الجمعة، 17 مايو 2024

آية ١٧ - سورة القيامة

 🌿 ﷽ [ إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ ] 🌿

✍️ ذڪرت لڪم في تدبرنا سوياً للآية السابقة ؛ ڪيف ڪان تخوف النبي ﷺ من انفلات الوحي منه ، حتى أنّه ڪان يشقّ على نفسه و يبلغ ما يوحي إليه أثناء نزول الوحي عليه.

✍️ و جزاه الله ﷻ خيراً بحرصه الشديد هذا ، فوعده أنّه ليس عليه أن يخاف من النسيان ، فجمع الآيات و قرآنها عهد المولى ﷻ به إلى نفسه.

✍️ و الحق أقول لڪم ؛ إنّ جمع الآيات و قرآنها ، معجزة و آية من آيات الله ﷻ لمن يتدبرها ، فإذا تأملت جمع الآيات و قرآنها ، لتجدنّ أنّه تحقق على مستويين خاص و عام .

✍️ فأمّا على المستوى الخاص ، الذي حدثنا عنه ابن عباس رضي الله عنهما حيث قال ؛ أنّ النبي ﷺ ڪان إذا آتاه جبريل عليه السلام أطرق (أنصت) ، فإذا ذهب جبريل عليه السلام قرأه النبي ﷺ ڪما وعده الله تعالى (١).

✍️ و أمّا على المستوى العام ، فإنّ في الآية الڪريمة نبوءة عظيمة على ما هو واقع و ڪائن بعد ذلك ، فبعد إنتقال النبي ﷺ إلى الرفيق الأعلى ؁١١هـ ، مر القرآن الڪريم بمرحلتين [جَمْعَهُ] و ڪان هذا في عهد الصديق أبي بڪر رضي الله عنه ؁١١هـ ، [وَقُرْآنَهُ] و ڪان هذا في عهد ذا النورين عثمان بن عفان رضي الله عنه آخر ؁٢٤هـ .

✍️ و تفصيل ذلك أنّ القرآن الڪريم لم يجمع في مصحف واحد في حياة النبي ﷺ لأنّ الوحي لم ينقطع ، فما زال جبريل عليه السلام ينزل عليه ﷺ حتى وافته المنية.

✍️ و إنما في عهده ﷺ ڪُتب بأيدي ڪتبة الوحي ، و حُفظ في صدور الحفظة رضوان الله عليهم أجمعين ، و ڪان جبريل عليه السلام يراجع القرآن الڪريم ڪلّه مع رسول الله ﷺ مرة ڪل عام ، لڪن في السنة التي توفي فيها ﷺ أي  ؁١١هـ ؛ راجعه معه مرتين ، و تسمى هذه بالعرضة الأخيرة.

✍️ فعن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها قالت ؛ أنّ النبي ﷺ قبل وفاته أسر إلى ابنته فاطمة عليها السلام حديثاً ، فلما توفي ﷺ سألتها عائشة رضي الله عنهما عن ذلك فأجابتها أنّه ﷺ أخبرها : " أَنَّ جِبْرِيلَ كَانَ يُعَارِضُهُ بِالْقُرْآنِ كُلَّ سَنَةٍ مَرَّةً، وَإِنَّهُ قَدْ عَارَضَنِي بِهِ، الْعَامَ، مَرَّتَيْنِ، وَلَا أَرَى الأَجَلَ إِلَاّ قَدِ اقْتَرَبَ " (٢).

✍️ و مقابلة جبريل عليه السلام و مراجعته القرآن الڪريم مع النبي ﷺ ڪانت لترتيب الآيات و السور ، و نسخ ما شاء الله  ﷻ من الآيات و ترك و إثبات ما بقى ، و بعد وفاة النبي ﷺ ؁١١هـ وقعت الردّة في عهد أبي بڪر الصديق رضي الله عنه ، و وقعت فتنة الڪذّاب مسيلمة التميمي .

✍️ و بقيادة خالد بن الوليد رضي الله عنه انتصر الحق و قتل الشيطان مسيلمة الڪذّاب الدجال في معرڪة اليمامة ، و لڪن ڪان لذلك ثمناً باهظاً ،  فقد استشهد عدد ڪبير من حفظة ڪتاب الله تعالى في هذه المعرڪة.

✍️ هذا الأمر أرّق الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه ، و دبّ الخوف في قلبه من أن يضيع القرآن بعد موت الحفظة ؛ فأشار عمر على الصديق رضي الله عنهما بجمع القرآن الڪريم و تدوينه بين دفتبن.

✍️ بادئ الأمر رفض الصديق رضي الله عنه ، و قال : " ڪيف أفعل شيئاً لم يفعله رسول الله ﷺ !!" ، فبيّن له عمر رضي الله عنه وجهة نظره ، و قال : "هو و الله خير" ، فلمّا تدبر أبي بڪر قول عمر رضي الله عنهما وجده خيراً ، و شرح الله ﷻ صدره له ، فأرسل إلى زيد بن ثابت الأنصاري رضي الله عنه ، و قصّ عليه ما ڪان من خبر مشورة عمر رضي الله عنه و ڪلّفه بتتبع و جمع آيات القرآن الڪريم في مصحف واحد (٣)(٤).

✍️ و اختيار زيد بن ثابت رضي الله عنه تحديداً لهذه المهمة ؛ ڪان لعدة أسباب ، أولاً أنه ڪان رضي الله عنه تقياً ورعاً حافظاً لڪتاب الله تعالى ، حفظه و قرأه بين يدي رسول الله ﷺ ، ثانياً ڪان من ڪتبة الوحي ، فڪتب ڪثير من القرآن الڪريم بين يدي رسول الله ﷺ.

✍️ ثالثاً ڪان رضي الله عنه آنذاك شاباً ، عمره لا يتجاوز الثلاثة و العشرون عاماً ، لذلك فهو أقدر على هذه المهمة الشاقّة ، رابعاً علمه رضي الله عنه بخطورة الأمر ؛ زاده حرصاً و دقةً في تحري الحق ، حتى أنّه قال : " فو الله لو ڪلفوني نقل جبل من الجبال ما ڪان أثقل علي من هذا ".

✍️ و رغم ڪل هذا لم يوڪل له الصديق رضي الله عنه الأمر مطلقاً هڪذا ، إنّما لازمه هو و عمر رضي الله عنهم جميعاً في ذلك ، ڪما حدد له قواعد ضبط هذه المسألة ، فاتفقوا أن لا يُڪتفى بالمحفوظ شفاهة و إنّما يجب أن يڪون مڪتوباً.

✍️ و اتفقوا فيما هو مڪتوب أن لا تقبل صحيفة و لا رقعة إلا التي ڪتبت بين يدي رسول الله ﷺ ، لذلك ڪان يأتي الرجل بالصحيفة و معه شاهدين عدلين يشهدان أنّه ڪتبها بين يدي رسول الله ﷺ.

✍️ لذلك لما فقد زيد رضي الله عنه آية من سورة الأحزاب ، و رغم تأڪده الشديد منها و أنّه ڪان يعلمها تمام العلم و يحفظها عن النبي ﷺ ، لڪنه لم يڪتبها حتى وجد صحيفتها عند خزيمة بن ثابت (٥) ، و قبلت شهادته منفردة لأنّ رسول الله ﷺ أقرّ له من قبل أنّ شهادته بشهادتين (٦).

✍️ انظر يا أخي و تعلم ، ڪيف ڪانت تقواهم لله ﷻ ، الثلاثة رضوان الله عليهم ڪانوا يحفظون القرآن الڪريم ، و رغم ذلك لم يعتمدوا على حفظهم مجتمعين أو متفرقين بل تحروا الدقة و الحق لأقصى حد ، بالله عليك من سواهم ڪان يقدر على هذا !! 

