الجمعة، 22 مايو 2026

آية ٤ ، ٥ - سورة القصص

 🌿 ﷽ [ إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِّنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ ۚ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ ۝٤ وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ ] 🌿

✍🏻لقد علا فرعون في الأرض، وتجبر وتكبّر، حتى توهّم أنه إلهٌ يُطاع، واستضعف طائفةً من الناس، فكانت تلك الطائفة نفسها فتنتَه التي هلك بها. 

✍🏻 قال تعالى: [ وَلَقَدْ فَتَنَّا قَبْلَهُمْ قَوْمَ فِرْعَوْنَ وَجَاءَهُمْ رَسُولٌ كَرِيمٌ ](١) ، ومع كل ذلك الطغيان، لم يمنعهم الله رحمته؛ بل أرسل إليهم رسولًا كريمًا ينذرهم قبل أن يُغلق باب النجاة.

✍🏻 ضاق فرعون بالمستضعفين ذرعًا، واشتعل غيظه منهم، كما جاء في قوله تعالى: [ إِنَّ هَٰؤُلَاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ ۝٥٤ وَإِنَّهُمْ لَنَا لَغَائِظُونَ ](٢)، فأُركس في الفتنة وسقط فيها، وترك مُلكه وجناته وقصوره، واتبع غروره حتى الغرق.

✍🏻 انظر كيف أفسد الغرور عقل فرعون، حتى صار يسعى بنفسه إلى هلاكه! فأيُّ عاقلٍ يترك مُلكه، وجناته، وقصوره، وهيبته بين الناس، ثم يخرج مدفوعًا بغيظه خلف طائفةٍ كان يستضعفها؟!

✍🏻 ولكنها الفتنة إذا استولت على القلب؛ تُعمي البصيرة، وتدفع صاحبها إلى السقوط بيديه، حتى تكون الطامة، وتضيع الدنيا والملك معًا.

✍🏻 أضاع ملكه بجهله وكِبره، ثم أورث الله الأرض بعده لأولئك الذين كانوا بالأمس مستضعفين، ليظهر للخلق أن العاقبة ليست للقوة المجردة، بل للحق والعدل ورحمة الله تعالى.

✍🏻 وفي هذا عبرة عظيمة؛ ألا نستضعف أحدًا، فكم من مستضعفٍ كانت فيه نجاةٌ أو هلاك، وكم من متكبرٍ أهلكه الله بسبب نظرة احتقارٍ لعباده.

✍🏻 فلا تجعل غضبك قائدك، ولا غيظك قبلتك؛ فقد يبتليك الله بمن تكره، لا ليهلكك به، بل ليطهّر قلبك من أمراضٍ خفية: من حب الجاه، والتسلط، والدنيا، والعلو على الناس.

✍🏻 هذا درس عظيم خلاصته وفائدته، إذا دعتك قدرة لاستضعاف الناس، فتذكر قدر الله عليك...

🌿 سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك و أتوب إليك 🌿

--------

📚 المراجع:

(١) آية ١٧ - سورة الدخان

(٢) آية ٥٤، ٥٥ - سورة الشعراء

الأحد، 10 مايو 2026

آية ١١٠ - سورة طه

 🌿 ﷽ {يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا} 🌿

منذ أن خُلق الإنسان وهو يحاول أن يفهم، فيفتش بعقله في طبقات السماء، ويغوص في أسرار المادة، ويتأمل الموت والحياة والزمن، ويحاول أن يمدّ خياله إلى ما وراء حدود الواقع. 

والعجيب أن العقل البشري مهما واجه من أمور شديدة التعقيد، فإنه يستطيع — ولو على سبيل التقريب — أن يصنع لها تصورًا ما. 

قد يخطئ، قد يصيب، قد يقترب أو يبتعد، لكنه يظل قادرًا على التخيل والتحليل وإعادة التركيب.

فالإنسان يستطيع أن يتصور مجراتٍ لا نهائية، وأبعادًا خفية، وأكوانًا متداخلة، بل يمكنه أن يتخيل ما هو أعجب من ذلك كله. وحتى الأمور الغيبية المرتبطة بالمخلوقات يستطيع العقل أن يقترب منها بنماذج تقريبية، لأن المخلوق — مهما عظم — يظل خاضعًا لقوانين الهيئة والمقدار والمكان.

