الأحد، 2 فبراير 2025

الآيات ٩٢ : ٩٨ - سورة طه

🌿 ﷽ { قَالَ يَا هَارُونُ مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا ۝٩٢ أَلَّا تَتَّبِعَنِ ۖ أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي ۝٩٣ قَالَ يَا ابْنَ أُمَّ لَا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلَا بِرَأْسِي ۖ إِنِّي خَشِيتُ أَن تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي ۝٩٤ قَالَ فَمَا خَطْبُكَ يَا سَامِرِيُّ ۝٩٥ قَالَ بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِّنْ أَثَرِ الرَّسُولِ فَنَبَذْتُهَا وَكَذَٰلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي ۝٩٦ قَالَ فَاذْهَبْ فَإِنَّ لَكَ فِي الْحَيَاةِ أَن تَقُولَ لَا مِسَاسَ ۖ وَإِنَّ لَكَ مَوْعِدًا لَّن تُخْلَفَهُ ۖ وَانظُرْ إِلَىٰ إِلَٰهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفًا ۖ لَّنُحَرِّقَنَّهُ ثُمَّ لَنَنسِفَنَّهُ فِي الْيَمِّ نَسْفًا ۝٩٧ إِنَّمَا إِلَٰهُكُمُ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ۚ وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا ۝٩٨ } 🌿

✍️ { قَالَ } موسى عليه السلام { يَا هَارُونُ مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا } و موسى قد ألقى اللوم على أخيه عليهما السلام ، لأنه استخلفه فيهم ، فاللوم دائماً على يقع القائد و إن لم يذنب { أَلَّا تَتَّبِعَنِ ۖ أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي } حين أوصاه قائلاً { وَأَصْلِحْ وَلَا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ }. (١)

✍️ و هنا لم يتمالك موسى عليه السلام غضبه كما بينت لكم من قبل { وَأَلْقَى الْأَلْوَاحَ وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ ۚ } (٢) ، و هنا دافع هارون عليه السلام عن نفسه فقال { قَالَ يَا ابْنَ أُمَّ } و هنا لنا وقفة مع تساؤل لماذا قال يا ابن أم و لم يقل يا أخي مثلاً !!

✍️ إنّ هذا التساؤل قد أودى بكثير من الباحثين إلى تأويل الآية  على غير الحق ، و ذهب بهم ظنهم بعيداً حتى أن بعضهم قد قال أنّ موسى و هارون عليهما السلام ليسا إشقاء و إنما إخوة لأم ، و لمّا أجابهم مجيب بأنّ كلاهما عليهما السلام يحملان ذات اسم الأب ، كان ردهم صادماً ، إذ قالوا لقد تزوجت مرتين من رجلين كلاهما اسمه عمران !!

✍️ و هذا فرض بعيد و رأي غير صحيح ، قد جانب القائل به الصواب تماماً ، فكلاهما عليهما السلام ابنين لذات الأب و كان اسمه عمران و لذات الأم ، و هذا من المتفق عليه في مختلف الشرائع ، فليس من داعي للتحذلق و التفلسف في أمور مسلم بها و التشكيك فيها ، أو تقصي شيء لا طائل منه.

✍️ و إنما قال له " يا ابن أم " بغرض استعطافه  ، كما نقول باللغة الدارجة "نحن أبناء بطن واحدة" ، هذا هو غاية الأمر ، فقال { يَا ابْنَ أُمَّ لَا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلَا بِرَأْسِي ۖ  إِنِّي خَشِيتُ أَن تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي } ، و في سورة الأعراف أكمل قوله قائلاً : { إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكَادُوا يَقْتُلُونَنِي فَلَا تُشْمِتْ بِيَ الْأَعْدَاءَ وَلَا تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ }. (٢)

✍️ و ما أنزله علينا المولى تبارك وتعالى في الأعراف هو تتمة دفاع هارون عليه السلام عن نفسه إذا برر كيف كانت ستقع الفرقة بين بني إسرائيل إذا اتخذ ضدهم تدبيراً ما ، حيث تمسكوا بالعجل حتى أنهم هددوه عليه السلام و نبيهم بالقتل ، مما سيجعلهم فرقتين تقاتل إحداهما دفاعاً عن هارون عليه السلام و الأخرى تطلب قتله.

