🌿 ﷽ { قَالَ يَا هَارُونُ مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا ٩٢ أَلَّا تَتَّبِعَنِ ۖ أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي ٩٣ قَالَ يَا ابْنَ أُمَّ لَا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلَا بِرَأْسِي ۖ إِنِّي خَشِيتُ أَن تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي ٩٤ قَالَ فَمَا خَطْبُكَ يَا سَامِرِيُّ ٩٥ قَالَ بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِّنْ أَثَرِ الرَّسُولِ فَنَبَذْتُهَا وَكَذَٰلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي ٩٦ قَالَ فَاذْهَبْ فَإِنَّ لَكَ فِي الْحَيَاةِ أَن تَقُولَ لَا مِسَاسَ ۖ وَإِنَّ لَكَ مَوْعِدًا لَّن تُخْلَفَهُ ۖ وَانظُرْ إِلَىٰ إِلَٰهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفًا ۖ لَّنُحَرِّقَنَّهُ ثُمَّ لَنَنسِفَنَّهُ فِي الْيَمِّ نَسْفًا ٩٧ إِنَّمَا إِلَٰهُكُمُ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ۚ وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا ٩٨ } 🌿
✍️ { قَالَ } موسى عليه السلام { يَا هَارُونُ مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا } و موسى قد ألقى اللوم على أخيه عليهما السلام ، لأنه استخلفه فيهم ، فاللوم دائماً على يقع القائد و إن لم يذنب { أَلَّا تَتَّبِعَنِ ۖ أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي } حين أوصاه قائلاً { وَأَصْلِحْ وَلَا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ }. (١)
✍️ و هنا لم يتمالك موسى عليه السلام غضبه كما بينت لكم من قبل { وَأَلْقَى الْأَلْوَاحَ وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ ۚ } (٢) ، و هنا دافع هارون عليه السلام عن نفسه فقال { قَالَ يَا ابْنَ أُمَّ } و هنا لنا وقفة مع تساؤل لماذا قال يا ابن أم و لم يقل يا أخي مثلاً !!
✍️ إنّ هذا التساؤل قد أودى بكثير من الباحثين إلى تأويل الآية على غير الحق ، و ذهب بهم ظنهم بعيداً حتى أن بعضهم قد قال أنّ موسى و هارون عليهما السلام ليسا إشقاء و إنما إخوة لأم ، و لمّا أجابهم مجيب بأنّ كلاهما عليهما السلام يحملان ذات اسم الأب ، كان ردهم صادماً ، إذ قالوا لقد تزوجت مرتين من رجلين كلاهما اسمه عمران !!
✍️ و هذا فرض بعيد و رأي غير صحيح ، قد جانب القائل به الصواب تماماً ، فكلاهما عليهما السلام ابنين لذات الأب و كان اسمه عمران و لذات الأم ، و هذا من المتفق عليه في مختلف الشرائع ، فليس من داعي للتحذلق و التفلسف في أمور مسلم بها و التشكيك فيها ، أو تقصي شيء لا طائل منه.
✍️ و إنما قال له " يا ابن أم " بغرض استعطافه ، كما نقول باللغة الدارجة "نحن أبناء بطن واحدة" ، هذا هو غاية الأمر ، فقال { يَا ابْنَ أُمَّ لَا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلَا بِرَأْسِي ۖ إِنِّي خَشِيتُ أَن تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي } ، و في سورة الأعراف أكمل قوله قائلاً : { إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكَادُوا يَقْتُلُونَنِي فَلَا تُشْمِتْ بِيَ الْأَعْدَاءَ وَلَا تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ }. (٢)
✍️ و ما أنزله علينا المولى تبارك وتعالى في الأعراف هو تتمة دفاع هارون عليه السلام عن نفسه إذا برر كيف كانت ستقع الفرقة بين بني إسرائيل إذا اتخذ ضدهم تدبيراً ما ، حيث تمسكوا بالعجل حتى أنهم هددوه عليه السلام و نبيهم بالقتل ، مما سيجعلهم فرقتين تقاتل إحداهما دفاعاً عن هارون عليه السلام و الأخرى تطلب قتله.