وقد أدركت هذا المعنى أكثر حين ناقشني أحد الملاحدة في قول الله تعالى: ﴿وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ﴾

إذ قال مستهزئًا: إذا كان عرضها كعرض السماوات والأرض، والعرض هو البعد الأقصر، فهذا يعني أن طولها أعظم من ذلك، وبالتالي ستكون أوسع من السماوات والأرض بمراحل لا تُتصور، فكيف يقول القرآن بعد ذلك عند سدرة المنتهى ﴿عِندَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى﴾

وكأنه كان يتصور الجنة كغرفة موضوعة في زاوية من السماء السابعة!
في الحقيقة الإشكال عنده لم يكن في النص، بل في شكل التصور الذهني الذي فرضه على النص.

فقلت له: ولماذا تتخيل الكون أصلًا على هيئة صندوق مغلق أو فضاء مسطح؟ لماذا لا يكون بناء السماوات والأرض أشبه بهرم مقلوب أو شجرة كونية تتسع كلما ارتفعنا؟ 

فتكون الجنة عند سدرة المنتهى هي الامتداد الأعظم والأوسع، فتتحقق الآية بلا أي تناقض.

لم يكن هدفي أن أصف شكل الكون الحقيقي، بل أن أبطل دعوى “الاستحالة”، لأن كل ما هو مخلوق يمكن للعقل أن يضع له تصورًا، مهما كان معقدًا وغريبًا، ما دام داخل إطار الخلق.

أما بالنسبة لذات الله سبحانه فهنا يتغير الأمر كليًا!

فهناك فرق هائل بين أن تعجز عن فهم شيء معقد، وبين أن تكون أدوات الفهم نفسها غير صالحة أصلًا للإحاطة به. 

نحن نعجز أحيانًا عن فهم بعض الظواهر الفيزيائية لصعوبتها، لكننا نعلم أنها في النهاية تنتمي إلى عالم المادة والزمن. 

أما الله سبحانه فليس شيئًا داخل الكون حتى تسري عليه قوانينه، ولهذا قال تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ

فهذه الآية تهدم من الجذر كل محاولة لقياس الخالق على المخلوق، فالإنسان لا يفهم الأشياء إلا عبر ثلاثة أسئلة كبرى: متى؟ أين؟ كيف؟ حتى اللغة البشرية نفسها قائمة على هذه القوانين! 

نحن لا نتصور وجودًا بلا زمن، ولا فعلًا بلا كيفية، ولا ذاتًا لا يحدها مكان... لكن الله سبحانه هو خالق الزمان والمكان والكيفية، فلا يجوز أن يُحاكم إليها كما يُحاكم خلقه.

ولهذا فإن الإنسان يعجز عن تخيل الأزل الحقيقي... جرّب أن تتصور “أولًا بلا بداية”، ستجد عقلك ينهار؛ لأنه محكوم بالزمن. 

كل شيء عندنا يبدأ بعد أن لم يكن، أما الله سبحانه فهو الأول بلا ابتداء، والآخر بلا انتهاء.

وكذلك مسألة النزول الإلهي. كثير من الناس يظنون أنهم أوردوا شبهة عظيمة حين يقولون: كيف ينزل الله إلى السماء الدنيا في الثلث الأخير من الليل مع أن ثلث الليل لا ينقطع عن الأرض مع دورانها، أي مجرد ما ينتهي في مكان سيبدأ في آخر؟

والجواب أن الإشكال ناشئ من قياس نزول الله عز وجل على نزول المخلوق... نحن إذا نزلنا احتجنا إلى حركة وانتقال وزمن ومكان، أما الله سبحانه فلا تسري عليه هذه اللوازم؛ لأنه ليس كمثله شيء.

ولهذا قال الإمام مالك رحمه الله حين سُئل عن الاستواء: “الاستواء معلوم، والكيف مجهول”... أي أن أصل المعنى مفهوم، لكن الكيفية ليست مما يحيط به العقل.

ومن هنا نفهم أيضًا معنى "الصمد"!
فالله سبحانه ليس مركبًا ولا متبعضًا ولا مجزأً كما هي حال المخلوقات... الإنسان يتجزأ، وتعتريه الأحوال، وتتنازعه النقائص، ويحتاج إلى النوم والراحة لأن قواه تتوزع وتضعف. 

أما الله سبحانه فهو الصمد الكامل الذي لا يلحقه نقص ولا عجز ولا فتور، ولذلك لا ينام، لأن النوم في حقه ليس كمالًا بل نقص ينافي كمال القيومية والقدرة.

