننا لا نعرف لذلك اسم فسميناه بحسب أصله، وهذا من لغة العرب، مثل أن تنادي شخص بلقب عائلته لأنك لا تعرف اسمه...

✍️ و أشار المولى ﷻ إلى هذا في غير موضع من كتابه الكريم ، فقال ﷻ : { وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَقَفَّيْنَا مِن بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ ۖ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ ۗ أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَىٰ أَنفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ } (٤) ، و قال ﷻ : { نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ } . (٥)

✍️ و ياء الملكية آخر " روحي " في الآية المباركة التي هي موضوع تدبرنا ، بلى تعود على المولى ﷻ و لكنها لا تدل على أنّها من ذاته و إنّما نسبها المولى ﷻ لذاته تشريفاً لجبريل عليه السلام و تعظيماً لقدره ، و لاشك في رفعة مقام جبريل عليه السلام ، فهو سيد الملائكة باتفاق كافة الشرائع السماوية ، و قال عنه رب العباد : { عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَىٰ ۝٥ ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَىٰ }.(٦)

✍️ و قد ميّزه الله ﷻ عن سائر الملائكة في كتابه غير مرة ، حتى أنه يذكر منفرداً و ليس ضمن الملائكة ، كما في قوله ﷻ: { تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ } (٧) ، و قال ﷻ : { تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِم مِّن كُلِّ أَمْرٍ } (٨) ،  { يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَائِكَةُ صَفًّا ۖ لَّا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَٰنُ وَقَالَ صَوَابًا } . (٩)

✍️ أو يذكر وحده لكن بصيغة الجمع للتعظيم ، كما جاء في قوله ﷻ: { وَإِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَىٰ نِسَاءِ الْعَالَمِينَ } (١٠) ، و في قوله ﷻ: { إِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِّنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ }. (١١)

✍️ و معلوم أنّ الذي تحدث إلى الصديقة مريم كان جبريل وحده عليهما السلام ، كما جاء في قوله ﷻ : { فَاتَّخَذَتْ مِن دُونِهِمْ حِجَابًا فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا ۝١٧ قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَٰنِ مِنكَ إِن كُنتَ تَقِيًّا ۝١٨ قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلَامًا زَكِيًّا } (١٢) ، فكما ترى الكلام محمول على صيغة المفرد ، مثل " منك" و "أنا" و " رسول" و "أهب".

✍️ و الروح لغوياً هي الرحمة لذلك قال يعقوب عليه السلام لابنائه { يَا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِن يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلَا تَيْأَسُوا مِن رَّوْحِ اللَّهِ ۖ إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ } (١٣) ، و لو تأملت ما عليه جبريل عليه السلام  لتجدنّه كذلك ، إذ ينزل بالشرائع و الوحي للرسل عليهم السلام أجمعين و هذا من رحمة الله تعالى بعباده ، و كذلك الروح و دبّ الحياة في الخلق هي من رحمة الله تعالى بعباده .

✍️ و قد أشار النبي ﷺ أنّ الحياة تدب في الجنين في بطن أمه بذات الطريقة (١٤) ، إذ ينفخ الملك في مرحلة من مراحل نموه و اكتماله.

✍️ و نفخ جبريل أو الروح و إبلاغ الرسل عليهم السلام أجمعين و الوحي ، هو بأمر الله ﷻ و إذنه لذلك ينسب الأمر لله تعالى ، كما جاء في قوله ﷻ { وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا وَلَا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا ۚ إِنَّهُم مُّغْرَقُونَ }. (١٥)

✍️ ففي هذه الآية كما ترى نسب الله ﷻ الوحي لذاته ، حتى لو كان جبريل عليه السلام هو من بلّغ به ،  كذلك الأمر في مسألة الروح ، و قد جاءت بهذه الصيغة أكثر من آية ، فقال ﷻ : { وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهَا مِن رُّوحِنَا وَجَعَلْنَاهَا وَابْنَهَا آيَةً لِّلْعَالَمِينَ } (١٦) ، و قال ﷻ : { وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِن رُّوحِنَا وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ }. (١٧)

✍️ قلت و خلق آدم عليه السلام كان كذلك و الله أعلى و أعلم ، فهذا ما يدلنا عليه ما ذكرنا من آيات كتاب الله ﷻ ، و ما يزيد الدلالة على ذلك تشببه خلق عيسى و بخلق آدم عليهما السلام ، كما جاء في قوله تعالى: { إِنَّ مَثَلَ عِيسَىٰ عِندَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ ۖ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ }. (١٨)

✍️ قد يستشكل البعض هذا الرأي ، ظناً أنّ خلق آدم عليه السلام مختلف ، و يستدلوا من قول النبي ﷺ : " فَيَقُولُونَ: يَا آدَمُ أَنْتَ أَبُو الْبَشَرِ خَلَقَكَ اللهُ بِيَدِهِ وَنَفَخَ فِيكَ مِنْ رُوحِهِ وَأَمَرَ الْمَلَائِكَةَ فَسَجَدُوا لَكَ وَأَسْكَنَكَ الْجَنَّةَ أَلَا تَشْفَعُ لَنَا إِلَى رَبِّكَ " (١٩) أنه أمر يخص آدم عليه السلام وحده .

✍️ قلت و لا اختلاف بينهما في ذلك ، بدليل أنهم يقولون مثل ذلك للمسيح عليه السلام (٢٠) ، صحيح أنّ آدم عليه السلام يختلف من حيث أنّه خلق حتى بغير أم ، و لكن القاعدة واحدة ، و نفخ الروح واحداً في الحالتين. 

✍️ { فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ } و هذا من باب التكريم و التشريف و تفصيل ذلك و القصة بتمامها ذكرت في غير موضع من كتاب الله ﷻ.

🌿 سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك و أتوب إليك 🌿 

------------------------------------------------------------

📖 المراجع :-

(١) آية ٤ - سورة القيامة
(٢) آية ٨٥ - سورة الإسراء
(٣) تفسير السمعاني (٣/ ١٣٨) - إبطال التأويلات لأبي يعلي (١/ ٢٩٨) - شرح مسلم للنووي (٣/ ٥٥) - تفسير البغوي (٤/ ٣٨٠) - مجموع الفتاوى لابن تيمية (١٧/ ١٥٠) ، و بيان تلبيس الجهمية (٧/ ٤٥٦) - الروح لابن القيم (٢/ ٥٢٥) ، فتح الباري لابن حجر ( ١٥/ ٢٣٤) (١٧/ ٤٦٧) - القول المفيد لابن عثيمين (١/ ٣٦٤).
(٤)  آية ٨٧ - سورة البقرة
(٥) آية ١٩٣ - سورة الشعراء
(٦) آية ٥ ، ٦ - سورة النجم
(٧) آية ٤ - سورة المعارج
(٨)  آية ٤ - سورة القدر
(٩) آية ٣٨ - سورة النبأ
(١٠)  آية ٤٢ - سورة آل عمران
(١١) آية ٤٥ - سورة آل عمران 
(١٢) آية ١٧ ، ١٨ - سورة مريم
(١٣) آية ٨٧ - سورة يوسف
(١٤) صحيح مسلم (٢٦٤٥)
(١٥) آية ٣٧ - سورة هود
(١٦) آية ٩١ - سورة الأنبياء
(١٧) آية ١٢ ـ سورة التحريم 
(١٨) آية ٥٩ - سورة آل عمران 
(١٩) صحيح البخاري (٣٣٤٠) 
(٢٠) صحيح البخاري (٧٤١٠)