✍️ هنا فطن موسى عليه السلام أنّ الفتنة التي وقعت في قومه أثناء غيابه عنهم ، كانت أكبر من أن تُحتوي بالقول زجراً أو أمراً بمعروف و نهياً عن منكر ، لذلك توجه إلى الشيطان الذي أضلهم فقال : " فَمَا خَطْبُكَ يَا سَامِرِيُّ ".
✍️ و اعتقد أنّ الدهشة في سؤاله عليه السلام سببها أنّ شيطاناً كهذا خرج منهم و أوقع بينهم فتنة عظيمة ، فكيف غاب عنهم فما اكتشفوا أمره و لا أحاطوا به علماً !! و كيف كان مستتراً فيهم ، فلم يلحظوه إذ خرج معهم و عبر البحر بين صفوفهم !!
✍️ و كان الرد أدهى من كل ما كان ، إذ فاق في القبح حتى الجريمة ذاتها ، فقال { قَالَ بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ } و "بصرت" تختلف عن "أبصرت" من حيث التوظيف اللغوي ، فأما أبصرت تصف الرؤية الحسيّة ، أما بصرت فتعبر عن رؤية تتجاوز الحسية ، رؤية الإدراك و الوعي و البصيرة.
✍️ { فَقَبَضْتُ قَبْضَةً } أي أخذ بملء كفه و الأصل هو تفسير النص على ظاهره ، و لا حاجة في حمل النص على غير هذا المعنى مثل الرأي القائل أنه أخذ القليل من شريعة موسى عليه السلام.
✍️ { فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِّنْ أَثَرِ الرَّسُولِ } و لفظ "الرسول" يصلح لوصف كل من جبريل و موسى عليهما السلام ، فالله ﷻ يصطفي من الملائكة رسلاً ، كما بين لنا في قوله ﷻ : { الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ } (٣) ، و من المعلوم أن جبريل عليه السلام موكل بالوحي للأنبياء و الرسل.
✍️ و كذلك موسى عليه السلام لائق به الوصف ، فهو رسول الله إلى قومه ، و أنزل عليه الكتاب و الشريعة ، فقال عنه المولى ﷻ { وَلَقَدْ فَتَنَّا قَبْلَهُمْ قَوْمَ فِرْعَوْنَ وَجَاءَهُمْ رَسُولٌ كَرِيمٌ } (٤) ، لكن الأرجح أنّ المقصود في قول السامري هو جبريل عليه السلام ، لأن الخطاب موجه إلى موسى عليه السلام ، و قد تحدث عن الرسول بصيغة الغائب إذن فالرسول المقصود ليس موسى و إنما جبريل عليهما السلام.
✍️ و على هذا الرأي السلف الصالح من صحابة رسول الله ﷺ ، و عليه جمهور المفسرين و أهل العلم إن شاء الله تعالى ، و هنا قد يسأل سائل كيف تسنى له رؤية جبريل عليه السلام !!
✍️ و جواب ذلك في الآية ذاتها ، أنه استدل على رؤيته من أثره في الأرض ، و الظاهر من المعنى أنه رأى ما أدهشه حتى ظن أن تراب الأثر أصبح غير عادياً ، و هذا يؤكد أن المراد بالرسول كان جبريل عليه السلام ، فلئن كان الرسول يقصد به موسى عليه السلام ، ما أدهش الأمر السامري ، و لما أدهشه ما رأى في آثاره أخذ منه قبضة و أكمل قوله { فَنَبَذْتُهَا } أي ألقاها في محرقة زينة القوم.
✍️ { وَكَذَٰلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي } أي وسوست و زينت ، فالنفس آمارة بالسوء إلا ما رحم ربي ، و قد زينت له نفسه أن يحل محل موسى عليه السلام بتحقيق مطالب بني إسرائيل في أن تكون لهم أصناماً يعبدونها .
✍️ { قَالَ فَاذْهَبْ } و رغم ثورة موسى عليه السلام و غضبه الشديد إلا أنّه إلتزم ضبط النفس مع هذا الشيطان ، و لعل هذا كان وحياً من الله ﷻ له ، فقد جاء في سورة الأعراف أنّ المولى ﷻ كتب على أصحاب العجل الهوان و المذلة في الدنيا و غضب عليهم فيها و في الآخرة ، فقال ﷻ { إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَذِلَّةٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۚ وَكَذَٰلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ }(٥) ، فلعل موسى عليه السلام اكتفى بما كتبه الله ﷻ عليهم من عقاب جزاء فعلتهم.
