الثلاثاء، 28 يناير 2025

آية ٨٦ : ٩١ - سورة طه

🌿 ﷽ { فَرَجَعَ مُوسَىٰ إِلَىٰ قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا ۚ قَالَ يَا قَوْمِ أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْدًا حَسَنًا ۚ أَفَطَالَ عَلَيْكُمُ الْعَهْدُ أَمْ أَرَدتُّمْ أَن يَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبٌ مِّن رَّبِّكُمْ فَأَخْلَفْتُم مَّوْعِدِي ۝٨٦ قَالُوا مَا أَخْلَفْنَا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنَا وَلَٰكِنَّا حُمِّلْنَا أَوْزَارًا مِّن زِينَةِ الْقَوْمِ فَقَذَفْنَاهَا فَكَذَٰلِكَ أَلْقَى السَّامِرِيُّ ۝٨٧ فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلًا جَسَدًا لَّهُ خُوَارٌ فَقَالُوا هَٰذَا إِلَٰهُكُمْ وَإِلَٰهُ مُوسَىٰ فَنَسِيَ ۝٨٨ أَفَلَا يَرَوْنَ أَلَّا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلًا وَلَا يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا ۝٨٩ وَلَقَدْ قَالَ لَهُمْ هَارُونُ مِن قَبْلُ يَا قَوْمِ إِنَّمَا فُتِنتُم بِهِ ۖ وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَٰنُ فَاتَّبِعُونِي وَأَطِيعُوا أَمْرِي ۝٩٠ قَالُوا لَن نَّبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ حَتَّىٰ يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَىٰ } 🌿

✍️ { فَرَجَعَ مُوسَىٰ إِلَىٰ قَوْمِهِ } نزل من الجبل عائداً إلى قومه ، من اللقاء المقدس و تلقيه الشريعة ، { غَضْبَانَ أَسِفًا ۚ } و الغضب هو شدة الحنق ، و غضبان صيغة مبالغة على وزن فعلان ممّا يدل على شدة الغضب ، و الأسف هو شدة الحزن.

✍️ صُدِم الرسول الكريم عليه السلام من فعلة قومه ، و هذا شعور مؤلم ، خليط من خيبة الأمل و الإحباط قد امتزجا بالحزن و الأسى ، لذا نتج كل هذا الغضب و الحرقة و الثورة الذين حدثنا عنهم المولى ﷻ.

✍️ هذا الشعور قد انتاب النبي الكريم عليه السلام لمّا نبّأه المولى ﷻ أنّ بني إسرائيل قد فتنهم و أضلهم السامري في غيابه ، و كان قبل أن ينبأ بهذا يدافع عنهم أمام الله ﷻ قائلاً: { قَالَ هُمْ أُولَاءِ عَلَىٰ أَثَرِي وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَىٰ }.(١) 

✍️ و ممّا يدلّ كذلك على شدة غضب موسى عليه السلام ، ما قصه علينا المولى ﷻ في سورة الأعراف فقال :{ وَأَلْقَى الْأَلْوَاحَ وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ ۚ } (٢) ، و تحطمت الألواح نتيجة شدة إلقائه إياها في غضبه ، و لذلك لمّا وصف المولى ﷻ أخذه للألواح لمّا سكت عنه الغضب بعد ذلك ، أنه أخذ نسخة منها و ليست الألواح الأصلية التي تحطمت من إلقائه لها ، فقال ﷻ: { وَلَمَّا سَكَتَ عَن مُّوسَى الْغَضَبُ أَخَذَ الْأَلْوَاحَ ۖ وَفِي نُسْخَتِهَا هُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ }. (٣)

✍️ { أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْدًا حَسَنًا ۚ } و قد جاء بيان ذلك في قوله ﷻ : { يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ قَدْ أَنجَيْنَاكُم مِّنْ عَدُوِّكُمْ وَوَاعَدْنَاكُمْ جَانِبَ الطُّورِ الْأَيْمَنَ وَنَزَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَىٰ } (٤) ، فيقابل إلتزامهم بعهد الله ﷻ  ؛ النجاة و الرزق و النصر في الدنيا ، و الفوز بالجنة في الآخرة.

