🌿 ﷽ {يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا} 🌿
منذ أن خُلق الإنسان وهو يحاول أن يفهم، فيفتش بعقله في طبقات السماء، ويغوص في أسرار المادة، ويتأمل الموت والحياة والزمن، ويحاول أن يمدّ خياله إلى ما وراء حدود الواقع.
والعجيب أن العقل البشري مهما واجه من أمور شديدة التعقيد، فإنه يستطيع — ولو على سبيل التقريب — أن يصنع لها تصورًا ما.
قد يخطئ، قد يصيب، قد يقترب أو يبتعد، لكنه يظل قادرًا على التخيل والتحليل وإعادة التركيب.
فالإنسان يستطيع أن يتصور مجراتٍ لا نهائية، وأبعادًا خفية، وأكوانًا متداخلة، بل يمكنه أن يتخيل ما هو أعجب من ذلك كله. وحتى الأمور الغيبية المرتبطة بالمخلوقات يستطيع العقل أن يقترب منها بنماذج تقريبية، لأن المخلوق — مهما عظم — يظل خاضعًا لقوانين الهيئة والمقدار والمكان.
وقد أدركت هذا المعنى أكثر حين ناقشني أحد الملاحدة في قول الله تعالى: ﴿وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ﴾
إذ قال مستهزئًا: إذا كان عرضها كعرض السماوات والأرض، والعرض هو البعد الأقصر، فهذا يعني أن طولها أعظم من ذلك، وبالتالي ستكون أوسع من السماوات والأرض بمراحل لا تُتصور، فكيف يقول القرآن بعد ذلك عند سدرة المنتهى ﴿عِندَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى﴾
فقلت له: ولماذا تتخيل الكون أصلًا على هيئة صندوق مغلق أو فضاء مسطح؟ لماذا لا يكون بناء السماوات والأرض أشبه بهرم مقلوب أو شجرة كونية تتسع كلما ارتفعنا؟
فتكون الجنة عند سدرة المنتهى هي الامتداد الأعظم والأوسع، فتتحقق الآية بلا أي تناقض.
لم يكن هدفي أن أصف شكل الكون الحقيقي، بل أن أبطل دعوى “الاستحالة”، لأن كل ما هو مخلوق يمكن للعقل أن يضع له تصورًا، مهما كان معقدًا وغريبًا، ما دام داخل إطار الخلق.
أما بالنسبة لذات الله سبحانه فهنا يتغير الأمر كليًا!
فهناك فرق هائل بين أن تعجز عن فهم شيء معقد، وبين أن تكون أدوات الفهم نفسها غير صالحة أصلًا للإحاطة به.
نحن نعجز أحيانًا عن فهم بعض الظواهر الفيزيائية لصعوبتها، لكننا نعلم أنها في النهاية تنتمي إلى عالم المادة والزمن.
أما الله سبحانه فليس شيئًا داخل الكون حتى تسري عليه قوانينه، ولهذا قال تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾
فهذه الآية تهدم من الجذر كل محاولة لقياس الخالق على المخلوق، فالإنسان لا يفهم الأشياء إلا عبر ثلاثة أسئلة كبرى: متى؟ أين؟ كيف؟ حتى اللغة البشرية نفسها قائمة على هذه القوانين!
نحن لا نتصور وجودًا بلا زمن، ولا فعلًا بلا كيفية، ولا ذاتًا لا يحدها مكان... لكن الله سبحانه هو خالق الزمان والمكان والكيفية، فلا يجوز أن يُحاكم إليها كما يُحاكم خلقه.
ولهذا فإن الإنسان يعجز عن تخيل الأزل الحقيقي... جرّب أن تتصور “أولًا بلا بداية”، ستجد عقلك ينهار؛ لأنه محكوم بالزمن.
كل شيء عندنا يبدأ بعد أن لم يكن، أما الله سبحانه فهو الأول بلا ابتداء، والآخر بلا انتهاء.