ولهذا أيضًا كان من الخطأ أصلًا أن يسأل بعض الناس: “هل يستطيع الله أن يخلق ما لا يقدر عليه؟” لأن السؤال نفسه قائم على التناقض، وكأن القدرة الإلهية ينبغي أن تشمل النقص والعبث والتناقضات الذهنية، بينما الكمال الإلهي منزه عن ذلك كله.

ولهذا كانت معجزات الأنبياء تعجز العلوم عن تفسير حقيقتها الكاملة، لأن المعجزة في أصلها ليست مجرد ظاهرة متقدمة لم نكتشف سرها بعد، بل خرقٌ للناموس الكوني نفسه وإظهارٌ لقدرة الله سبحانه فوق الأسباب المعتادة. 

فالنار التي أُلقي فيها إبراهيم عليه السلام لم تفقد حرارتها وفق قوانين الفيزياء، لكنها سُلِبت خاصية الإحراق بأمر الله، فعادت بردًا وسلامًا. 

وعصا موسى عليه السلام لم تكن مجرد قطعة خشب تحولت مرة واحدة إلى حيّة ثم انتهى الأمر، بل ظهرت فيها في كل موقف آية تناسب المقام؛ فتارةً تدب فيها الحياة فتلقف ما يأفكون، وتارةً تُشق بها البحار، وتارةً يُضرب بها الحجر فتتفجر منه العيون، حتى ليبدو الأمر وكأن الجماد نفسه صار مطيعًا لأمر الله على صورة تتجاوز إدراك البشر المعتاد.

وكذلك رحلة الإسراء والمعراج، فبعض الناس يحاول اختزالها اليوم في نظريات السرعة والزمن والسفر الكوني، مع أن ما وقع فيها أعظم من ذلك بكثير؛ لأن حتى بلوغ سرعة الضوء لا يفسر ما كان فيها من انتقالات ومشاهدات وعودة في جزء يسير من الليل. 

إنها ليست تجربة فيزيائية متقدمة، بل آية إلهية أراها الله لنبيه ﷺ ليعلم الناس أن قدرة الخالق لا تُحاكم إلى حدود المخلوقين.

ومن هنا يمكن فهم سبب الاضطراب الذي دب بين الأمة في مسألة “خلق القرآن”، لأن الناس حين يحاولون قياس الله على المخلوق يضلّون في التصور. 

فالله سبحانه هو خالق كل شيء، وهو الذي خلق الأفعال نفسها، وخلق التكلم واللغة والحروف والأصوات، ولذلك ظن البعض أنه خلق القرآن معطلًا بذلك صفة التكلم عن الله تعالى. 

لكن المفارقة التي يعجز كثيرون عن فهمها أن الله سبحانه خلق الأفعال ويفعل ما يشاء منها على الوجه اللائق بجلاله، دون أن يشبه خلقه في شيء. 

فهو سبحانه خلق السماوات ومع ذلك ينزل فيها كيف شاء، وخلق قوانين الكون ثم يخرقها متى شاء، وخلق الكلام ثم تكلّم بما شاء كيف شاء، لا على صورة كلام البشر ولا وفق حدودهم. 

ولذلك كان أصل الخطأ هو محاولة إخضاع أفعال الله للقوانين التي تحكم المخلوقين، مع أن الله سبحانه ليس كمثله شيء، ولا يحيط أحد بكنه أفعاله وصفاته علمًا.

لذلك قال سبحانه وتعالى عن ذاته: {فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ

فأفعال الله سبحانه لا يجوز أن تُقاس بمنظورنا المادي المحدود، لأننا نحن المحكومون بقوانين الكون، أما هو فخالق هذه القوانين وموجدها من العدم. 

للأسف بعض الناس إذا سمعوا نصوصًا معينة أخطؤوا فهمها لأنهم أسرعوا في إسقاط الصور البشرية على الله...

ومن أكثر الأمثلة إثارة للجدل حديث “الشاب الأمرد”! فبعضهم بمجرد أن يسمع اللفظ يتخيل صورة إنسانية مباشرة، مع أن هذا ناتج عن سجن العقل داخل التصور المادي البشري.

ولو تأمل الإنسان قليلًا لفهم أن لفظ “الشباب” في أصل المعنى اللغوي ليس مقصورًا على الهيئة الإنسانية، بل يُستعمل للدلالة على تمام القوة وكمال الحيوية وعدم الضعف. 