✍️ { أَفَطَالَ عَلَيْكُمُ الْعَهْدُ } و فيه استنكار من فعلتهم لأنّ موسى عليه السلام كل ما غابه عنهم كان أربعون ليلة ، { أَمْ أَرَدتُّمْ أَن يَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبٌ مِّن رَّبِّكُمْ فَأَخْلَفْتُم مَّوْعِدِي } ذلك أنّ شدة قبح العذر الأول و التي لا تجعله يستوي و المنطق السليم ، لا تترك احتمال آخر سوى أنهم انتقوا غضب الله ﷻ بمحض إرادتهم.

✍️ { قَالُوا مَا أَخْلَفْنَا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنَا } أي بإرادتنا و المراد أنّهم لم يتمالكوا أنفسهم أمام الفتنة ، وذلك لأنهم كانوا يريدون ذلك قبل مغادرة موسى عليه السلام لهم ، حتى أنهم تبجحوا و طلبوا منه أن يصنع لهم أصناماً آلهة ، تلك الرغبة الدفينة في نفوسهم هي ما عجلت بسقوطهم في الفتنة ، و قد تدارسنا سوياً هذه النقطة بالتفصيل . (٥)

✍️ { وَلَٰكِنَّا حُمِّلْنَا أَوْزَارًا مِّن زِينَةِ الْقَوْمِ } و نعتوا زينة القوم "أوزاراً" لأنهم أخذوها بغير حق ، إذ احتالوا على القبط و أخذوها على وجه الاستعارة ثمّ خرجوا بها مع موسى عليه السلام ، و لم يردوها لأهلها .

✍️ { فَقَذَفْنَاهَا فَكَذَٰلِكَ أَلْقَى السَّامِرِيُّ } و ألقى تُحمل على معنيين ؛ الأول أنّه قذف ما كان يحمل معه مثلهم ، و المعنى الآخر أنّه ألقى إليهم قولاً و أملى عليهم ، فأضلّهم به و زين لهم الكفر ، و هذا يتفق مع وصف المولى ﷻ له في قوله { وَأَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُّ } ، حيث حثّهم هذا الدجّال أن يقذفوا ما معهم من الحليّ و من ثَمّ يقوم هو بسحره ، و الله أعلم.

✍️ { فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلًا جَسَدًا } و أخرج أي أبرز و بيّن بدفع الشيء للخارج ، و هذا دلالة على أنّه لم ينحت و إنّما أخرجه لهم السامري على هيئة العجل و كأنّه كان قد صبّ في قالب أو نحوه ثمّ أخرج منه ، و جسداً أي لا روح فيه و لا حياة ، و قد بينت لكم فرق المعنى بين جسد و جسم من حيث التوظيف اللغوي. (٦)

✍️ { لَّهُ خُوَارٌ } و الخوار هو صوت الجاموس و البقر و هذا الصوت صدر منه نتيجة مرور الهواء في الفتحات و الفقاعات التي إحتواها جسد الصنم في بنيته ، لأنّ زينة القوم قطعاً لم تكن ذهباً خالصاً و إنّما سبيكة مذهبة أي أنّ فيها معادن أخرى ، مثل الفضة و النحاس ، و ربما كانت مرصعة بأحجار كالياقوت و الزمرد .... إلخ.

✍️ و قطعاً ما زاد من وجود هذه الفقاعات و الفتحات في بنيته ، تلك القبضة التي قبضها السامري من تراب أرض القاع من أثر الرسول كما سوف تبيّن لنا الآيات الكريمة القادمة بإذن الله تعالى.

✍️ { فَقَالُوا هَٰذَا إِلَٰهُكُمْ وَإِلَٰهُ مُوسَىٰ } و هذا قول جماعي يدل على اتفاقهم عليهم و وقوعهم في الفتنة ، { فَنَسِيَ } قلت و ما يبدوا أن هذا كان رداً على تساؤل ، إن كان هذا إله موسى عليه السلام ، فمن الذي ذهب موسى للقائه ، فأجابوا على ذلك أنّ موسى عليه السلام قد ضل سبيله عنه و نسيه ، انظر كيف اتبعوا أهوائهم و زين لهم الشيطان سوء عملهم !!