وكذلك مسألة النزول الإلهي. كثير من الناس يظنون أنهم أوردوا شبهة عظيمة حين يقولون: كيف ينزل الله إلى السماء الدنيا في الثلث الأخير من الليل مع أن ثلث الليل لا ينقطع عن الأرض مع دورانها، أي مجرد ما ينتهي في مكان سيبدأ في آخر؟
والجواب أن الإشكال ناشئ من قياس نزول الله عز وجل على نزول المخلوق... نحن إذا نزلنا احتجنا إلى حركة وانتقال وزمن ومكان، أما الله سبحانه فلا تسري عليه هذه اللوازم؛ لأنه ليس كمثله شيء.
ولهذا قال الإمام مالك رحمه الله حين سُئل عن الاستواء: “الاستواء معلوم، والكيف مجهول”... أي أن أصل المعنى مفهوم، لكن الكيفية ليست مما يحيط به العقل.
أما الله سبحانه فهو الصمد الكامل الذي لا يلحقه نقص ولا عجز ولا فتور، ولذلك لا ينام، لأن النوم في حقه ليس كمالًا بل نقص ينافي كمال القيومية والقدرة.
ولهذا أيضًا كان من الخطأ أصلًا أن يسأل بعض الناس: “هل يستطيع الله أن يخلق ما لا يقدر عليه؟” لأن السؤال نفسه قائم على التناقض، وكأن القدرة الإلهية ينبغي أن تشمل النقص والعبث والتناقضات الذهنية، بينما الكمال الإلهي منزه عن ذلك كله.
ولهذا كانت معجزات الأنبياء تعجز العلوم عن تفسير حقيقتها الكاملة، لأن المعجزة في أصلها ليست مجرد ظاهرة متقدمة لم نكتشف سرها بعد، بل خرقٌ للناموس الكوني نفسه وإظهارٌ لقدرة الله سبحانه فوق الأسباب المعتادة.
فالنار التي أُلقي فيها إبراهيم عليه السلام لم تفقد حرارتها وفق قوانين الفيزياء، لكنها سُلِبت خاصية الإحراق بأمر الله، فعادت بردًا وسلامًا.
وعصا موسى عليه السلام لم تكن مجرد قطعة خشب تحولت مرة واحدة إلى حيّة ثم انتهى الأمر، بل ظهرت فيها في كل موقف آية تناسب المقام؛ فتارةً تدب فيها الحياة فتلقف ما يأفكون، وتارةً تُشق بها البحار، وتارةً يُضرب بها الحجر فتتفجر منه العيون، حتى ليبدو الأمر وكأن الجماد نفسه صار مطيعًا لأمر الله على صورة تتجاوز إدراك البشر المعتاد.
وكذلك رحلة الإسراء والمعراج، فبعض الناس يحاول اختزالها اليوم في نظريات السرعة والزمن والسفر الكوني، مع أن ما وقع فيها أعظم من ذلك بكثير؛ لأن حتى بلوغ سرعة الضوء لا يفسر ما كان فيها من انتقالات ومشاهدات وعودة في جزء يسير من الليل.
إنها ليست تجربة فيزيائية متقدمة، بل آية إلهية أراها الله لنبيه ﷺ ليعلم الناس أن قدرة الخالق لا تُحاكم إلى حدود المخلوقين.
ومن هنا يمكن فهم سبب الاضطراب الذي دب بين الأمة في مسألة “خلق القرآن”، لأن الناس حين يحاولون قياس الله على المخلوق يضلّون في التصور.
فالله سبحانه هو خالق كل شيء، وهو الذي خلق الأفعال نفسها، وخلق التكلم واللغة والحروف والأصوات، ولذلك ظن البعض أنه خلق القرآن معطلًا بذلك صفة التكلم عن الله تعالى.
