الثلاثاء، 26 سبتمبر 2023

آية ٥٨ : ٧٤ - سورة الواقعة

✍️ تحدثت الفلسفات القديمة عن العناصر الاربعة التي تكون منها كل شيء و رمزت لها برموز بسيطة الماء و الأرض و الهواء و النار، و مع تطور العلوم و المفاهيم تصحح هذا المفهوم كثيراً 

✍️ و لأن علم الفيزياء هو علم يدرس طبيعة الأشياء، كيف أمست و كيف أصبحت، تناولت موضوعاته مسألة العناصر الأربعة الأساسية التي وجد منها كل شيء أو التي وجد منها الكون بأسره، لكن بصورة أدق.

✍️ فالماء و الهواء اعتبرهم علماء الفيزياء عنصرا واحداً ، إذ أن كلاهما يصنف من المواد ، تختلف حالتيهما حقاً ، فتلك سائلة و الأخرى غازية و لكن كلاهما يسمى مادة تتركب من جزيئات و ذرات. 

✍️ لذلك  توصل علم الفيزياء إلى تصوراً أدق للعناصر الأساسية الأربعة و أكدت الأبحاث و النظريات أنها «الزمان و المكان و المادة و الطاقة» و مما لا شك فيه لئن تأملت أي شيء من حولك ستجد أنه بتألف من هذه العناصر الأربعة. 

✍️ و لكن هل تعلم أن كتاب الله ﷻ كان أسبق من علماء الفيزياء في إخبارنا الأصح عن العناصر الأربعة!! 

✍️ و دائما أبدا كتاب الله ﷻ أسبق، فليس هذا بغريب أو جديد عليه،  فهذا الكتاب لا تنقضي عجائبه إلى يوم الدين.

✍️ دعنا نتأمل سوياً سورة الواقعة؛ و قول الله ﷻ :  ﷽ «أَفَرَأَيْتُمْ مَا تُمْنُونَ (٥٨) أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَ (٥٩) نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ (٦٠) عَلَى أَنْ نُبَدِّلَ أَمْثَالَكُمْ وَنُنْشِئَكُمْ فِي مَا لا تَعْلَمُونَ (٦١) وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الأُولَى فَلَوْلا تَذكَّرُونَ (٦٢)»

✍️ لنجدنَّ التفاسير توضح لنا أنَّ الله ﷻ يضرب مثلاً للنّاس كيف خلق من نطفهم خلقاً بشراً ثم قدر بينهم الموت ليبلوهم و يجعل الناس خلائف، فيستبدل  قوماً بقومٍ و يذكّرنا الله ﷻ بكيفية النشأة الأولى حيث خلق آدم من تراب؛  حتى لا يغتر المشككون و المبطلون و يكذبوا. 

✍️ و في هذه الآيات المباركة بين ضرب الله ﷻ مثل الحياة و الموت و تداول الأيام بين الناس ؛ نجد إشارة جلية لأهم العناصر الأربعة و هو الزمن.

✍️ ثم تأتي الآيات التالية في قول المولى ﷻ : ﷽ «أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ (٦٣) أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ (٦٤) لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا فَظَلَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ (٦٥) إِنَّا لَمُغْرَمُونَ (٦٦) بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ (٦٧)» 

✍️ و في تأويل الآيات المباركة جاءت التفاسير أنّ المراد حرث الأرض فهذا ما يقدر عليه الإنسان أما فلق و إنبات الحب و النوى فهو من قدرة الله ﷻ و لو شاء الله لجعله متيبساً؛  فكان حسرة على الناس و ندم على ما أنفقوا و غرموا فيه و على حرمانهم الرزق. 

✍️ و  من سياق الآيات المباركة إذ تشير للأرض بأنّ توافرها هو ما يمكننا من الحرث فهي إشارة جلية لأهمية ثاني العناصر الأساسية و هو المكان.

✍️ ننتقل معاً إلى قول الله ﷻ :  ﷽ «أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ (٦٨) أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ (٦٩) لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا فَلَوْلَا تَشْكُرُونَ(٧٠)» 

✍️ و جاءت التفاسير في بيان هذه الآيات الكريمة، أنّ الله ﷻ يضرب مثلاً آخر للنّاس بنعمة نزول الغيث و الماء من السحب، فمن يقدر على ذلك سواه سبحانه؛  و لو شاء لأنزله الله مالحاً أجاجاً فأهلك به الحرث و النسل،  فهل من شكور لأنعم الله.. 

