🌿 ﷽ { فَرَجَعَ مُوسَىٰ إِلَىٰ قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا ۚ قَالَ يَا قَوْمِ أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْدًا حَسَنًا ۚ أَفَطَالَ عَلَيْكُمُ الْعَهْدُ أَمْ أَرَدتُّمْ أَن يَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبٌ مِّن رَّبِّكُمْ فَأَخْلَفْتُم مَّوْعِدِي ٨٦ قَالُوا مَا أَخْلَفْنَا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنَا وَلَٰكِنَّا حُمِّلْنَا أَوْزَارًا مِّن زِينَةِ الْقَوْمِ فَقَذَفْنَاهَا فَكَذَٰلِكَ أَلْقَى السَّامِرِيُّ ٨٧ فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلًا جَسَدًا لَّهُ خُوَارٌ فَقَالُوا هَٰذَا إِلَٰهُكُمْ وَإِلَٰهُ مُوسَىٰ فَنَسِيَ ٨٨ أَفَلَا يَرَوْنَ أَلَّا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلًا وَلَا يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا ٨٩ وَلَقَدْ قَالَ لَهُمْ هَارُونُ مِن قَبْلُ يَا قَوْمِ إِنَّمَا فُتِنتُم بِهِ ۖ وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَٰنُ فَاتَّبِعُونِي وَأَطِيعُوا أَمْرِي ٩٠ قَالُوا لَن نَّبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ حَتَّىٰ يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَىٰ } 🌿
✍️ { فَرَجَعَ مُوسَىٰ إِلَىٰ قَوْمِهِ } نزل من الجبل عائداً إلى قومه ، من اللقاء المقدس و تلقيه الشريعة ، { غَضْبَانَ أَسِفًا ۚ } و الغضب هو شدة الحنق ، و غضبان صيغة مبالغة على وزن فعلان ممّا يدل على شدة الغضب ، و الأسف هو شدة الحزن.
✍️ صُدِم الرسول الكريم عليه السلام من فعلة قومه ، و هذا شعور مؤلم ، خليط من خيبة الأمل و الإحباط قد امتزجا بالحزن و الأسى ، لذا نتج كل هذا الغضب و الحرقة و الثورة الذين حدثنا عنهم المولى ﷻ.
✍️ هذا الشعور قد انتاب النبي الكريم عليه السلام لمّا نبّأه المولى ﷻ أنّ بني إسرائيل قد فتنهم و أضلهم السامري في غيابه ، و كان قبل أن ينبأ بهذا يدافع عنهم أمام الله ﷻ قائلاً: { قَالَ هُمْ أُولَاءِ عَلَىٰ أَثَرِي وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَىٰ }.(١)
✍️ و ممّا يدلّ كذلك على شدة غضب موسى عليه السلام ، ما قصه علينا المولى ﷻ في سورة الأعراف فقال :{ وَأَلْقَى الْأَلْوَاحَ وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ ۚ } (٢) ، و تحطمت الألواح نتيجة شدة إلقائه إياها في غضبه ، و لذلك لمّا وصف المولى ﷻ أخذه للألواح لمّا سكت عنه الغضب بعد ذلك ، أنه أخذ نسخة منها و ليست الألواح الأصلية التي تحطمت من إلقائه لها ، فقال ﷻ: { وَلَمَّا سَكَتَ عَن مُّوسَى الْغَضَبُ أَخَذَ الْأَلْوَاحَ ۖ وَفِي نُسْخَتِهَا هُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ }. (٣)
✍️ { أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْدًا حَسَنًا ۚ } و قد جاء بيان ذلك في قوله ﷻ : { يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ قَدْ أَنجَيْنَاكُم مِّنْ عَدُوِّكُمْ وَوَاعَدْنَاكُمْ جَانِبَ الطُّورِ الْأَيْمَنَ وَنَزَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَىٰ } (٤) ، فيقابل إلتزامهم بعهد الله ﷻ ؛ النجاة و الرزق و النصر في الدنيا ، و الفوز بالجنة في الآخرة.