✍️ هنا فطن موسى عليه السلام أنّ الفتنة التي وقعت في قومه أثناء غيابه عنهم ، كانت أكبر من أن تُحتوي بالقول زجراً أو أمراً بمعروف و نهياً عن منكر ، لذلك توجه إلى الشيطان الذي أضلهم فقال : " فَمَا خَطْبُكَ يَا سَامِرِيُّ ".

✍️ و اعتقد أنّ الدهشة في سؤاله عليه السلام سببها أنّ شيطاناً كهذا خرج منهم و أوقع بينهم فتنة عظيمة ، فكيف غاب عنهم فما اكتشفوا أمره و لا أحاطوا به علماً !! و كيف كان مستتراً فيهم ، فلم يلحظوه إذ خرج معهم و عبر البحر بين صفوفهم !!

✍️ و كان الرد أدهى من كل ما كان ، إذ فاق في القبح حتى الجريمة ذاتها ،  فقال { قَالَ بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ } و "بصرت" تختلف عن "أبصرت" من حيث التوظيف اللغوي ، فأما أبصرت تصف الرؤية الحسيّة ، أما بصرت فتعبر عن رؤية تتجاوز الحسية ، رؤية الإدراك و الوعي و البصيرة.

✍️ { فَقَبَضْتُ قَبْضَةً } أي أخذ بملء كفه  و الأصل هو تفسير النص على ظاهره ، و لا حاجة في حمل النص على غير هذا المعنى مثل الرأي القائل أنه أخذ القليل من شريعة موسى عليه السلام.

✍️ { فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِّنْ أَثَرِ الرَّسُولِ } و لفظ "الرسول" يصلح لوصف كل من جبريل و موسى عليهما السلام ، فالله ﷻ يصطفي من الملائكة رسلاً ، كما بين لنا في قوله ﷻ : { الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ } (٣) ، و من المعلوم أن جبريل عليه السلام موكل بالوحي للأنبياء و الرسل.

✍️ و كذلك موسى عليه السلام لائق به الوصف ، فهو رسول الله إلى قومه ، و أنزل عليه الكتاب و الشريعة ، فقال عنه المولى ﷻ { وَلَقَدْ فَتَنَّا قَبْلَهُمْ قَوْمَ فِرْعَوْنَ وَجَاءَهُمْ رَسُولٌ كَرِيمٌ } (٤) ، لكن الأرجح أنّ المقصود في قول السامري هو جبريل عليه السلام ، لأن الخطاب موجه إلى موسى عليه السلام ، و قد تحدث عن الرسول بصيغة الغائب إذن فالرسول المقصود ليس موسى و إنما جبريل عليهما السلام.

✍️ و على هذا الرأي السلف الصالح من صحابة رسول الله ﷺ ، و عليه جمهور المفسرين و أهل العلم إن شاء الله تعالى ، و هنا قد يسأل سائل كيف تسنى له رؤية جبريل عليه السلام !!

✍️ و جواب ذلك في الآية ذاتها ، أنه استدل على رؤيته من أثره في الأرض ، و الظاهر من المعنى أنه رأى ما أدهشه حتى ظن أن تراب الأثر أصبح غير عادياً ، و هذا يؤكد أن المراد بالرسول كان جبريل عليه السلام ، فلئن كان الرسول يقصد به موسى عليه السلام ، ما أدهش الأمر السامري ، و لما أدهشه ما رأى في آثاره أخذ منه قبضة و أكمل  قوله { فَنَبَذْتُهَا } أي ألقاها في محرقة زينة القوم. 

✍️ { وَكَذَٰلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي } أي وسوست و زينت ، فالنفس آمارة بالسوء إلا ما رحم ربي ، و قد زينت له نفسه أن يحل محل موسى عليه السلام بتحقيق مطالب بني إسرائيل في أن تكون لهم أصناماً يعبدونها .

✍️ { قَالَ فَاذْهَبْ } و رغم ثورة موسى عليه السلام و غضبه الشديد إلا أنّه إلتزم ضبط النفس مع هذا الشيطان ، و لعل هذا كان وحياً من الله ﷻ له ، فقد جاء في سورة الأعراف أنّ المولى ﷻ كتب على أصحاب العجل الهوان و المذلة في الدنيا و غضب عليهم فيها و في الآخرة ، فقال ﷻ { إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَذِلَّةٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۚ وَكَذَٰلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ }(٥) ، فلعل موسى عليه السلام اكتفى بما كتبه الله ﷻ عليهم من عقاب جزاء فعلتهم.