✍️ لقد أقدموا و حملوا على عاتقهم مسئولية عظيمة و لڪنهم و الله هم أهلها رضوان الله عليهم أجمعين ؛ لذلك لا يقرأ أحد حتى زماننا هذا شيئاً في ڪتاب الله تعالى إلا و لهم نصيب و أجر عظيم في ذلك ، فقد قال رسول الله ﷺ قال : " مَن سَنَّ في الإسْلَامِ سُنَّةً حَسَنَةً، فَلَهُ أَجْرُهَا وَأَجْرُ مَن عَمِلَ بهَا بَعْدَهُ، مِن غيرِ أَنْ يَنْقُصَ مِن أُجُورِهِمْ شَيءٌ "(٧).

✍️ و اجمع الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين على هذا المصحف و بقي محفوظاً عند أبي بڪر الصديق رضي الله عنه ، فلما توفاه الله حفظه عمر رضي الله عنه ، فلما طُعن عهد بحفظه إلى أم المؤمنين حفصة (ابنته) رضي الله عنهما ، و ذلك أنّه لم يڪن قد بويع خليفة له و أمير للمؤمنين بعد حتى يعهد له بذلك ، و هڪذا ڪان [جَمْعَهُ] .

✍️ فلمّا ڪان عهد ذا النورين عثمان بن عفان رضي الله عنه وقعت فتنة بين القراء آخر ؁٢٤هـ ، فتلاوة القرآن الڪريم تأخذ بالتلقي ، و مع اتساع رقعة الدولة الإسلامية بدأ أهل الأمصار أخذ القرآن من المصاحف بغير تلقي ، فاحتلفوا في ألفاظه و قرائتها باختلاف لهجاتهم و لحونها .

✍️ فلمّا رجع حذيفة بن اليمان رضي الله عنه إلى المدينة من فتح أذربيجان و أرمينيا ، فزع إلى عثمان رضي الله عنه قائلاً : " يا أميرَ المؤمنينَ ، أدرِكْ هذِهِ الأمَّةَ قبلَ أن يختلِفوا في الڪتابِ ڪما اختلفتِ اليَهودُ والنَّصارَى " فڪان أول مصدر اعتمد عليه عثمان رضي الله عنه هو المصحف الذي جمع في عهد أبي بڪر الصديق رضي الله عنه ، فأرسل إلى حفصة حتى ترسله له فيستنسخه ثم يرده إليها (٨).

✍️ أما القول بأنه رضي الله عنه أعاد تتبع و جمع الآيات من الصحف و الرقع و غيرها ، فهو قول لم تثبت صحته و إن ثبت ذلك لن يڪون إلا ڪشاهداً على ما جاء في مصحف أبي بڪر (٩) .

✍️ و أمر أمير المؤمنين زيد بن ثابت رضي الله عنهما بتولي نسخ المصحف و رغم أن زيداً رضي الله عنه ڪان القائم على جمع القرآن الڪريم في عهد أبي بكر رضي الله عنهما ، إلا أنّ عثمان رضي الله عنه أوڪل هذا الأمر لثلاثة معه من الرجال العدول ؛ هم سعيد بن العاص و عبدالله بن الزبير و عبدالرحمن بن الحارث بن هشام .

✍️ و ذلك لسببين ؛ أولاً زيادة في التدقيق و الحرص ، و ثانياً حتى يضبط ما وقع خلاف في لفظه على لسان قريش ، لأنّ النبي ﷺ ڪان قرشياً ، أمّا زيد بن ثابت رضي الله عنه ڪان من الأنصار .

✍️ فاختار له الثلاثة رهط القرشيين الذين ذڪرتهم لڪم ، و اوصاهم في حالة الخلاف بإثبات اللفظ على لسان قريش ، لذلك لما اختلفوا في نسخ آية التابوت في سورة البقرة ، أن تڪتب [التابوه] أو [التابوت] ، أقر عثمان رضي الله عنه على ڪتابتها [التابوت] على لسان قريش (١٠).

✍️ فلما اڪتمل نسخه و اجمع الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين عليه (١١) ، رد عثمان مصحف أبي بڪر إلى أم المؤمنين حفصة رضي الله عنهم جميعاً ، و أمر بحرق أي نسخة أخرى للقرآن ، و أما المصحف العثماني فقد نسخ آلاف النسخ ، و أرسلوا هذه النسخ إلى جميع الأقطار ، و تلقاها جميع أهل الأمصار بالقبول ، و هڪذا ڪان [قُرْآنَهُ] .

✍️ أمّا السؤال الشائع لماذا أحرق عثمان رضي الله عنه هذه المصاحف ، فتالله إنّه سؤال لا يسأله إلا مبنغي الفتن ، و يرد على ذلك ببساطة أنّ عثمان رضي الله عنه قام بهذا العمل العظيم لحماية الأمة من الخلاف و يستأصل من بينهم النزاع ، فهل بعد ذلك ڪله يترك المصاحف التي وقع الخلاف بينهم في قرائتها ، قطعاً لا.

✍️ و لذات السبب حرق مروان بن الحڪم المصحف الذي جمعه أبي بڪر رضي الله عنه بعد وفاة أم المؤمنين حفصة رضي الله عنها ، مخافة أن يڪون  فيه من الألفاظ  ما لم يضبط املائه على لسان قريش ، فيتجدد الخلاف من جديد.

🌿 سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت ، أستغفرك و أتوب إليك 🌿 

------------------------------------------------------------
📖 المراجع :-
(١) متفق عليه ، اللؤلؤ والمرجان فيما اتفق الشيخان - رقم ٢٥٧
(٢) متفق عليه ، اللؤلؤ والمرجان فيما اتفق الشيخان - رقم ١٥٩٣
(٣) صحيح البخاري - رقم ٤٦٧٩
(٤) قال ابن منظور في اللسان (١٨٦/٩) : و المصحف الجامع للصحف المكتوبة بين الدفتين كأنه أصحف.
(٥) صحيح البخاري - رقم ٢٨٠٧
(٦) صحيح أبي داود لشعيب الأرناؤوط - رقم ٣٦.٧ ، " أنَّ النَّبيَّ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ ، ابتاعَ فَرسًا مِن أعرابيٍّ، فاستَتبعَهُ النَّبيُّ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ ليَقضيَهُ ثمنَ فرسِهِ، فأسرَعَ رسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ المشيَ وأبطأَ الأعرابيُّ، فطفِقَ رجالٌ يعتَرِضونَ الأَعرابيَّ، فيُساومونَهُ بالفَرسِ ولا يشعُرونَ أنَّ النَّبيَّ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ ابتاعَهُ، فَنادى الأَعرابيُّ رسولَ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ، فَقالَ: إن كُنتَ مُبتاعًا هذا الفَرَسِ وإلَّا بعتُهُ ؟ فقامَ النَّبيُّ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ حينَ سَمعَ نداءَ الأعرابيِّ، فقالَ: أو لَيسَ قدِ ابتعتُهُ منكَ ؟ فقالَ الْأعرابيُّ: لا، واللَّهِ ما بعتُكَهُ، فَقالَ النَّبيُّ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ: بلَى، قدِ ابتعتُهُ مِنكَ فطفقَ الأعرابيُّ، يقولُ هلُمَّ شَهيدًا، فَقالَ خُزَيْمةُ بنُ ثابتٍ: أَنا أشهدُ أنَّكَ قَد بايعتَهُ، فَأقبلَ النَّبيُّ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ على خُزَيْمةَ فقالَ: بِمَ تشهَدُ ؟، فقالَ: بتَصديقِكَ يا رَسولَ اللَّهِ فجَعلَ رسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ شَهادةَ خُزَيْمةَ بشَهادةِ رَجُلَيْنِ " 
و كذلك صححه الزرقاني في مختصر المقاصد (ص٥٦٣) ، و صححه ابن الملقن في البدر المنير (٤٦٢/٧) ، و صححه الألباني في إراوء الإغليل (١٢٧/٥) ، و الوادعي في الصحيح المسند (١٥١٢) ، و أحمد شاكر في عمدة التفسير (٣٤١/١) و قال : إسناده صحيح كالشمس.
(٧) صحيح مسلم - رقم ١٠١٧
(٨) صحيح البخاري - رقم ٤٩٨٧
(٩) المرشد الوجيز لأبي شامة (٥٨)
(١٠) كتاب المصاحف لابن أبي داود (ص٢٦) - فتح الباري لابن حجر (٦٣٥/٨)
(١١) فضائل القرآن لأبي عبيد (٢٨٤) ، تاريخ المدينة لابن شبة (٣/ ١٠٠٤) ، و صححه الحافظ في "الفتح" (١٨/٩).