✍️ { أَفَطَالَ عَلَيْكُمُ الْعَهْدُ } و فيه استنكار من فعلتهم لأنّ موسى عليه السلام كل ما غابه عنهم كان أربعون ليلة ، { أَمْ أَرَدتُّمْ أَن يَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبٌ مِّن رَّبِّكُمْ فَأَخْلَفْتُم مَّوْعِدِي } ذلك أنّ شدة قبح العذر الأول و التي لا تجعله يستوي و المنطق السليم ، لا تترك احتمال آخر سوى أنهم انتقوا غضب الله ﷻ بمحض إرادتهم.
✍️ { قَالُوا مَا أَخْلَفْنَا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنَا } أي بإرادتنا و المراد أنّهم لم يتمالكوا أنفسهم أمام الفتنة ، وذلك لأنهم كانوا يريدون ذلك قبل مغادرة موسى عليه السلام لهم ، حتى أنهم تبجحوا و طلبوا منه أن يصنع لهم أصناماً آلهة ، تلك الرغبة الدفينة في نفوسهم هي ما عجلت بسقوطهم في الفتنة ، و قد تدارسنا سوياً هذه النقطة بالتفصيل . (٥)
✍️ { وَلَٰكِنَّا حُمِّلْنَا أَوْزَارًا مِّن زِينَةِ الْقَوْمِ } و نعتوا زينة القوم "أوزاراً" لأنهم أخذوها بغير حق ، إذ احتالوا على القبط و أخذوها على وجه الاستعارة ثمّ خرجوا بها مع موسى عليه السلام ، و لم يردوها لأهلها .
✍️ { فَقَذَفْنَاهَا فَكَذَٰلِكَ أَلْقَى السَّامِرِيُّ } و ألقى تُحمل على معنيين ؛ الأول أنّه قذف ما كان يحمل معه مثلهم ، و المعنى الآخر أنّه ألقى إليهم قولاً و أملى عليهم ، فأضلّهم به و زين لهم الكفر ، و هذا يتفق مع وصف المولى ﷻ له في قوله { وَأَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُّ } ، حيث حثّهم هذا الدجّال أن يقذفوا ما معهم من الحليّ و من ثَمّ يقوم هو بسحره ، و الله أعلم.
✍️ { فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلًا جَسَدًا } و أخرج أي أبرز و بيّن بدفع الشيء للخارج ، و هذا دلالة على أنّه لم ينحت و إنّما أخرجه لهم السامري على هيئة العجل و كأنّه كان قد صبّ في قالب أو نحوه ثمّ أخرج منه ، و جسداً أي لا روح فيه و لا حياة ، و قد بينت لكم فرق المعنى بين جسد و جسم من حيث التوظيف اللغوي. (٦)
✍️ { لَّهُ خُوَارٌ } و الخوار هو صوت الجاموس و البقر و هذا الصوت صدر منه نتيجة مرور الهواء في الفتحات و الفقاعات التي إحتواها جسد الصنم في بنيته ، لأنّ زينة القوم قطعاً لم تكن ذهباً خالصاً و إنّما سبيكة مذهبة أي أنّ فيها معادن أخرى ، مثل الفضة و النحاس ، و ربما كانت مرصعة بأحجار كالياقوت و الزمرد .... إلخ.
✍️ و قطعاً ما زاد من وجود هذه الفقاعات و الفتحات في بنيته ، تلك القبضة التي قبضها السامري من تراب أرض القاع من أثر الرسول كما سوف تبيّن لنا الآيات الكريمة القادمة بإذن الله تعالى.
✍️ { فَقَالُوا هَٰذَا إِلَٰهُكُمْ وَإِلَٰهُ مُوسَىٰ } و هذا قول جماعي يدل على اتفاقهم عليهم و وقوعهم في الفتنة ، { فَنَسِيَ } قلت و ما يبدوا أن هذا كان رداً على تساؤل ، إن كان هذا إله موسى عليه السلام ، فمن الذي ذهب موسى للقائه ، فأجابوا على ذلك أنّ موسى عليه السلام قد ضل سبيله عنه و نسيه ، انظر كيف اتبعوا أهوائهم و زين لهم الشيطان سوء عملهم !!
