الخميس، 6 فبراير 2025

آية ٣٤ - سورة ص

 🌿 ﷽ { وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ وَأَلْقَيْنَا عَلَىٰ كُرْسِيِّهِ جَسَدًا ثُمَّ أَنَابَ } 🌿

✍️ { وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ } الغالب على تأويل أهل العلم أنّ الفتنة هنا بمعنى الابتلاء .

✍️ قلت  ؛ و الله أعلى و أعلم ، لكن فارق كبير بين الفتنة و الابتلاء ، و إن كان كلاهما يمتحن الله ﷻ به قلوب عباده ، إلا أنّ الفتنة تقع بما كسبت أيدي الناس ، أمّا الابتلاء فمن أقدار الله ﷻ الماضية فينا بمشيئته و إذنه.

✍️ و في هذه الآية الكريمة ، اصطفى المولى ﷻ لفظ {فَتَنَّا} إذن المعنى المراد أنها وقعت بالنبي سليمان عليه السلام بسبب شيء من كسب يده و عمله ، و لعلّ هذا ما أثقل تفصيل هذا المعنى في صدور العلماء.

✍️ و لا غرابة في تعرض الأنبياء عليهم السلام أجمعين للفتن ، و هذا بنص كتاب الله ﷻ ، فعن تعرض موسى عليه السلام للفتن قال المولى ﷻ: { فَنَجَّيْنَاكَ مِنَ الْغَمِّ وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا فَلَبِثْتَ سِنِينَ فِي أَهْلِ مَدْيَنَ ثُمَّ جِئْتَ عَلَى قَدَرٍ يَا مُوسَى } (١) ، و عن الفتنة التي وقعت بداود عليه السلام ، قال ﷻ: { وَظَنَّ داوُدُ أَنَّما فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ راكِعًا وَأَنابَ }. (٢)

✍️ و من هذا نجد أنّ الأنبياء عليهم السلام أجمعين يتعرضون للفتن و لكن نفوسهم الطيبة تعصمهم أن يسقطوا فيها ، و إنما يتجاوزونها بفضل الله ﷻ عليهم ، و في هذه الآية المباركة يقص علينا المولى ﷻ خبر ما وقع بسليمان عليه السلام و ما تعرض له من فتنة إذ ألقي على كرسيه جسداً ، و قد بينها لنا رسول الله ﷺ ، كما أخرج البخاري في صحيحه. 

✍️ فعن أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله ﷺ : " قَالَ سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ عليهما السلام لَأَطُوفَنَّ اللَّيْلَةَ عَلَى مِائَةِ امْرَأَةٍ أَوْ تِسْعٍ وَتِسْعِينَ ، كُلُّهُنَّ يَأْتِي بِفَارِسٍ يُجَاهِدُ فِي سَبِيلِ اللهِ ، فَقَالَ لَهُ صَاحِبُهُ: إِنْ شَاءَ اللهُ ، فَلَمْ يَقُلْ إِنْ شَاءَ اللهُ ، فَلَمْ يَحْمِلْ مِنْهُنَّ إِلَّا امْرَأَةٌ وَاحِدَةٌ جَاءَتْ بِشِقِّ رَجُلٍ ، وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَوْ قَالَ إِنْ شَاءَ اللهُ لَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللهِ فُرْسَانًا أَجْمَعُونَ ". (٣)

✍️ أمّا القصة التى تروى عن استيلاء جني (أياً كان اسمه) على عرش سليمان عليه السلام و ملكه ، فهي ممّا نقل عن أهل الكتاب ، و حتى إن صحت سنداً ، لا تصح متناً لما فيها من نكارة شديدة ، و لا يجب تأويل الآية الكريمة بما جاء فيها و ذلك لعدة أسباب ؛-

أولاً أنّ التأويل الصحيح و قصته قد قصها علينا رسول الله ﷺ كما تبينا معاً ، و طالما كان ذلك ، إذن فليس من داعي للجوء إلى ما جاء في كتب و شرائع الآخربن. 

ثانياً أنّ المولى ﷻ قد سخر الجنّ لسليمان عليه السلام ، فحتى المردة منهم كان له عليهم سلطاناً ، فكيف يتجرأ أحدهم على مقامه ، و انتزاع ملكه و عرشه.

ثالثاً أنك إذا ما أمعنت النظر في الآية الكريمة و تأملت ألفاظها بدقة ، تجدها لا تنطبق أبداً على ما نقلوا عن أهل الكتاب ، و إنما تنطبق على ما قصه علينا رسول الله ﷺ.

فقال ﷻ: { وَأَلْقَيْنَا عَلَىٰ كُرْسِيِّهِ } و الكرسي يكون موضعه دون العرش و تحته ، فالعرش محل جلوس الملك و تنصيبه ، أمّا الكرسي فهو موضع قدميه ، و هذا لا ينطبق على قصة الجني ، إذ قالوا أنه استولى على ملك سليمان عليه السلام ، ممّا يستلزم إعتلائه لعرشه.

و إنما ينطبق على ما قصه علينا رسول الله ﷺ ، إذ ألقوا على الكرسي أي تحت قدميه شق المولود الذي أنجبته له امرأته ، و { جَسَدًا } أي بدناً بلا حياة (٤) ، ممّا يؤكد أنّ المقصود الوليد المشوّه ، أمّا الجني فلا ينطبق عليه لفظ جسد.

✍️ و سبب تعرض سليمان عليه السلام لهذه الفتنة قد بينه لنا رسول الله ﷺ ، أنه نسي قول إن شاء الله ، و ذلك لأن أنبياء الله عليهم السلام أجمعين ، لا يجب أن تفوتهم حتى الهفوة الصغيرة ، لأنّ أفعالهم تُسنّ عنهم فيمن تبعهم و من جاء بعدهم.

✍️ و لو أنّه عليه السلام لم يتعرض لهذه لفتنة ،  لكانت فتنة و فتن بها الرجل الذي كان معه ؛ كما جاء في الحديث ، و لسنّت عنه و تساهلنا في ذلك إتكالاً عليها .

✍️ و قد عُوتب رسول الله ﷺ عن ذات هذه الهفوة ، و تأخر عنه الوحي في إجابة الأسئلة التي بعث بها يهود المدينة إليه ، و ضاق صدره و كانت محنة شديدة ، فقال المولى ﷻ : { وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَٰلِكَ غَدًا ۝٢٣ إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ ۚ وَاذْكُر رَّبَّكَ إِذَا نَسِيتَ وَقُلْ عَسَىٰ أَن يَهْدِيَنِ رَبِّي لِأَقْرَبَ مِنْ هَٰذَا رَشَدًا }. (٥)

✍️ و الدليل الأعظم على أن الفتنة التي تعرض لها النبي سليمان عليه السلام كانت بسبب هذه الهفوة الصغيرة ، أن المولى ﷻ ختم الآية الكريمة بقوله { ثُمَّ أَنَابَ } أي رجع إلى الحق و الصواب و هذا كما ترى لا ينطبق ايضا على رواية الجني ، و إنما ينطبق على ما قصه علينا رسول الله ﷺ ، بدليل توبة سليمان عليه السلام عن هذا السهو .

🌿 سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك و أتوب إليك 🌿 

------------------------------------------------------------

📖 المراجع :-

(١) آية ٤٠ - سورة طه
(٢) آية ٢٤ - سورة ص
(٣) صحيح البخاري (٢٨١٩)
(٤)  انظر معنى جسد في شرح آية ٨ - سورة الأنبياء
(٥) آية ٢٣، ٢٤ - سورة الكهف