نحن نصف نجمًا بأنه “نجم شاب”، ونصف حضارة بأنها “فتية”، ولا يقصد أحد بذلك أنها إنسان له أعضاء وصورة بشرية.

فالهرم يقترن بالضعف والانهيار، والطفولة يقترن بها النقص والطيش، أما طور الشباب فهو مرحلة اكتمال القوة. 

فإذا ورد اللفظ في سياق عقدي فلا يجوز أن يقفز الذهن مباشرة إلى التشبيه والتجسيم، لأن الله سبحانه ليس كمثله شيء أصلًا.

والمشكلة الكبرى أن بعض الناس يتعامل مع النصوص الإلهية وكأنها أوصاف لأجسام مادية داخل الكون، بينما الحقيقة أن كل ما يخطر في بالك من صورة، فالله بخلاف ذلك.

إن الإنسان يستطيع أن يتخيل الجنة تقريبًا، ويتخيل الملائكة، ويتخيل السماوات، لأنها كلها مخلوقات، أما ذات الله سبحانه فلا سبيل إلى الإحاطة بها. 

لا لأن الله تعالى غامض أو مجهول الوجود، بل لأن المحدود لا يحيط باللامحدود، ولأن المخلوق لا يستطيع أن يستوعب حقيقة الخالق.

ولهذا كانت الآية العظيمة: ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا

ليست مجرد عبارة عن نقص المعرفة، بل إعلانًا عن الحد الفاصل بين عالم الخالق وعالم المخلوق.

فنحن نعرف الله بأسمائه وصفاته وآياته وآثار رحمته وقدرته، لكننا لا نحيط بحقيقة ذاته وكنه صفاته. ولذلك كان أعقل الناس وأعلمهم بالله هم أكثرهم تسليمًا وخشوعًا، لا أكثرهم جرأة على تخيل ما لا يمكن تخيله.

إن أعظم لحظة نضج عقلي ليست حين يظن الإنسان أنه أحاط بكل شيء، بل حين يدرك أن هناك مقامًا يقف عنده العقل خاشعًا، لأن الخالق سبحانه أعظم من أن تحيط به أدوات المخلوق المحدودة.

وهنا يفهم المؤمن معنى قوله تعالى: ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾.

السبت، 28 فبراير 2026

آية ٥ - سورة إبراهيم

 🌿 ﷽ [ وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَىٰ بِآيَاتِنَا أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَذَكِّرْهُم بِأَيَّامِ اللَّهِ ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ] 🌿

قال المولى عز وجل: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَىٰ بِآيَاتِنَا أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ} أي أنه سبحانه أُرسل موسى مؤيَّدًا بالآيات؛ آياتٍ تُبطل الباطل، وتُقيم الحجة.

ليخرج قومه، وينقلهم من حالٍ إلى حال، وجاءت الظلمات جمعًا لأن طرق الضلال متشعبة وكثيرة، وجاء النور مفردًا لأن الحق واحد لا يتعدد.

والإخراج لا يكون بالآيات والبرهان فقط، بل بالتذكير، وهذا محل قوله تعالى: {وَذَكِّرْهُمْ} لأن التذكير لا يقتصر على استحضار الماضي، بل يشمل التذكير بالغيب الآتي. 

كما في قوله تعالى: {فَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَىٰ تَنفَعُ الْمُؤْمِنِينَ} (١)، وقوله تعالى: {فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنتَ مُذَكِّرٌ} (٢)، فالتذكير بالآخرة هو جوهر دعوة الأنبياء، بشيرًا ونذيرًا.

{وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ}… أهي ماضٍ أم آتٍ؟

والحق أقول لكم، لقد قادني التدبّر إلى أن المقصود أيام الله الآتية لا الماضية.

فالقرآن الكريم يفسّر بعضه بعضًا، ولئن تأملنا قوله تعالى: {قُل لِّلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لَا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ}.(٣)

فهؤلاء لا يرجون — أي لا يتوقعون ولا يخافون — أيامًا لم تقع بعد، إذن فالمعنى المراد هنا بأيام الله، أنها مستقبلية لا محالة. 

وعليه، فـ"أيام الله" -في رأيي والله أعلم- ليست وقائع تاريخية فحسب، بل مراحل تجلّي القدرة الإلهية في الأحداث الكبرى.