✍️ { أَفَلَا يَرَوْنَ أَلَّا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلًا وَلَا يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا } و هذا دليل قاطع من كتاب الله ﷻ ، ينفي أنّ العجل الذي أخرجه لهم السامري كان حيّاً ، و إنّما لم يكن سوى صنماً لا يتكلم و لا يملك ضراً و لا نفعاً ، كما قال إبراهيم عليه السلام لقومه على الأصنام عامةً ، { قَالَ أَفَتَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنفَعُكُمْ شَيْئًا وَلَا يَضُرُّكُمْ }. (٧)

✍️ { وَلَقَدْ قَالَ لَهُمْ هَارُونُ مِن قَبْلُ } أن يرجع موسى عليه السلام إليهم ، و هذه تبرئة المولى ﷻ لنبيه هارون عليه السلام مما اتهموه به ظلماً و زوراً (٥) ، إذ أنه لم يقف مكتوف الأيدي و إنما قال لهم في أنفسهم قولاً بليغاً .

✍️ فإذا ما تأملت قول النبي الكريم عليه السلام ، لتجدنه قد جمع فيه كل محاسن الدعوة إلى الله ﷻ ؛ فقال { يا قَوْمِ إِنَّمَا فُتِنتُم بِهِ ۖ } حيث زجرهم عن الباطل و بيٌن لهم أنّهم فتنوا و أشركوا برب العباد ، ثم أكمل بإقرار التوحيد براءة لنفسه أمام الله تعالى ، و دعوة لهم للرجوع للحق فقال { وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَٰنُ } ، ثم دلهم على سبيل الهدى ؛ و هو اتباع الشريعة و ذلك باتباعه كونه نبي عليه السلام و طاعة أمره ؛ فقال : { فَاتَّبِعُونِي وَأَطِيعُوا أَمْرِي } .

✍️ و أصرّ الكافرين على كفرهم و لم يأبهوا لقوله عليه السلام ، و قالوا { لَن نَّبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ حَتَّىٰ يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَىٰ } أي دائمين على عبادته حتى يرجع موسى عليه السلام و يقرر فيه ، فآثروا تصديق هذا الدجّال على اتباع نبيهم عليه السلام.

⚡ و قد تتسائل لماذا اكتفى هنا هارون عليه السلام بالقول و لم يتخذ يعاقبهم أو ينزل بهم جزاء ؟!

✍️ لأنّ بني إسرائيل كانت في هذه الفتنة على فرقتين فرقة آمنت للسامري و فرقة امتنعت عن اتباعه ، فإذا أنزل بهم هارون عليه السلام عقاب زادت الفرقة و انقسموا ، و لربما تقاتلوا ، و هذا ما لم يريده النبي الكريم عليه السلام ، لسببين ؛-

✍️ فمن ناحية أفعال الرسل عليهم السلام أجمعين لا تكون إلا بوحي من الله ﷻ ، و لعل الوحي لم يبلغه هذا ، و من ناحية أخرى كان ذلك اتباعاً لأمر موسى عليه السلام ، فقد أوصاه عليهما السلام ، لما أستخلفه فيهم قائلاً ؛ { وَقَالَ مُوسَىٰ لِأَخِيهِ هَارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلَا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ } (٨) ؛ و هارون يتبع موسى عليهما السلام في الأمر و الدعوة ، لذلك لم يقضي في المسألة حتى يرجع موسى عليه السلام.

🌿 سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك و أتوب إليك 🌿 

------------------------------------------------------------

📖 المراجع :-

(١) آية ٨٤ - سورة طه
(٢) آية ١٥٠ - سورة الأعراف
(٣) آية ١٥٤ - سورة الأعراف
(٤) آية ٨٠ - سورة البقرة 
(٥) انظر تفسير آية ٨٥ - سورة طه
(٦) انظر تفسير آية ٨ - سورة الأنبياء
(٧) آية ٦٦ - سورة الأنبياء
(٨) آية ١٤٢ - سورة الأعراف