✍️ و الحق أقول لكم ما من شيء نحن في حاجة له، إلا و قد أنزله الله ﷻ لنا بقدر معلوم، فقال تعالى: ﷽ « وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلَّا عِندَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ » (١) ،  و قال تعالى:  بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ «وَأَنزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ» (٢) 

✍️ و الماء و الحديد و غيرهم تسمى في علم الفيزياء مواد؛ تتركب من جزيئات و ذرات؛ بإختلاف طبيعتهم و حالتهم؛ سواء أكانت صلبة أم سائلة أم غازية، هي في النهاية تسمى مادة. 

✍️ و الماء بلا أريب أهم مادة على الإطلاق، فهو أصل الحياة، و في هذا قول المولى تبارك و تعالى:«وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ ۖ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ » (٣) 

✍️ و هكذا يتبين لنا أنّ الآيات المباركة سالفة الذكر تشير إلى ثالث العناصر الأساسية و هو المادة.

✍️ ننتقل إلى الآيات المباركة التالية و قول الله عز و جل: ﷽ «أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ (٧١) أَأَنْتُمْ أَنْشَأْتُمْ شَجَرَتَهَا أَمْ نَحْنُ الْمُنْشِئُونَ (٧٢) نَحْنُ جَعَلْنَاهَا تَذْكِرَةً وَمَتَاعًا لِلْمُقْوِينَ (٧٣) فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ (٧٤)»

✍️ و جاءت التفاسير في بيان هذه الآيات المباركة، موضحة أن الله عز وجل يضرب مثلاً للناس إذ جعل لهم من الشجر ما يوقدونه و يقدحونه نارا، و للمسافرين فيها منافع جمّة يصطلون بها في البرد و ضياءاً لهم في غيابات الطرق و للناس فيها منافع في الطهي و الصناعة و غيرها. 

✍️ و بعد هذه النعم العظيمة لا يملك الفؤاد إلا تعظيم الله العلي القدير فيصدقه اللسان قائلاً سبحان ربي العظيم. 

✍️ النّار أهم مصدر مباشر للطاقة و أكثرها شيوعاً و نفعاً للناس، فالكون بحسب نظرية الآنفجار العظيم نشأ من انفجار نتج عنه كمات حرارية هائلة،  و تأمل الشمس و النجوم جميعا إذ تتوهج فكانت لنا سراجاً منيراً. 

✍️ و النبات الأخضر هو أصل الطاقة على الأرض،  فبما أنّه في قاعدة هرم الحياة على أرضنا،  لذلك يكاد أن يكون الكائن الوحيد المنتج للطاقة في حياته و بعدها. 

✍️ تأمل عملية البناء الضوئي و كيف تحول البلاستيدات الخضراء نور الشمس إلى مواد عضوية،  و تأمل كيف للنباتات الدفينة في باطن الأرض ان تكوّن الفحم و المواد البترولية و الغازات الطبيعية عبر ملايين السنين،  عندئذ يتبادر للأذهان قول الحق تبارك و تعالى: ﷽ «الَّذِي جَعَلَ لَكُم مِّنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَارًا فَإِذَا أَنتُم مِّنْهُ تُوقِدُونَ » (٤) 

✍️ و هكذا أشارت هذه الآيات الكريمة للعنصر الرابع من العناصر الأساسية و هو الطاقة. 

✍️ و أخيراً اعتذر منكم على الإطالة و اشكر لكم حسن قرائتكم و استغفر الله العظيم لي و لكم ، فما كان توفيق في قولي هذا فمن الله تعالى وحده و ما كان من سهو او خطأ فمن نفسي و من الشيطان. 

🌿 ﺳــبحانڪ آللَّھمے و بحمدڪ ، أشهد أن لآ إلَُـﮧِ إلا أنت ، أﺳــتغفرڪ و أتوب إليڪ 🌿

-----------------------------------------------------------

📖 المراجع :-

(١) آية ٢١ - سورة الحجر
(٢) آية ٢٥ - سورة الحديد
(٣) آية ٣٥ - سورة الأنبياء
(٤) آية ٨٠ - سورة يس