وقد تتبعت "أيام الله" في أطوارها الكبرى، ووجدت أن يوم القيامة يومًا واحدًا في حقيقته، لكن له أطوارًا ومشاهد، ولكل طورٍ اسمٌ أو أكثر.

١) يوم القيامة أويوم الحسرة أو يوم الوعيد

٢) يوم البعث أو يوم الخروج أو يوم النشور

٣) يوم الجمع أو يوم التغابن أو يوم الحشر أو يوم التلاق أو يوم التناد

٤) أو يوم الحساب أو يوم الآزفة أو يوم الدين أو يوم الفصل

٥) يوم يقوم الأشهاد

يوم الشهادة العظمى… شهادة الرسل، وشهادة الجوارح، وشهادة الأمم، ويخطر لي أنه يوم شفاعة الشافعين، وإن لم يُسمّه القرآن بذلك نصًّا.

٦) يوم الخلود واستقرار المصير أو يوم المزيد...

وما زاد دهشتي بعد أن أحصيتهم، أنه سبحانه كما بدأ الخلق في ستة أيام… ألا يمكن أن يقضي أطوار الإعادة في ستة أيام كبرى من أيام الله؟

سبحانه وهو القائل : {كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُّعِيدُهُ}(٤)

بدءٌ محكم… وإعادةٌ محكمة، فسبحان من بيده البدء والإعادة، وسبحان من جعل للخلق أطوارًا، وللجزاء أطوارًا، ولكل طورٍ اسمًا يليق بجلاله.

🌿 سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك 🌿

-----------------------------

📚 المراجع:-

(١) آية ٥٥ - سورة الذاريات 

(٢) آية ٢٢ - سورة الغاشية

(٣) آية ١٤ - سورة الجاثية

(٤) آية ١٠٤ - سورة الأنبياء

الجمعة، 27 فبراير 2026

آية ١٢ - سورة الانشقاق

🌿 ﷽ [ وَيَصْلَىٰ سَعِيرًا ] 🌿

✍️ جهنَّم - أجارني الله وإياكم منها - ليست نارًا وحسب، بل حالة! ليست لهبًا عابرًا يُسعَر ثم يخبو، لذلك وصفها المولى عز وجل: { كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا }. (١)

✍️ ليست طارئًا يُضرم كالسُّعار إذا هاج في جسدٍ فينسلخ عن طبيعته، بل سعير! على وزن فعيلٌ، مما يدل على أنه ممتدّ، صفته راسخة، واشتعالٌ بلغ حدّ الثبات.

✍️ وإذا تأملنا الجذر: (س ع ر) سنجد معانيه؛ الاشتعال حين يبلغ منتهاه، الهيجان إذا استقرّ ولم يعد عارضًا.

✍️ ومنه المسعورُ الذي أصابه السعار، والسَّعِرانُ الذي امتلأ بذلك حتى فاض منه... أما السعير؛ فهو الاشتعال ذاته، حين يصير صفة ملازمة!

✍️ إذن حين قال الحق تبارك وتعالى: ﴿ويصلى سعيرًا﴾، لا يعني ذلك أنه سيصلى شرارة، أو يمرّ بلهيبٍ عابر، بل يدخل في مناخٍ من الاشتعال المستمر، كأن النار لم تعد فعلًا يقع، بل واقعًا يُعاش.

✍️ وإذا ما تحرينا الأمر بصورة أعمق، سنجد أنّ جهنّم -والعياذ بالله- دائماً تعبر تمامًا عن هذه الحالة، كما جاء في قوله تعالى: ﴿تكاد تميز من الغيظ(٢)

✍️ فكأن المسألة ليست نارًا تؤدي وظيفة، بل غليانًا بلغ ذروته كالسعار... لا أقصد بصورته البيولوجية، بل في حالته... 

✍️ فالسعار هو خلل بيولوجي يفقد الكائن اتزانه، لذلك المفترس المصاب به يفتك بضحيته لمجرد الفتك بها، وهذا بخلاف الطبيعي حين يهاجم ويفترس بغرض الأكل، لكن اذا شبع فإنه لا يهاجم، أي أنه في حالة السعار يكون أشرس ويهاجم من أجل القتل فقط.

✍️ إذا طبقنا هذا الوصف على سلوك جهنم، لرأينا تطابقًا شديدًا، فالسعير بلوغُ اللهب تمام شدته، واتقادُها على نظام.