لكن المفارقة التي يعجز كثيرون عن فهمها أن الله سبحانه خلق الأفعال ويفعل ما يشاء منها على الوجه اللائق بجلاله، دون أن يشبه خلقه في شيء.
فهو سبحانه خلق السماوات ومع ذلك ينزل فيها كيف شاء، وخلق قوانين الكون ثم يخرقها متى شاء، وخلق الكلام ثم تكلّم بما شاء كيف شاء، لا على صورة كلام البشر ولا وفق حدودهم.
ولذلك كان أصل الخطأ هو محاولة إخضاع أفعال الله للقوانين التي تحكم المخلوقين، مع أن الله سبحانه ليس كمثله شيء، ولا يحيط أحد بكنه أفعاله وصفاته علمًا.
لذلك قال سبحانه وتعالى عن ذاته: {فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ}
فأفعال الله سبحانه لا يجوز أن تُقاس بمنظورنا المادي المحدود، لأننا نحن المحكومون بقوانين الكون، أما هو فخالق هذه القوانين وموجدها من العدم.
للأسف بعض الناس إذا سمعوا نصوصًا معينة أخطؤوا فهمها لأنهم أسرعوا في إسقاط الصور البشرية على الله...
ومن أكثر الأمثلة إثارة للجدل حديث “الشاب الأمرد”! فبعضهم بمجرد أن يسمع اللفظ يتخيل صورة إنسانية مباشرة، مع أن هذا ناتج عن سجن العقل داخل التصور المادي البشري.
ولو تأمل الإنسان قليلًا لفهم أن لفظ “الشباب” في أصل المعنى اللغوي ليس مقصورًا على الهيئة الإنسانية، بل يُستعمل للدلالة على تمام القوة وكمال الحيوية وعدم الضعف.
نحن نصف نجمًا بأنه “نجم شاب”، ونصف حضارة بأنها “فتية”، ولا يقصد أحد بذلك أنها إنسان له أعضاء وصورة بشرية.
فالهرم يقترن بالضعف والانهيار، والطفولة يقترن بها النقص والطيش، أما طور الشباب فهو مرحلة اكتمال القوة.
فإذا ورد اللفظ في سياق عقدي فلا يجوز أن يقفز الذهن مباشرة إلى التشبيه والتجسيم، لأن الله سبحانه ليس كمثله شيء أصلًا.
والمشكلة الكبرى أن بعض الناس يتعامل مع النصوص الإلهية وكأنها أوصاف لأجسام مادية داخل الكون، بينما الحقيقة أن كل ما يخطر في بالك من صورة، فالله بخلاف ذلك.
إن الإنسان يستطيع أن يتخيل الجنة تقريبًا، ويتخيل الملائكة، ويتخيل السماوات، لأنها كلها مخلوقات، أما ذات الله سبحانه فلا سبيل إلى الإحاطة بها.
لا لأن الله تعالى غامض أو مجهول الوجود، بل لأن المحدود لا يحيط باللامحدود، ولأن المخلوق لا يستطيع أن يستوعب حقيقة الخالق.
ولهذا كانت الآية العظيمة: ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾
ليست مجرد عبارة عن نقص المعرفة، بل إعلانًا عن الحد الفاصل بين عالم الخالق وعالم المخلوق.
فنحن نعرف الله بأسمائه وصفاته وآياته وآثار رحمته وقدرته، لكننا لا نحيط بحقيقة ذاته وكنه صفاته. ولذلك كان أعقل الناس وأعلمهم بالله هم أكثرهم تسليمًا وخشوعًا، لا أكثرهم جرأة على تخيل ما لا يمكن تخيله.
إن أعظم لحظة نضج عقلي ليست حين يظن الإنسان أنه أحاط بكل شيء، بل حين يدرك أن هناك مقامًا يقف عنده العقل خاشعًا، لأن الخالق سبحانه أعظم من أن تحيط به أدوات المخلوق المحدودة.
وهنا يفهم المؤمن معنى قوله تعالى: ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾.