الأربعاء، 18 أكتوبر 2023

آية ٨٢ - سورة يس

🌿 ﷽ [ إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ ] 🌿

✍️ سأل سائل فقال : " ڪيف التوفيق بين هذه الآية الڪريمة و بين قول الله ﷻ [ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ] (١) ، أيّ أنّه طالما أنّ الأمر ڪن فيڪون فلماذا تڪلّف خلق السماوات والأرض ستة أيام بعض النظر عن قدر و طول اليوم ؟!"

✍️ و هذا من المسائل العقائدية الواجب الحذر حين التفڪّر فيها ، إذ أنّ الجواب عنه يتعلق بذات المولى سبحانه ، و ڪما تعلّمنا سوياً سابقاً ۞ ، هناك قاعدتين أساسيتين يجب الإعتماد عليهما طالما أنّ التفڪّر و التدبّر يتعلق بالمولى عز وجل.

✍️ الأولى ﷽ [ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ۖ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ] (٢) و الثانية ﷽ [ وَمَا أُوتِيتُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا ] (٣) ، و من هذا المنطلق نبدأ تدبّر المسألة بإذن الله تعالى.

✍️ أولاً عليك أن تتيقّن أنّ المولى عز وجل لا يعجزه شيئ و أنّه سبحانه على ڪل شيء قدير ، و لذلك فإن أمره ﷻ واقع و نافذ بغير زمان و لا حيثيات ، فطالما أنّ المولى تبارك وتعالى أراد و أمر فإن الأمر تحقق و وقع.

✍️ لڪن بالنسبة لنا و لسائر المخلوقات ، فإننّا يحڪمنا الزمان و يحيطنا ، لذلك يستلزم الأمر بالنسبة لطبيعة عالمنا فترة زمنية ، نسميها بحيّز التنفيذ الزمني للأمر.

✍️ و يرجع هذا الفرق إلى أنّ الزمان و المڪان من مخلوقات الله ﷻ ،  لذلك لا يحيطه  زمان أو مڪان ڪما هو الحال بالنسبة لسائر المخلوقات ، سبحانه ليس ڪمثله شيء و هو السميع البصير .

✍️ أمّا بالنسبة لنا فهي من أسس الطبيعة الأربعة التي تحيط بنا و نحيا عليها و فيها ، و قد خصصنا مقالاً من قبل تحدثنا فيه عن هذه الأسس الأربعة ۞.

✍️ و أمّا عن التعارض الذي توهّمه و ظنّه الجهمية ؛ بين أنّ الله ﷻ في السماء و بين أنّه سبحانه لا يحيطه زمان أو مڪان ، فهذا بيّناه سوياً من قبل ۞.

✍️ لذلك فإنّ زمن الحدث من ماضي أو حاضر أو مستقبل هو من شأن طبيعة المخلوقات ، و ليس بالنسبة للخالق عز و جل .

✍️ و لا عجب إذ تجد أنّ المولى عز و جل يحدّثك عن أحداث تقع مستقبلاً بالنسبة لنا بصيغة الماضي ، و على سبيل المثال لا الحصر قال تعالى : [ وَقَالَ الَّذِينَ فِي النَّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا مِّنَ الْعَذَابِ ] (٤) ، و قال تعالى : [ قَالُوا رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْمًا ضَالِّينَ {١٠٦} رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ ] (٥)، و قال تعالى : [ وَنَادَىٰ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابَ النَّارِ أَن قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقًّا فَهَلْ وَجَدتُّم مَّا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا ۖ قَالُوا نَعَمْ ۚ فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَن لَّعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ ] (٦).

✍️ و ذلك أنّ هذا كلّه وقع في علم الله سبحانه ، و من ناحية أخرى لهذا جمالاً من وجه البلاغة ، إذ أنّ التعبير عن حدث مستقبلي بصيغة الماضي ، يفيد تأڪيد وقوعه بالنسبة للقارئ أو المستمع.

✍️ و ڪذلك خبر في الماضي تحدثنا عنه الآيات بصيغة الحاضر ، فعلى سبيل المثال لا الحصر قال تعالى : [ وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ ](٧).

✍️ و لهذا أيضاً جمالاً من وجه البلاغة ، إذ أن التعبير عن الماضي بصيغة المضارع يستحضر الحدث بالنسبة للقارئ و كأنّه يقع بين ناظريه.

✍️ و ذلك أنّ في علم الله ﷻ الماضي و الحاضر و المستقبل ، وحدةً واحدة ، أحاطها سبحانه بعلمه ، و هذه المفاهيم تحكم عالمنا نحن و طبيعتنا التي تحيط بنا.

✍️ إن الأمر أشبه ؛ و لله سبحانه المثل الأعلى ، بالشريط الزمني للمونتاج ، فيرى القائم على هذا العمل جميع أحداث الفيلم جملة واحدة في هذا الشريط الزمني.

✍️ ثق بي إنّ الأمر معقد جداً ، لذلك نجمل القول فيه أنّ الله ﷻ إذا ما أراد شيئاً فإنما يقول له ڪن فيڪون ، و بالنسبة لنا ما بين ڪن و يڪون هو حيز التنفيذ الزمني لهذا الأمر .

✍️ و أمّا عن فترة حيّز التنفيذ ، فتأملها في قول المولى تبارك و تعالى : [ إِنَّ مَثَلَ عِيسَىٰ عِندَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ ۖ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ ] (٨) ، فالله سبحانه ، هو مالك الملك من زمان و مڪان و طاقة و مواد ، لذلك فأمره ﷻ نافذ و واقع في علمه بغير زمان و لا حيثيات.

✍️ أما بالنسبة لعالمنا ، فإنّ هذا الأمر ڪان له حيّز زماني لتنفيذه ، فنجد أنّ مريم عليها السلام ڪسائر النساء أمضت وقتاً في حملها و جاءها المخاض إلى آخر قصة ميلاد المسيح عليه السلام.

✍️ ڪذلك الأمر تماماً بالنسبة للآية الڪريمة سالفة الذڪر ، أمر الله ﷻ ڪن فيڪون ، و الأيام الستة ڪانت حيّز التنفيذ الزمني بالنسبة للڪون.

🌿 ﺳــبحانڪ آللَّھمے و بحمدڪ ، أشهد أن لآ إلَُـﮧِ إلآ أنت ، 
أﺳــتغفرڪ و أتوب إليڪ 🌿
----------------------------------------------------------------------------
📖 المصادر :-
(١) آية ٤ - سورة السجدة            (٢) آية ١١ - سورة الشورى
(٣) آية ٨٥ - سورة الإسراء          (٤) آية ٤٩ - سورة غافر
(٥) آية ١٠٦ - سورة المؤمنون       (٦) آية ٤٤ - سورة الأعراف 
(٧) آية ٥ - سورة القصص           (٨) آية ٥٩ - سورة آل عمران