✍️ ورغم التشابه من الناحية السلوكية إلا أن الفارق كبير، فالسعار يفتك لأنه مريض، أما السعير يعذب لأنه حق.

✍️ والصورة تبقى مرعبة... لمن يتأمل ثقل اللفظ! فهل جهنم ليس سعارًا عابرًا، بل سعيرًا… ثابتًا، راسخًا، لا يخبو.

🌿 سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك 🌿 

-------------------------------

📚 المراجع:-

(١) آية ٩٧ - سورة الإسراء 

(٢) آية ٨ - سورة المُلك

الجمعة، 6 فبراير 2026

آية ١ : ١٠ - سورة الشمس

🌿 ﷽ [ وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا ۝١ وَالْقَمَرِ إِذَا تَلَاهَا ۝٢ وَالنَّهَارِ إِذَا جَلَّاهَا ۝٣ وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا ۝٤ وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا ۝٥ وَالْأَرْضِ وَمَا طَحَاهَا ۝٦ وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا  ۝٧ فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا ۝٨ قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا ۝٩ وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا ] 🌿

✍️ جاءت هذه الآيات الكريمة في سياق قسمٍ متدرّج، يبدأ بما تُبصره العين، وينتهي بما يُبصر به الإنسان كلَّ شيء.

✍️ فابتدأ القسم بالشمس وضحاها، والقمر إذا تلاها، والنهار إذا جلاها، والليل إذا يغشاها؛ وهي ظواهر كونية يشترك في إدراكها الناس كافة، لا تحتاج إلى برهان ولا إلى تعليم.

✍️ ثم انتقل السياق إلى السماء وما بناها، والأرض وما طحاها؛ وهنا لا يعود الخطاب إلى المشهد، بل إلى البنية التي لولاها ما وُجد المشهد أصلًا.

✍️ فالشمس لا تُرى إلا في سماء، والليل لا يكون إلا على أرض، وما كان للأثر أن يظهر لولا الأصل.

✍️ ثم جاء الانتقال الذي يلفت النظر، ويستوقف المتدبّر: [ وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا ] حيث يبرز التساؤل:

⚡ لماذا لحق ذلك قوله تعالى: [ وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا ۝٧ فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا ] ؟

⚡ ما المعجز في خلق النفس حتى تكون تتمّةً لهذه الآيات العظام؟

✍️ علمًا بأنَّ القرآن الكريم أكَّد على أن خلق السماوات والأرض أكبر من خلق الناس. (١)

✍️ والحقيقة لا تعارض في كتاب الله تعالى ولا اختلاف، حاشاه، ولكن لكل مقام مقال... فسياق سورة الشمس يختلف عن سياق سورة غافر، في أنه ليس سياق مقارنة في العِظم، بل في موضع الابتلاء.

✍️توصلت الدراسات الحديثة إلى أن الإنسان، يتخذ قراره ويصدر سلوكه من اللاوعي، ثم يأتي دور الدماغ بعد ذلك في تبرير السلوك وتحليله.

✍️ وهذا اللاوعي ليس وليد لحظة، بل نابع من تاريخ طويل وتراكمات ممتدة: تجارب، وصفات متوارثة، جينات، ومعانٍ تُستنبط بطرق تختلف من شخص لآخر.

✍️ وهنا تتجلّى دقة اللفظ القرآني، إذ قال: ﴿وَمَا سَوَّاهَا﴾ لا خلقها فحسب، بل سوّاها.... أي أنها بناءٌ متكامل، سلسال طويل معقّد من جينات وصفات متوارثة عبر أجيال متعاقبة.

✍️ ثم قال : ﴿فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَاولم يقل: أو تقواها، لأن النفس البشرية هنا محلّ تقاطع الاثنين، ولا يرث أحدٌ أحدَهما دون الآخر.

✍️ فالفكرة التي تطاردك فجأة وتلحّ عليك، ليست طارئة ولا معزولة، بل نتيجة حتمية لسلسلة طويلة من الصفات الوراثية والتفاعلات الكيميائية والعصبية في دماغك، سواء كانت فجورًا أو تقوى.

✍️ لذلك لم يُسقط القرآن المسؤولية، بل أجّلها إلى موضع آخر، إذ لم يُعلّق الفلاح على الإلهام، ولا على الخِلقة، ولا على التسوية. بل قال سبحانه: [ قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا ۝٩ وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا ]

✍️ فالمؤاخذة ليست على ورود الخاطر، بل على تبنّيه. وليست على وجود الميل، بل على رعايته أو كبحه.

✍️ وهنا يظهر وجه الامتحان، ويتبيّن الفرق بين من يفهم نفسه، ومن يبرّرها.

✍️ فالنفس آية، لا لأنها طاهرة، ولا لأنها مستقيمة، ولا لأنها بسيطة، بل لأنها قابلة، ومُخيَّرة، وأعقد مما يُرى.

🌿 سُبحانك اللهم وبحمدك، نشهد أن لا إله إلا أنت، نستغفرك ونتوب إليك 🌿

-------------------

📚 المراجع

(١)آية ٥٧ - سورة غافر.

الاثنين، 2 فبراير 2026

آية ٥٤ : ٥٦ - سورة النمل

🌿 ﷽ [ وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ وَأَنتُمْ تُبْصِرُونَ ۝٥٤ أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِّن دُونِ النِّسَاءِ ۚ بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ ۝٥٥ ۞ فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَن قَالُوا أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِّن قَرْيَتِكُمْ ۖ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ ] 🌿 

✍️ طالما استوقفني وصف «يَتَطَهَّرُونَ»، فكنت دومًا أتساءل: ما الذي يثير حفيظة هؤلاء من التطهّر حتى يتحوّل عندهم إلى مادةٍ للسخرية والتهكّم؟

✍️ لا سيما أنّ هذا الوصف جاء ردًّا مباشرًا على ما واجههم به نبيهم لوط عليه السلام من إنكارٍ لممارستهم الفاحشة والشذوذ، وكأنهم في خطابهم هذا يقلبون الموازين، ويعكسون الدفّة، فيواجهون الاتهام باتهامٍ مضاد، أو كأنهم يقولون: إن كان ما نفعله نحن فاحشة في نظرك، فإن تطهّرك أنت غير مرغوب فيه في نظرنا.

✍️ وقد قادني هذا المعنى، وأثار فضولي، إلى التساؤل مرارًا: ما شأن هؤلاء مع التطهّر؟ ولماذا صار لديهم مثار استهزاء؟

✍️ إن دقّة القرآن الكريم، التي عهدناها في كل آياته، تحتم علينا التدبّر والتأمّل في كل لفظ، ومع طول بحثٍ وتأمّل، بدت لي الإشارة.

✍️ الحق أقول لكم: إن التمادي في ممارسة هذه الفاحشة يجعل من التطهّر بالنسبة لمعتاديها معضلةً حقيقية؛ إذ إن هذه الممارسة قد تتسبّب في ارتخاء عضلة المستقيم، وعدم قدرتها على أداء وظيفتها على الوجه السليم، مما قد يفضي إلى اضطراب في التحكم الإخراجي، فيقع ذلك على غير إرادة، وتغدو الحاجة إلى التطهّر متكرّرة وشاقّة.

✍️ ومع اختلاف الظروف المناخية، ولا سيما في أيام البرد القارس، يتحوّل التطهّر إلى عبءٍ بالغ المشقّة، ومع الإمعان في هذه الفاحشة، تتجه النفوس بطبيعتها إلى إنكار كل ما يعارضها؛ فيغدو التطهّر في نظرهم أمرًا غير ضروري، بل مكروهًا، ويستحقّ من يداوم عليه التنمّر والسخرية والأذى.

✍️ ومن هنا نفهم تهكّمهم وسخريتهم من لوط عليه السلام وآله، ووصمهم بأنهم مواظبون على التطهّر، لأنهم لا يشاركونهم فاحشتهم ولا يسلكون مسلكهم.

✍️ وربما ما تناقلته بعض الروايات عن فواح رائحتهم، حتى قيل إن القوافل كانت تهتدي إلى مواضعهم بها، يجد تفسيره في هذا السياق؛ فقد حُكي عنهم أنهم كانوا يقطعون الطريق، ثم قيل إن القوافل باتت تتفاداهم، ولو صحّ ذلك، لكانت تلك الرائحة القذرة أثرًا متصوَّرًا لانغماسهم في الفاحشة وتماديهم في الفجور.

🌿 ﺳــبحانڪ آللَّھمے و بحمدڪ ، أشهد أن لآ إلَُـﮧِ إلآ أنت ، أﺳــتغفرڪ و أتوب إليڪ 🌿