✍️ و قوله "فاذهب" لا تعني أنه أطلق سراحه بغير عقاب ، فلقد قال المولى ﷻ مثل ذلك لإبليس { قَالَ اذْهَبْ فَمَن تَبِعَكَ مِنْهُمْ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَاؤُكُمْ جَزَاءً مَّوْفُورًا } (٦) فهل معنى هذا هنا أنه أطلق سراحه بغير عقاب ، كلا قطعاً ، و إنما اذهب هنا بمعنى فارقني و اذهب عني .

✍️ و الدليل ما أكمل به موسى عليه السلام قوله ، فقال { قَالَ فَاذْهَبْ فَإِنَّ لَكَ فِي الْحَيَاةِ أَن تَقُولَ لَا مِسَاسَ ۖ وَإِنَّ لَكَ مَوْعِدًا لَّن تُخْلَفَهُ ۖ  } و هذا القول يحمل بين ألفاظه وعيداً شديداً على كافة احتمالاته.

✍️{ أَن تَقُولَ لَا مِسَاسَ } و هذا حال مختلف عن حال من أصابه مس شيطاني ، و قد وصف الله ﷻ حالهم بالتخبط في القيام و المشي فقال تعالى : { الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ } (٧) ، فالمصروع قد يصرخ أو يسقط أو يتعرى ، لكنه لا يقول لا مساس.

✍️ لذلك حمله أهل التأويل على ثلاثة معاني ، الأول أنه لعنه فأراد به أن يجعله كالحيوان الأجرب لا يقربه أحد و لا يقرب أحد ، و الثاني أنّ المساس يراد به النكاح (٨) و بذلك ينقطع نسله ، و استدلوا على هذا المعنى من قوله ﷻ { وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِن نِّسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِّن قَبْلِ أَن يَتَمَاسَّا ۚ ذَٰلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ ۚ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ } (٩) ، و كذلك في قوله تبارك و تعالى : { وَإِن طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ }. (١٠) 

✍️ و الرأي الثالث  أن لا يمسّه أحد بآذى حتى أجل معلوم ، و لكني أركن قليلاً إلى الرأي الثاني من بينهم لما لمعناه من شواهد قرآنية ، و الله أعلى و أعلم.

✍️ { وَإِنَّ لَكَ مَوْعِدًا لَّن تُخْلَفَهُ ۖ  } و فيه قولين أولهما أنه موعد الآخرة حيث يحاسبه الله ﷻ على جرمه ، و الرأي الآخر أنّ موعده الدنيا حيث يعذب عند موته ، قلت الأرجح موعد الدنيا فموعد الآخرة للخلق جميعاً و الله أعلم.

✍️ { وَانظُرْ إِلَىٰ إِلَٰهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفًا ۖ لَّنُحَرِّقَنَّهُ } و هذا ليجعل ما عمله هباءاً و يجعل ما أنفقوا حسرةً عليهم و ينقلبوا خاسرين ، { ثُمَّ لَنَنسِفَنَّهُ فِي الْيَمِّ نَسْفًا } لأن طبيعة السبيكة حال إنصهارها لن تتحمل التبريد المفاجئ في مياه البحر ، لذا سوف تتنفصل عناصرها أيا كانت و تتبعثر.

✍️ { إِنَّمَا إِلَٰهُكُمُ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ۚ } إن هذه تذكرة لكل مؤمن ، حتى لا يفتتن عن الإقرار بوحدانية الله سبحانه { وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا } ما كان و ما هو كائن و ما سيكون .

🌿 سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك و أتوب إليك 🌿 

------------------------------------------------------------

📖 المراجع :-

(١) آية ١٤٢ - سورة الأعراف
(٢) آية ١٥٠ - سورة الأعراف
(٣) آية ١ - سورة فاطر
(٤) آية ١٧ - سورة الدخان 
(٥) آية ١٥٢ - سورة الأعراف
(٦) آية ٦٣ - سورة موسى
(٧) آية ٢٧٥ - سورة البقرة 
(٨) تفسير القرطبي (٤٢٠٦/١١)
(٩) آية ٣ - سورة المجادلة
(١٠) آية ٢٣٧ - سورة البقرة