الاثنين، 13 مايو 2024

آية ١٦ - سورة القيامة

 🌿 ﷽ [ لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ ] 🌿

✍️ أي يا محمد (ﷺ) ؛ إذا نزل عليك جبريل عليه السلام بالقرآن و أثناء نزول الوحي ، لا تسرع بتحريك لسانك و شفتيك و تعجل في إبلاغ ما يوحى إليك و تلاوة القرآن الڪريم.

✍️ و عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله [ لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ  ] أنَّه قال : " كانَ يُحَرِّكُ شَفَتَيْهِ إذَا أُنْزِلَ عليه، فقِيلَ له: {لَا تُحَرِّكْ به لِسَانَكَ} يَخْشَى أنْ يَنْفَلِتَ منه، {إنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ} وقُرْآنَهُ، أنْ نَجْمعهُ في صَدْرِكَ وقُرْآنَهُ، أنْ تَقْرَأَهُ {فَإِذَا قَرَأْنَاهُ} يقولُ: أُنْزِلَ عليه: {فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ ثُمَّ إنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ} أنْ نُبَيِّنَهُ علَى لِسَانِكَ." (١).

✍️ و " يخشى أن ينفلت منه " أي يخشى أن يضيع و يفوت (٢) ، لذلك ڪان  يبلغ القرآن الڪريم أثناء نزول الوحي عليه ، برغم ما في ذلك مشقة شديدة عليه ، لأن تلقي الوحي أساساً أمر شاق جداً (٣).

✍️ فما بالك أنّ النبي ﷺ ڪان يحاول جاهداً أن يبلغ من حوله القرآن الڪريم أثناء ذلك ، و ڪان هذا من شدة حرصه ﷺ على إبلاغ ڪلام الله ﷻ للناس و رسالاته .

⚡ و هنا يسأل سائل لماذا ڪان النبي ﷺ يخشى أن ينسى ، و هو يعلم يقيناً أن القرآن الڪريم محفوظ بإذن الله تعالى!؟ 

⚡ أو يسأل ڪيف نجمع بين هذه الآية الڪريمة و بين قوله تعالى [ إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ ] (٤)

✍️ و يرد على ذلك أنّ أولاً سورة القيامة و كذلك سورة طه التي ذكرت فيها آية مشابهة لهذه الآية (٥)، سابقتان في النزول على سورة الحجر (٦).

✍️ و عسى أنّ شدة حرص رسول الله ﷺ على إبلاغ القرآن الڪريم ، و خشيته من أن ينفلت منه رغم مشقة ذلك عليه ، هي سبب أن جزى الله ﷻ هذه الأمة خيراً و أحسن إليها بحفظ القرآن الڪريم.

✍️ و ثانياً أن خشية النبي ﷺ من النسيان هي في الأصل امتثالاً و طاعة لله ﷻ ، لأن المولى ﷻ حذره من النسيان في قوله تعالى [ سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنسَىٰ {٦} إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ ۚ إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ وَمَا يَخْفَىٰ ] (٧).

✍️ و الحق أقول لڪم أنّ تعجل النبي ﷺ في إبلاغ القرآن الڪريم ، لا أجده إلا مرضاة لله تعالى و امتثالاً لأمره ، فقد أمر المولى ﷻ رسوله ﷺ بإبلاغ ما يوحى إليه للناس ، فقال تعالى :يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِين ] (٨) ، و حذره من النسيان ڪما أسلفت الذڪر لڪم.

✍️ لذا كان يعجل رسول الله ﷺ بطاعة الأمر مرضاة لله تعالى ، و هذه صفة الأنبياء عليهم السلام أجمعين ، فحڪى لنا المولى ﷻ عن موسى عليه السلام أنه عحل من قبل للقائه ؛   [ قَالَ هُمْ أُولَاءِ عَلَىٰ أَثَرِي وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَىٰ ] (٩).

✍️ و على ذلك فإنّ النهي عن ذلك في الآية التي هي محل بحثنا ، ڪان رحمة من المولى ﷻ برسوله ﷺ ، من حيث أنّه لا يرضى له المشقة ؛ [ مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى ](١٠).

✍️ و ڪذلك تثبيتاً لفؤاده ﷺ و لكي يطمئن أنّ القرآن الڪريم محفوظ بإذن ربه ، و أنه ﷺ سيتم إبلاغ رسالته  و تأدية أمانته بعون ربه.

🌿 سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت ، أستغفرك و أتوب إليك 🌿 

-----------------------------------------------------------
📖 المراجع :-
(١) متفق عليه ، اللؤلؤ والمرجان فيما اتفق الشيخان - رقم ٢٥٧
(٢) صحيح البخاري بحاشية السهارنفوري - ص ١٣٤
(٣) انظر تفسير آية ٥ - سورة المزمل
(٤) آبة ٩ - سورة الحجر
(٥) [ فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ ۗ وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِن قَبْلِ أَن يُقْضَىٰ إِلَيْكَ وَحْيُهُ ۖ وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْمًا ] آية ٢٠ - سورة طه.
(٦) مقال ترتيب نزول القرآن الكريم / موقع إسلام ويب - رقم ٣٤٤٧٦٤
(٧) انظر تفسير آية ٦ ، ٧ - سورة الأعلى
(٨) آية ٦٧ - سورة المائدة
(٩) آية رقم ٨٤ - سورة طه
(٩) آية رقم ٢ - سورة طه

آية ٦ ، ٧ - سورة الأعلى

 🌿 ﷽ [ سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنسَىٰ {٦} إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ ۚ إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ وَمَا يَخْفَىٰ ] 🌿

✍️ [ سَنُقْرِئُكَ ] أي سنعلمك القرآن ؛ فتحفظه و تقرأه و تتلوه على الناس ، و القراءة ڪما بينت لڪم من قبل (١) ، لا يشترط أن تڪون من صحف ، ففي هذا المحل يراد بها التلاوة على مسامع الناس.

✍️ و الحق أقول لڪم إن حفظ النبي ﷺ للقرآن الڪريم في حد ذاته معجزة ، لأنّه ڪان يحفظ ﷺ ما يأتيه به الوحي من أول مرة ، فعن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله [ فَإذا قَرَأْناهُ فاتَّبِعْ قُرْآنَهُ] (القيامة: ١٨) ؛ أنّه قال : " أنْزَلْناهُ فاسْتَمِعْ له [ ثُمَّ إنَّ عليْنا بَيانَهُ ] (القيامة: ١٩) أنْ نُبَيِّنَهُ بلِسانِكَ فَكانَ إذا أتاهُ جِبْرِيلُ أطْرَقَ فإذا ذَهَبَ قَرَأَهُ كما وعَدَهُ اللَّهُ "(٢).

✍️ [ فَلَا تَنسَىٰ ] و هنا قد يسأل سائل ؛ هل هذا النهي من أوامر الڪينونة أي من أوامر التي تقضى بـ "ڪُن فيڪُون" !؟ 

✍️ و يرد على ذلك بأنّ النهي في الآية الكريمة ليس من أوامر الكينونة ، و دليل ذلك أنّ النبي ﷺ قال : " ولَكِنْ إنَّما أنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ، أنْسَى كما تَنْسَوْنَ " (٣)  و كذلك روي عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها أن النبي ﷺ سمع رجلاً يقرأ من الليل فقال : " رحِمَه اللهُ لقد أذكرني كذا وكذا آيةً كنتُ أسقطتُها من سورةِ كذا وكذا " (٤).

✍️ و من ناحية أخرى فإنّ سورة الأعلى سابقة في النزول على سورة القيامة ، فلو كان [فَلَا تَنسَىٰ] أمراً كينوني لعلم بذلك رسول الله ﷺ ، و لو كان رسول الله ﷺ يعلم ذلك من الآية الڪريمة ؛ لما تخوف من النسيان و عجل بتلاوة ما يوحى إليه على مشقة في أثناء نزول الوحي ، كما ذكر في لنا في سورة القيامة في قوله تعالى : [ لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ] (٥).

✍️ إنما النهي في هذا المحل تكليف من الله ﷻ للنبي ﷺ ، و التكاليف تختلف عن الأوامر الكينونة القدرية ، من حيث أنّها تعتمد على حرية إرادة العبد و إختياره بين الطاعة و المعصية لذلك يحاسب عليها و يجزى بها ، أمّا الأوامر الكينونة فهي واقعة و نافذة لا محال .

✍️ و تأمل هذا المثال لتبين الأمر أكثر :-

🌿 قال تعالى [ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ ] (٦) ، هذه مجموعة من التكاليف ، مِن بني إسرائيل مَنْ اختار الطاعة و كثير منهم عصوا و صدفوا عنها.

🌿 قال تعالى [ إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ] (٧) فهذا أمر كينوني وقع بمشيئة الله تعالى ، فهل كان لمريم عليها السلام خيار من هذا الأمر ، قطعاً لا.

✍️ و التكليف هنا يزيد النبي ﷺ شرفاً ، خاصة بعد أن بتنا تعلم أنّ حفظه  لما ينزل عليه من أول مرة ، كان من اجتهاده ، مرضاة لربه ﷻ و حرصاً على أمر هذا الدين ، لكن لو كان أمر كينوني و مقدر ، ما كان له فيه من اجتهاد أو رفعة لمنزلته ﷺ.

 ✍️ [ إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ ۚ إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ وَمَا يَخْفَىٰ ] و النسيان نوعين ؛ النوع الأول من فطرة البشر و جبلتهم ، و هذا ما بينت لكم في الفقرة السابقة و كان النبي ﷺ يجتهد فيه ، حتى أنّه كان ﷺ يبلغ من حوله القرآن أثناء نزول الوحي عليه رغم أنه كان يشاقّ في ذلك (٥).

✍️ و النوع الثاني الذي يوضحه لنا الاستثناء في هذه الآية الڪريمة ، [ إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ ۚ ] أي ما شاء المولى أن ينسخ من الآيات (٨) ، فهذا استثناء من [فَلَا تَنسَىٰ]  الذي كلف به المولى ﷻ رسوله ﷺ ، لأن ما شاء الله أن ينسخ و ينسى واقع ذلك لا محال.

✍️ [ إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ وَمَا يَخْفَىٰ ] سبحانه ، عالم الغيب والشهادة ، يعلم الجهر من القول و يعلم السر منه و ما أخفى من ذلك ، و قد بينت لكم ذلك بتفصيل أكثر من قبل (٩).

🌿 سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت ، أستغفرك و أتوب إليك 🌿 

------------------------------------------------------------

📖 المراجع :-
(١) انظر تفسير آية ١ - سورة العلق
(٢) متفق عليه ، اللؤلؤ والمرجان فيما اتفق الشيخان - رقم ٢٥٧
(٣) صحيح البخاري - رقم ٤٠١ ، و أخرجه مسلم في صحيحه برقم ٥٧٢ و لكن باختلاف يسير.
(٤) صحيح البخاري - رقم ٥٠٤٢ ، و أخرجه مسلم في صحيحه برقم ٧٨٨ و لكن باختلاف يسير.
(٥) انظر تفسير آية ١٦ - سورة القيامة 
(٦) آية ٤٣ - سورة البقرة 
(٧)  آية ٥٩ - سورة آل عمران 
(٨) انظر تفسير آية ١٠٦ - سورة البقرة 
(٩) انظر تفسير آية ٧ - سورة طه

آية ١٠٦ - سورة البقرة

 🌿 ﷽ [ ۞ مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا ۗ أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ] 🌿

✍️ [ مَا ] أداة شرط جازمة بمعنى إذا [ نَنسَخْ ] أي نمحُ و نزيل الحكم و التكليف المنزل فيها ، و تبقى الآية و تتلى كما هي ، مثل قول المولى ﷻ: [ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً ذَلِكَ خَيْرٌ لَكُمْ وَأَطْهَرُ فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ] (١).

✍️ و قد نسخت بقوله تعالى [ أَأَشْفَقْتُمْ أَن تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَاتٍ ۚ فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتَابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ ۚ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ ] (٢).

✍️ [ أَوْ نُنسِهَا ] أي نمحُ الآية ذاتها ، فتُنسى و تنزع من صدور الحفاظ ، و منها ما ينسى حكماً و تلاوةً ، و منها ما ينسى تلاوةً فقط.

✍️ و نذكر في هذا ما روي عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها حيث قالت : " كانَ فِيما أُنْزِلَ مِنَ القُرْآنِ: عَشْرُ رَضَعَاتٍ مَعْلُومَاتٍ يُحَرِّمْنَ، ثُمَّ نُسِخْنَ بخَمْسٍ مَعْلُومَاتٍ، فَتُوُفِّيَ رَسولُ اللهِ ﷺ وَهُنَّ فِيما يُقْرَأُ مِنَ القُرْآنِ " (٣) أي يقرأ في القرآن من جهة بعض الناس ممن لم يبلغه نسخها تلاوةً.

✍️ و يوضح لنا الحديث السالف الذكر أنه كان مما يتلى من القرآن ، أنّ عشر رضعات معلومات يحرمن الزواج ، ثم نسخن بخمس معلومات ، و التحريم بعشر رضعات نسخت آياته ، فنسيت تلاوةً و حكماً ، أمّا التحريم بخمس رضعات نسخت تلاوته فقط و بقي الحكم (٤).

✍️ [ نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا ۗ ] و هذه هي الحكمة من النسخ ، فالحكمة من نسخ الآيات و الفائدة العظيمة الحاصلة منه ، هو إسقاط التكليف عن العباد و الحكم المنزل فيها أو استبداله بغيره.

✍️فيبدلهم المولى ﷻ التكليف الأصعب بالتكليف الأخف ، و يدرج لهم في النهي ، كما كان التدرج في تحريم الخمر (٥) فجعله أطوار ، فهذا هو الأحرى برحمة الله ﷻ بعباده ، و تفضلاً منه ﷻ للتخفيف على عباده ، و بذلك يحثهم به على حمده و شكره.

✍️و في هذا امتحان لقلوب العباد ، فأمّا المؤمنون يجزوا بإيمانهم و طاعتهم لربهم و تقام لهم الحجة يوم القيامة ، و أما المنافقون و الكافرون فيرتدوا على أعقابهم خاسرين ، فتكون حجة تقام عليهم ، فيحاسبوا بها يوم الدين.

⚡و مما قد يلقي الشيطان إذا ما تُتلى عليك هذه الآية الكريمة (٦) تساؤلاً ؛ هو ، أليست الآيات التي نسخت و محيت هي أيضاً من كلام الله تعالى ، و طالما أنّ الله ﷻ لا يقضي إلا بالحق و الخير ، إذن فحتى الآيات التي نسخت كانت حقاً خيراً ، و في هذه الآية الڪريمة قال تعالى [ نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا ] ، فكيف إذن سيأتي الله تعالى بأخير من الخير !!؟

✍️ لا تندهش من أنّ كل هذا قد جال بخاطري ، فوالله إني قد سمعته من شيطان من شياطين الإنس من قبل ، و من بعد الاستعاذة بالله السميع العليم من همزات الشياطين و وسوستهم ، أرد على ذلك بتلاوة باقي الآية ذاتها ؛ ﷽ [ أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ].

✍️ إنّ الله ﷻ لا يعجزه شيء في الأرض و لا في السماء و هو على كل شيء قدير ، فتعالى الله الملك الحق ، سبحانه.