✍️ و قوله "فاذهب" لا تعني أنه أطلق سراحه بغير عقاب ، فلقد قال المولى ﷻ مثل ذلك لإبليس { قَالَ اذْهَبْ فَمَن تَبِعَكَ مِنْهُمْ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَاؤُكُمْ جَزَاءً مَّوْفُورًا } (٦) فهل معنى هذا هنا أنه أطلق سراحه بغير عقاب ، كلا قطعاً ، و إنما اذهب هنا بمعنى فارقني و اذهب عني .
✍️ و الدليل ما أكمل به موسى عليه السلام قوله ، فقال { قَالَ فَاذْهَبْ فَإِنَّ لَكَ فِي الْحَيَاةِ أَن تَقُولَ لَا مِسَاسَ ۖ وَإِنَّ لَكَ مَوْعِدًا لَّن تُخْلَفَهُ ۖ } و هذا القول يحمل بين ألفاظه وعيداً شديداً على كافة احتمالاته.
✍️{ أَن تَقُولَ لَا مِسَاسَ } و هذا حال مختلف عن حال من أصابه مس شيطاني ، و قد وصف الله ﷻ حالهم بالتخبط في القيام و المشي فقال تعالى : { الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ } (٧) ، فالمصروع قد يصرخ أو يسقط أو يتعرى ، لكنه لا يقول لا مساس.
✍️ لذلك حمله أهل التأويل على ثلاثة معاني ، الأول أنه لعنه فأراد به أن يجعله كالحيوان الأجرب لا يقربه أحد و لا يقرب أحد ، و الثاني أنّ المساس يراد به النكاح (٨) و بذلك ينقطع نسله ، و استدلوا على هذا المعنى من قوله ﷻ { وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِن نِّسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِّن قَبْلِ أَن يَتَمَاسَّا ۚ ذَٰلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ ۚ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ } (٩) ، و كذلك في قوله تبارك و تعالى : { وَإِن طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ }. (١٠)
✍️ و الرأي الثالث أن لا يمسّه أحد بآذى حتى أجل معلوم ، و لكني أركن قليلاً إلى الرأي الثاني من بينهم لما لمعناه من شواهد قرآنية ، و الله أعلى و أعلم.
✍️ { وَإِنَّ لَكَ مَوْعِدًا لَّن تُخْلَفَهُ ۖ } و فيه قولين أولهما أنه موعد الآخرة حيث يحاسبه الله ﷻ على جرمه ، و الرأي الآخر أنّ موعده الدنيا حيث يعذب عند موته ، قلت الأرجح موعد الدنيا فموعد الآخرة للخلق جميعاً و الله أعلم.
✍️ { وَانظُرْ إِلَىٰ إِلَٰهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفًا ۖ لَّنُحَرِّقَنَّهُ } و هذا ليجعل ما عمله هباءاً و يجعل ما أنفقوا حسرةً عليهم و ينقلبوا خاسرين ، { ثُمَّ لَنَنسِفَنَّهُ فِي الْيَمِّ نَسْفًا } لأن طبيعة السبيكة حال إنصهارها لن تتحمل التبريد المفاجئ في مياه البحر ، لذا سوف تتنفصل عناصرها أيا كانت و تتبعثر.
✍️ { إِنَّمَا إِلَٰهُكُمُ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ۚ } إن هذه تذكرة لكل مؤمن ، حتى لا يفتتن عن الإقرار بوحدانية الله سبحانه { وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا } ما كان و ما هو كائن و ما سيكون .
🌿 سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك و أتوب إليك 🌿
------------------------------------------------------------
📖 المراجع :-
(٢) آية ١٥٠ - سورة الأعراف
(٣) آية ١ - سورة فاطر
(٤) آية ١٧ - سورة الدخان
(٥) آية ١٥٢ - سورة الأعراف
(٦) آية ٦٣ - سورة موسى
(٧) آية ٢٧٥ - سورة البقرة
(٨) تفسير القرطبي (٤٢٠٦/١١)
(٩) آية ٣ - سورة المجادلة
(١٠) آية ٢٣٧ - سورة البقرة