✍️ { أَفَلَا يَرَوْنَ أَلَّا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلًا وَلَا يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا } و هذا دليل قاطع من كتاب الله ﷻ ، ينفي أنّ العجل الذي أخرجه لهم السامري كان حيّاً ، و إنّما لم يكن سوى صنماً لا يتكلم و لا يملك ضراً و لا نفعاً ، كما قال إبراهيم عليه السلام لقومه على الأصنام عامةً ، { قَالَ أَفَتَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنفَعُكُمْ شَيْئًا وَلَا يَضُرُّكُمْ }. (٧)
✍️ { وَلَقَدْ قَالَ لَهُمْ هَارُونُ مِن قَبْلُ } أن يرجع موسى عليه السلام إليهم ، و هذه تبرئة المولى ﷻ لنبيه هارون عليه السلام مما اتهموه به ظلماً و زوراً (٥) ، إذ أنه لم يقف مكتوف الأيدي و إنما قال لهم في أنفسهم قولاً بليغاً .
✍️ فإذا ما تأملت قول النبي الكريم عليه السلام ، لتجدنه قد جمع فيه كل محاسن الدعوة إلى الله ﷻ ؛ فقال { يا قَوْمِ إِنَّمَا فُتِنتُم بِهِ ۖ } حيث زجرهم عن الباطل و بيٌن لهم أنّهم فتنوا و أشركوا برب العباد ، ثم أكمل بإقرار التوحيد براءة لنفسه أمام الله تعالى ، و دعوة لهم للرجوع للحق فقال { وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَٰنُ } ، ثم دلهم على سبيل الهدى ؛ و هو اتباع الشريعة و ذلك باتباعه كونه نبي عليه السلام و طاعة أمره ؛ فقال : { فَاتَّبِعُونِي وَأَطِيعُوا أَمْرِي } .
✍️ و أصرّ الكافرين على كفرهم و لم يأبهوا لقوله عليه السلام ، و قالوا { لَن نَّبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ حَتَّىٰ يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَىٰ } أي دائمين على عبادته حتى يرجع موسى عليه السلام و يقرر فيه ، فآثروا تصديق هذا الدجّال على اتباع نبيهم عليه السلام.
⚡ و قد تتسائل لماذا اكتفى هنا هارون عليه السلام بالقول و لم يتخذ يعاقبهم أو ينزل بهم جزاء ؟!
✍️ لأنّ بني إسرائيل كانت في هذه الفتنة على فرقتين فرقة آمنت للسامري و فرقة امتنعت عن اتباعه ، فإذا أنزل بهم هارون عليه السلام عقاب زادت الفرقة و انقسموا ، و لربما تقاتلوا ، و هذا ما لم يريده النبي الكريم عليه السلام ، لسببين ؛-
✍️ فمن ناحية أفعال الرسل عليهم السلام أجمعين لا تكون إلا بوحي من الله ﷻ ، و لعل الوحي لم يبلغه هذا ، و من ناحية أخرى كان ذلك اتباعاً لأمر موسى عليه السلام ، فقد أوصاه عليهما السلام ، لما أستخلفه فيهم قائلاً ؛ { وَقَالَ مُوسَىٰ لِأَخِيهِ هَارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلَا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ } (٨) ؛ و هارون يتبع موسى عليهما السلام في الأمر و الدعوة ، لذلك لم يقضي في المسألة حتى يرجع موسى عليه السلام.
🌿 سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك و أتوب إليك 🌿
------------------------------------------------------------
📖 المراجع :-
(٣) آية ١٥٤ - سورة الأعراف
(٦) انظر تفسير آية ٨ - سورة الأنبياء
(٧) آية ٦٦ - سورة الأنبياء
(٨) آية ١٤٢ - سورة الأعراف