🌿 سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت ، أستغفرك و أتوب إليك 🌿 

-----------------------------------------------------------
📖 المراجع :-
(١) آية ١٢ - سورة المجادلة
(٢) آية ١٣ - سورة المجادلة
(٣) صحيح مسلم - رقم ١٤٥٢
(٤) شرح صحيح مسلم للنووري ص ٢٧
(٥) دروس ومحاضرات الشيخ ابن باز/ التعليقات على ندوات الجامع الكبير / مراحل تحريم الخمر 
(٦) انظر تفسير آية ٥٢ - سورة الحج

آية ٥٢ - سورة الحج

 🌿 ﷽ [ وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ] 🌿

✍️ قبل أن نتدبر سوياً هذه الآية الڪريمة ، أود أولاً الرد على شبهة قصة الغرانيق الشائعة بين ڪثير من الناس و في أغلب ڪتب التفاسير .

✍️ و القول الأعدل في هذا الخبر أنه لا يصح من الأساس ، و لن أذڪر في مقالي هذا حتى مفاد هذه القصة ،  حتى لا أعڪر صفو قلوبكم و سأڪتفي بالرد عليها و نقدها من الناحيتين ؛ النقل و العقل.

✍️ فمن ناحية النقل ستجد أن أحسن رواياتها سنداً مرسلاً ؛ أي منقطع الاتصال ، يرويه أحد التابعين عن النبي ﷺ ، و من المعلوم أن الأحاديث المرسلة في حڪم الضعيفة و لا يأخذ و لا يعمل و لا يحتج بها ، و بقية روايات هذه القصة ستجدها ما بين ضعيفة و موضوعة و منكرة (١).

✍️ و أمّا من ناحية العقل فأسباب بطلان هذه القصة ڪثيرة ، أولاً تأمل ڪيف يفتتح المولى ﷻ سورة النجم ؛ ﷽ [ وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى {٣} إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى] (٢) ، أيعقل أن في نفس هذه السورة يلقي الشيطان على لسان النبي ﷺ ڪلاماً كالذي يذڪرونه في هذه القصة !!

✍️ ثانياً يستحيل أن تتدخل الشياطين في وحي القرآن الڪريم للنبي ﷺ ، فقال المولى ﷻ : [ وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ {٢١٠} وَمَا يَنْبَغِي لَهُمْ وَمَا يَسْتَطِيعُونَ {٢١١} إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ ] (٣) و انظر حتى استراق السمع هم معزولون عنه ، فهل يملوا ڪلاماً علي لسان النبي ﷺ.

✍️ ثالثاً سورة النجم من أوائل الوحي الذي أنزل على رسول الله ﷺ ، و سورة الحج من آخره ، فهل يعقل أن يفسر لنا الوحي حادثة وقعت أول الرسالة و البعثة الشريفة في آخرها.

✍️ و أما عن تدبر الآية المبارڪة ؛ فنبدأ سوياً ، ﷽ [ وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ ] ، قال ابن عباس رضي الله عنهما "تَمَنَّى" أي حدّث (٤) ، و ذهب جمهور المفسرون أن "تَمَنَّى" بمعنى تلا و قرأ .

✍️ قلت و ڪلاهما صحيح إن شاء الله ﷻ و يستقيم به المعنى ، و ذلك أنّ الأنبياء عليهم السلام معصومين و ڪلامهم وحي من الله تعالى ، و إن ڪان الأمر يختلف بالنسبة القرآن الڪريم ، من حيث أنّه لفظاً و نظماً من لدن الحڪيم الخبير ، أما الڪتب الأخرى لم تنزل لفظاً و إنّما مضموناً و معنى(٥) .

✍️ و على هذا يڪون المعنى المراد ؛ أن ما من رسول و لا نبي ؛ عليهم السلام أجمعين ، إلا إذا حدّث قومه أو تلا عليهم ڪلام الله ﷻ ، إلا ألقى الشيطان وسوسته في هذا الحديث.

⚡ و لڪن أين يلقي الشيطان وسوسته !؟ فهل محل ذلك قلب المتحدث أم صدور المستمعين !؟

✍️ قطعاً في صدور المستمعين ، فما من فائدة تُرجى من الوسوسة لنبي معصوم ؛ عليهم السلام أجمعين ، و ما يؤڪد ذلك أنّ الذين ڪفروا ڪانوا يجادلون بالباطل الرسل ؛ عليهم السلام أجمعين ، و ڪانوا يتفننون في تڪذيبهم ، قال تعالى [ وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ ۚ وَيُجَادِلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ ۖ وَاتَّخَذُوا آيَاتِي وَمَا أُنذِرُوا هُزُوًا ] (٦).

✍️ فتارة يقولون ساحر و تارة شاعر و تارة ڪاهن و تارة مجنون ، و يتربصون متشابهات الآيات ابتغاء إثارة الفتن ، قال تعالى [ يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ ] (٧) ، و قد قصصت عليكم في مقال سابق عن صبيغ بن عسل و ڪيف شڪا منه الناس في ذلك إلى الفاروق رضي الله عنه (٨).

✍️ لذلك تجدهم يسألون عن أشياء لا تخطر لك أنت على بال ، و هذا أڪبر دليل أنها من وساوس المردة الشياطين ، قال تعالى [ وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ ] (٩).

✍️ و لا تبتئس بما يقولون و يفعلون ، قال تعالى [ ... وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ ] (١٠) ، فتجد دائماً أنّ المولى ﷻ يبعث من يحجّهم و يرد على هذه الأباطيل و الأكاذيب بإذن الله تعالى و يبين الحق للناس ، من الأنبياء و المرسلين عليهم السلام أجمعين ، ثم ورثهم من جاء من بعدهم العلماء و الصالحين.

✍️ [ فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ] أي ينسخ و يمحو ما يلقى الشيطان من وساوس في صدور العباد و يحڪم آياته ، لذلك و بالرغم من ڪل افترائاتهم هذه ، يبقى وعد الله ﷻ حق ، إذ قال [ إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ ] (١١).

🌿 سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت ، أستغفرك و أتوب إليك 🌿 

------------------------------------------------------------

📖 المراجع :- 

(١) قال القسطلاني في إرشاد الساري (٢٤٣/٧) : رواها عدة وكلها مراسيل وقد طعن فيها غير واحد من الأئمة حتى ، قال ابن إسحاق وقد سئل عنها : هي من وضع الزنادقة .
و قال البيهقي : غير ثابتة نقلًا و رواتها مطعونون ، و في المواهب اللدنية ( ١٥٠/١) قال : فيه الكلبي و هو متروك.
و قال ابن خزيمة في فتح القدير (٦٥٤/٣) : من وضع الزنادقة.
و قال الشوكاني في فتح القدير (٦٥٦/٣) : الروايات في هذا الباب إما مرسلة أو منقطعة لا تقوم الحجة بشيء منها ، و مرة قال ( ٦٥٣/٣) : لم يصح شيء من هذا ولا ثبت بوجه من الوجوه.
و ضعفه القرطبي في تفسيره برقم (٤٢٩/١٤) ، و كذلك ضعفه الزيلعي في تخريج الكشاف رقم (٣٩١/٢) ، و قال : أجاد القاضي عياض في تضعيفه
و ضعفه الألباني في نصب المجانيق برقم ( ١٥ ، ٢٦ ، ٢٧ ، ٣٢) ، قال : إسناده ضعيف منقطع مرسل ، و مرة قال : ضعيف جداً بل موضوع.
و أيضاً ضعفه العيني في عمدة القاري رقم (١٤٥/٧) و قال : فيه سلسلة ضعفاء.
و أخرجه الشنقيطي في رحلة الحج ( ص ١٢٤ ، ١٢٥ ) و قال : فيه الكلبي وهو ضعيف جدا بل متروك ، و مرة قال : لم تثبت من طريق متصلة ، و قال في دفع إيهام الاضطراب (ص ٢٢٥) : قصة الغرانيق لم تثبت.
(٢) آية ٣ ، ٤ - سورة النجم
(٣) آية ٢١٠ : ٢١٢ - سورة الشعراء
(٤) صحيح البخاري (٢٦٠/٦)
(٥) مقال نشر في ١٨ شعبان ؁١٤٤٥ هـ ، بعنوان القصص الحق / المقالات/ مدونة الشيخ أبو صلاح
(٦) آية ٥٦ - سورة الكهف 
(٧) آية ٨ - سورة الصف
(٨) انظر تفسير آية ٢٨ - سورة الفتح
(١٠) آية ١٤٣ - سورة البقرة 
(١١) آية ٩ - سورة الحجر

الجمعة، 10 مايو 2024

آية ٥ - سورة المزمل

 🌿 ﷽ [ إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا ] 🌿

✍️ [ إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ] أي سننزل عليك قولاً و هو القرآن الڪريم ، [ ثَقِيلًا ] و في تأويلها لأهل التفسير عدّة أقوال ؛ فمنهم من قال ثقيلاً في الميزان يوم القيامة ، و منهم من قال ثقيلاً أي عظيماً و مهيباً فهو أعظم كتاب أنزل من عند الله ﷻ.

✍️ و أيضاً منهم من قال ثقيلاً لما نزل فيه من تڪاليف و أحڪام و نواهي ، و منهم من قال ثقيلاً ؛ نظراً للمشقة التي ڪان يجدها النبي ﷺ عند تلقي الوحي.

✍️ و جميع الآراء صحيحة إن شاء الله و يستقيم بها المعنى ، إلا أنني أرڪن للرأي الأخير قليلاً ، لأن الآية في الأساس تحدثنا عن إلقاء القول و نزول الوحي على النبي ﷺ ؛ [ سَنُلْقِي عَلَيْكَ ].

✍️ و لا يخفى على أحد ؛ ڪم المشقة التي ڪان يلاقيها النبي ﷺ أثناء تلقيه للوحي ، فعن عبادة بن الصامت رضي الله عنه ، أنّه قال : " كانَ نَبِيُّ اللهِ  إذَا أُنْزِلَ عليه الوَحْيُ كُرِبَ لِذلكَ وَتَرَبَّدَ وَجْهُهُ."(١) أي أصبح منهكاً و تغير لون وجهه فصار كلون الرماد.

✍️ و عن أم المؤمنين عائشة بنت أبي بڪر رضي الله عنهما ، أنها قالت : " أَنَّ الْحارثَ بْنَ هِشَامٍ رضي الله عنه، سَأَلَ رَسُولَ اللهِ ﷺ ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ كَيْفَ يَأْتِيكَ الْوَحْيُ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : أَحْيَانًا يَأْتِينِي مِثْلَ صَلْصَلَةِ الْجَرَسِ، وَهُوَ أَشَدُّهُ عَلَيَّ، فَيُفْصَمُ عَنِّي وَقَدْ وَعَيْتُ عَنْهُ مَا قَالَ وَأَحْيَانًا يَتَمَثَّلُ لِي الْمَلَكُ رَجُلاً فَيُكَلِّمُنِي فَأَعِي مَا يَقُولُ قَالَتْ عَائِشَةَ: وَلَقَدْ رَأَيْتُهُ يَنْزِلُ عَلَيْهِ الْوَحْيُ فِي الْيَوْمِ الشَّدِيدِ الْبَرْدِ فَيَفْصِمُ عَنْهُ، وَإِنَّ جَبِينَهُ لَيَتَفَصَّدُ عَرَقًا "(٢).

✍️ و صلصلة الجرس تشبيه يراد منه التعبير عن مدى شدة نزول الوحي عليه ﷺ ، و ڪأنّه حديد يقرع و يضرب بعضه بعضاً ، و لا تعارض بين هذا التشبيه و بين قول النبي ﷺ " لا تَصْحَبُ المَلائِكَةُ رُفْقَةً فيها كَلْبٌ ولا جَرَسٌ " (٣) ، لأن الحديث الأول ڪناية عن شدة الصوت و الثاني يتحدث عن الجرس الحقيقي بعينه.

✍️ أما ما روي عن الفاروق رضي الله عنه ، أنّه كان رسولُ اللهِ ﷺ إذا نزَلَ علَيهِ الوحيُ ، يُسمَعُ عند وجهِه كدويِّ النَّحلِ ، فهذا خبر لم تثبت صحته (٤).

✍️ و حتى إن صح فإن هذا لا يتعارض مع وصف النبي ﷺ لنزول الوحي عليه بصلصلة الجرس ، لأن صلصلة الجرس هذا بالنسبة للنبي ﷺ ، أما دوي النحل إن صح فيكون هذا بالنسبة لمن حوله. 

✍️ عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله {لا تُحَرِّكْ به لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بهِ} [القيامة: ١٦]، قالَ: " كانَ النبيُّ  يُعالِجُ مِنَ التَّنْزِيلِ شِدَّةً كانَ يُحَرِّكُ شَفَتَيْهِ، فقالَ لي ابنُ عبَّاسٍ: أنا أُحَرِّكُهُما كما كانَ رَسولُ اللهِ  يُحَرِّكُهُما فقالَ سَعِيدٌ: أنا أُحَرِّكُهُما كما كانَ ابنُ عبَّاسٍ يُحَرِّكُهُما فَحَرَّكَ شَفَتَيْهِ فأنْزَلَ اللَّهُ تَعالَى: {لا تُحَرِّكْ به لِسانَكَ لِتَعْجَلَ به {١٦} إنَّ عليْنا جَمْعَهُ وقُرْآنَهُ} [القيامة: ١٦، ١٧] قالَ: جَمْعَهُ في صَدْرِكَ ثُمَّ تَقْرَؤُهُ {فَإذا قَرَأْناهُ فاتَّبِعْ قُرْآنَهُ} [القيامة: ١٨] قالَ: فاسْتَمِعْ وأَنْصِتْ ثُمَّ إنَّ عليْنا أنْ تَقْرَأَهُ قالَ: فَكانَ رَسولُ اللهِ  إذا أتاهُ جِبْرِيلُ اسْتَمع فإذا انْطَلَقَ جِبْرِيلُ قَرَأَهُ النبيُّ  كما أقْرَأَهُ." (٥) ، و المعالجة هي محاولة عمل الشيء بمشقة.

✍️ و قال المشڪڪون أن علامات الوحي ليست إلا أعراض لمرض صرع الفص الصدغي ، معاذ الله ، بل هم قوم يجهلون ، و قولهم هذا الدليل الأڪبر على جهلهم و أنهم لا يفقهون.

✍️ لأن نوبات الصرع إن زادت عن دقيقتين تعتبر خطراً داهماً و حالة طارئة توجب إسعاف المريض فوراً و نقله للمشفى ، فڪيف يستوي هذا مع الوحي الذي كان يطول تلقينه للنبي ﷺ.

🌿 سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت ، أستغفرك و أتوب إليك 🌿 

------------------------------------------------------------
📖 المراجع :-
(١) صحيح مسلم - رقم ٢٣٣٤
(٢) متفق عليه ، اللؤلؤ والمرجان فيما اتفق الشيخان - رقم ١٥٠٥.
(٣) صحيح مسلم - رقم ٢١١٣
(٤) أخرجه النسائي في تهذيب التهذيب رقم ٤٣٩/١١ ، و قال : منكر ، و ضعفه صدر الدين المناوي (كشف المناهج و التناقيح - رقم ٣٤٩/٢) ، و ضعفه الألباني ( فقه السيرة ص ٩١) ، ضعفه شعيب الأرناؤوط ( تخريج المسند رقم ٢٢٣)
(٥) صحيح مسلم - رقم ٤٤٨ ، و أخرجه البخاري باختلاف يسير في صحيحه - رقم ٤٩٢٨.

الاثنين، 6 مايو 2024

آية ٢٨٤ : ٢٨٦ - سورة البقرة

👌جاء في عظيم قدر خواتيم سورة البقرة أحاديث صحيحة كثيرة عن النبي ﷺ  :- 

🌿 فعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال : " لَمَّا أُسْرِيَ برَسولِ اللهِ ﷺ ، انْتُهي به إلى سِدْرَةِ المُنْتَهَى، وهي في السَّماءِ السَّادِسَةِ، إلَيْها يَنْتَهِي ما يُعْرَجُ به مِنَ الأرْضِ فيُقْبَضُ مِنْها، وإلَيْها يَنْتَهِي ما يُهْبَطُ به مِن فَوْقِها فيُقْبَضُ مِنْها، قالَ: {إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ ما يَغْشَى} [النجم: ١٦]، قالَ: فَراشٌ مِن ذَهَبٍ، قالَ: فَأُعْطِيَ رَسولُ اللهِ ﷺ ثَلاثًا ؛ أُعْطِيَ الصَّلَواتِ الخَمْسَ، وأُعْطِيَ خَواتِيمَ سُورَةِ البَقَرَةِ، وغُفِرَ لِمَن لَمْ يُشْرِكْ باللَّهِ مِن أُمَّتِهِ شيئًا، المُقْحِماتُ. "(١).

🌿 و المراد من هذا الحديث على الأرجح أنّ المولى ﷻ منَّ على النبي ﷺ بهما و قدّر له أن يعطيهما إياه في ليلة المعراج ، لكنهما نزلتا بعد ذلك لما روي عن عبدالله بن عباس رضي الله عنهما قال :" بيْنَما جِبْرِيلُ قَاعِدٌ عِنْدَ النبيِّ ﷺ ، سَمِعَ نَقِيضًا مِن فَوْقِهِ، فَرَفَعَ رَأْسَهُ، فَقالَ: هذا بَابٌ مِنَ السَّمَاءِ فُتِحَ اليومَ لَمْ يُفْتَحْ قَطُّ إلَّا اليَومَ، فَنَزَلَ منه مَلَكٌ، فَقالَ: هذا مَلَكٌ نَزَلَ إلى الأرْضِ لَمْ يَنْزِلْ قَطُّ إلَّا اليَومَ، فَسَلَّمَ، وَقالَ: أَبْشِرْ بنُورَيْنِ أُوتِيتَهُما لَمْ يُؤْتَهُما نَبِيٌّ قَبْلَكَ: فَاتِحَةُ الكِتَابِ، وَخَوَاتِيمُ سُورَةِ البَقَرَةِ، لَنْ تَقْرَأَ بحَرْفٍ منهما إلَّا أُعْطِيتَهُ "(٢).

🌿 و عن أبا ذر رضي الله عنه قال : أنّ رسول الله ﷺ قال : " أُعطِيتُ هذه الآياتُ من آخرِ سورةِ البقرةِ من كنزٍ تحت العرشِ ، لم يُعطَها نبيٌّ قَبلي" ، و روي هذا أيضاً عن حذيفة بن اليمان رضي الله عنه (٣).

👌 و أمّا عن فضائل هذه الآيات المباركة ، فنذكر فيها ما روي عن أبو مسعود البدري رضي الله عنه عن النبي ﷺ أنّه قال : " الآيَتانِ مِن آخِرِ سُورَةِ البَقَرَةِ، مَن قَرَأَهُما في لَيْلَةٍ كَفَتاهُ "(٤) ، و قال المفسرون في معنى "كفتاه" : أي كفته مكروه هذه الليلة.

👌 و كذلك ما روي عن النعمان بن بشير رضي الله عنه ، عن النبي ﷺ أنه قال : " إِنَّ اللهَ كتب كتابًا قبلَ أنْ يَخْلُقَ السمواتِ والأرضَ بِألفَيْ عَامٍ ، أنْزَلَ مِنْهُ آيَتَيْنِ ، خَتَمَ بِهما سورةَ البَقَرَةِ ، لا يقْرَآنِ في دَارٍ ثلاثَ لَيالٍ فَيَقْرَبُها شَيْطَانٌ "(٥).

✍️ أدهشني عظيم قدر و فضل هاتبن الآيتين الكريمتين ، فعزمت تدبرهما ، رجاءاً في معرفة حكمة ذلك ، و وجدت أنّ تدبرهما و الإلمام به ؛ يستلزم البدء بالآية السابقة عليهما ؛ الآية رقم مئتين و أربعة و ثمانين.

✍️ ﷽ [ لِّلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ] أي أنّ جميع ما في السماوات و ما في الأرض لله ﷻ ، و رهين بقضائه و قدره ، و ذلك أنّ بداية كل شيء كانت بخلق المولى ﷻ له ، و حياتهم و شئونهم تسير بأمره و تدبيره ، و كذلك مماتهم و مرجعهم و مصيرهم إليه سبحانه.

✍️ [ وَإِن تُبْدُوا مَا فِي أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُم بِهِ اللَّهُ ۖ فَيَغْفِرُ لِمَن يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَاءُ ۗ وَاللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ] نزلت هذه الكلمات من الآية الڪريمة كالصاعقة بالصحابة رضوان الله عليهم أجمعين ، فكانت ابتلاءاً شديداً امتحن المولى ﷻ به قلوبهم فجاءوا إلى النبي ﷺ و جثوا أمامه و قالوا : " أيْ رَسولَ اللهِ، كُلِّفْنا مِنَ الأعْمالِ ما نُطِيقُ، الصَّلاةَ والصِّيامَ والْجِهادَ والصَّدَقَةَ، وقدْ أُنْزِلَتْ عَلَيْكَ هذِه الآيَةُ ولا نُطِيقُها "(٦).

✍️ [ وَإِن تُبْدُوا مَا فِي أَنفُسِكُمْ ] أي تظهروا ما فيها سواء بعمل أو قول أو حتى ضمنياً ، [ أَوْ تُخْفُوهُ ] أي تضمروا ما في أنفسكم و تكتمونه ،  [ يُحَاسِبْكُم بِهِ اللَّهُ ] و ذلك أن الله سبحانه عليم بذات الصدور مطلع على سرائر النفوس بل أنّه ﷻ عليم و مطلع على الأخفى من سرائرها (٧).

✍️ و قطعاً إنّ الخبر بأنّ الله تعالى محاسب الناس بسرائر نفوسهم ، أفزع الصحابة رضوان الله عليهم ، لأنّه تكليف شديد جداً و لا يطيقه أحد ، لذلك شكوا هذا إلى رسول الله ﷺ .

✍️ فعلمهم النبي ﷺ و قال لهم : " أتُرِيدُونَ أنْ تَقُولوا كما قالَ أهْلُ الكِتابَيْنِ مِن قَبْلِكُمْ سَمِعْنا وعَصَيْنا؟ بَلْ قُولوا: سَمِعْنا وأَطَعْنا غُفْرانَكَ رَبَّنا وإلَيْكَ المَصِيرُ، قالوا: سَمِعْنا وأَطَعْنا غُفْرانَكَ رَبَّنا وإلَيْكَ المَصِيرُ "(٦).

✍️ لذلك نزلت الآية بعدها تبشرهم بالنجاح في الامتحان و تمدح حسن إيمانهم [ آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ ۚ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ ] و جاء هذا التفصيل للدلالة على اكتمال إيمان النبي ﷺ و أصحابه رضوان الله عليهم.

✍️ و أكمل الكمال من الإيمان [ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ ۚ ] أي نؤمن بهم جميعاً ، و لا نكفر بأحد منهم ، كالصابئة يكفرون بموسى عليه السلام ، و اليهود يكفرون بعيسى عليه السلام.

✍️ و هذا لا يتعارض مع التفضيل بينهم في شيء لأن المولى ﷻ هو من رفع درجات الرسل بعضهم على بعض و فضل بعضهم على بعض ، قال تعالى [ تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ ۘ مِّنْهُم مَّن كَلَّمَ اللَّهُ ۖ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ ۚ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ ۗ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِن بَعْدِهِم مِّن بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَلَٰكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُم مَّنْ آمَنَ وَمِنْهُم مَّن كَفَرَ ۚ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلَٰكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ ] (٨) ، و قال رسول الله ﷺ : " أُعْطِيتُ خَمْسًا لَمْ يُعْطَهُنَّ أحَدٌ مِنَ الأنْبِيَاءِ قَبْلِي: نُصِرْتُ بالرُّعْبِ مَسِيرَةَ شَهْرٍ، وجُعِلَتْ لي الأرْضُ مَسْجِدًا وطَهُورًا، وأَيُّما رَجُلٍ مِن أُمَّتي أدْرَكَتْهُ الصَّلَاةُ فَلْيُصَلِّ، وأُحِلَّتْ لي الغَنَائِمُ، وكانَ النبيُّ يُبْعَثُ إلى قَوْمِهِ خَاصَّةً، وبُعِثْتُ إلى النَّاسِ كَافَّةً، وأُعْطِيتُ الشَّفَاعَةَ "(٩).

✍️[ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا ۖ غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ ۚ ] كما علّمهم النبي ﷺ ، و بينّت لكم من الحديث الشريف السالف الذكر .

✍️ فجزاهم الله ﷻ بحسن إيمانهم خيراً ، و رفع ذلك التكليف عنهم و عن المسلمين من بعدهم أجمعين ، فقال  [ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا ۚ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ ۗ ] .

✍️ أي يُحاسب المرء على عمله فقط ، فيجزى بما كسب من خير و ما اكتسب من سوء و شر ، فالحمد لله الذي هدانا لهذا ، و صلّ اللهم و سلم على نبينا محمد ﷺ الذي علّمنا و زكّانا ، و رضي الله عن إخواننا الذين سبقونا بالإيمان إذ استجابوا للنبي ﷺ و قالوا سمعنا و أطعنا ، فكانت ؛ الحمد لله ، طاعتهم رحمة لنا.

✍️ ثمّ زاد فضل الله ﷻ على المؤمنين و أنزل لهم هذا الدعاء الجميل ليختتم به هذه السورة العظيمة ،   [ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا ۚ ] فيما فرضت علينا ، رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِنَا ۚ رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ ۖ ] إصراً أي عهداً و تكليفاً ، أي ربنا لا تعهد إلينا و لا تكتب علينا من التكاليف ما لا نطيق ، كما غلظ على أمم من قبلنا.

✍️ [ وَاعْفُ عَنَّا ] أي نسألك يا الله أن تعفو عنا ما قصرنا فيه ، [ وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا ۚ ] و أن تغفر لنا ما زللنا به و ما أخطأنا فيه ، أَنتَ مَوْلَانَا ] ولينا و إلهنا و ربنا ، [ فَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ ] الذين جحدوا وحدانيتك و عبدوا الطواغيت و اتبعوهم.

✍️ و من عظيم فضل الله ﷻ أنّ من قرأ بحرف منها أعطاه الله إياه (٢) ، كما أسلفت لكم الذكر من الحديث الشريف السالف الذكر .

🌿 سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت ، أستغفرك و أتوب إليك 🌿 

-----------------------------------------------------------
المراجع :-
(١) صحيح مسلم - رقم ١٧٣.
(٢) صحيح مسلم - رقم ٨٠٦ .
(٣) صحيح الجامع للألباني - رقم ١٠٦٠ 
(٤) متفق عليه ، صحيح البخاري - رقم ٤٠٠٨ ، صحيح مسلم - رقم ٨٠٧
(٥) صحيح الترمذي للألباني - رقم ٢٨٨٢
(٦) صحيح مسلم - رقم ١٢٥
(٧) انظر تفسير آية رقم ٧ - سورة طه.
(٨) آية ٢٥٣ - سورة البقرة 
(٩) متفق عليه ، صحيح البخاري - رقم ٤٣٨ ، صحيح مسلم - رقم ٥٢١

الجمعة، 3 مايو 2024

آية ٧ - سورة طه

 🌿 ﷽ [ وَإِن تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى ] 🌿

✍️ تبين لنا الآية الڪريمة في إعجازٍ بليغ جميع أنواع القول ، فمن القول ما يجهر به المرء ، أي يقوله على مسامع ملأ ما ، و من القول ما يسرّه المرء .

✍️ فإن ڪانت المجاهرة هي القول على مسمع من ملأ ما ، فإنّ السر يڪون على النقيض من ذلك ، و هذا يتحقق في عدّة أشڪال و صور.

✍️ فمن صوره أن يحدث المرء غيره بحديث يريد منه ڪتمانه و ائتمانه عليه ، ڪما جاء في قول المولى ﷻ:وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَىٰ بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثًا ..](١). 

✍️ من صور الإسرار بالقول أيضاً ؛ القول بصوت خافت بالڪاد أن يسمع ، ڪما في إسرار القراءة في الصلوات السرية ، و القراءة فيها تڪون بتحريك اللسان و الشفتين و يڪون الصوت خافت بحيث يسمع القارئ نفسه (٢).

✍️ و من صور الإسرار بالقول أيضاً ؛ حديث النفس و وسوستها ، و صفة ذلك أن يجول الحديث بالبال و الخاطر بغير صوت من الأساس ، ڪما جاء في قول المولى ﷻ [ ... فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُمْ ۚ ... ] (٣) أي أضمرها و أخفاها في نفسه و لم يظهرها لهم. 

✍️ و لو دققت و عنيت بتأمل صور إسرار القول لتجد أنّ الصورة الثانية أخفى من الأولى ، فالقول بصوت خافت لا يسمعه إلا قائله ، قطعاً أخفى من إسرار الحديث لمسمع أحد. 

✍️ و ڪذلك لتجد أنّ الصورة الثالثة أخفى من الثانية ، فقطعاً إضمار الحديث و ڪتمه في النفس أخفى من التلفّظ به حتى لو بصوت خافت لا يسمعه سوى قائله.

✍️ لأنّ التلفّظ حتى لو بصوت خافت من قبيل العمل و الڪسب الذي يحاسب المرء به من خير و سوء ، أمّا ڪتمان حديث في النفس ، فهو من النية ، و النية لا يحاسب المرء بما جال بها من سوئها و شرها ما لم يعملها ، و لا يجزى بخيرها إلا رحمة من الله ﷻ (٤).

✍️ [ وَأَخْفَى ] على وزن أفْعل مثل أڪرم و أعلم و أشرف ، و هي صيغة اسم تفضيل و تستخدم للمقارنة بين شيئين من حيث صفة مشترڪة بينهما .

✍️ و لمَّا ڪان محل الڪلام هنا عن صور و أشڪال القول ، إذن فالمفاضلة بين نوعين منه ، و على هذا يڪون المراد من المعنى أنّ هناك أخفى من السر بڪافة أشڪاله و صوره التي ذڪرتها لڪم .

✍️ و لذلك ذهب أهل التفسير أنّ الأخفى من حديث النفس و وسوستها ، هو ما لم تحدث به نفسك بعد ، أي أن المولى ﷻ يخبرنا أنّه سبحانه يعلم ما تجهر به من قول و ما تسره إلى أحد أو ما تسره إلى مسمعك أنت ، أو ما تحدث به نفسك و تكتمه ، و أنّه سبحانه وتعالى يعلم الأخفى من ذلك و هو ما لم تحدث به نفسك بعد و إنما ستحدثها به في المستقبل.

✍️ لذلك عليكم الحذر أيها المؤمنون ، فإنّ الله جل و علا مطلع على سرائر النفوس و ما أخفى منها ، لذلك على كل منّا أن يختبر قلبه و يحث نفسه على الإيمان ، و يسأل الله تعالى أن يعينه و يثبته على ذلك.

🌿 سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت ، أستغفرك و أتوب إليك 🌿 

------------------------------------------------------------
المراجع :-
(١) آية ٣ - سورة التحريم
(٢) البيان والتحصيل لابن رشد رقم (١/٤٩٠) ، و بدائع الصنائع للڪاساني رقم (٤/١١٨) ، مجموع فتاوى ابن عثيمين رقم (١٣/١٥٦) .
(٣) آية ٧٧ - سورة يوسف.
(٤) صحيح مسلم رقم ١٣٠.