الاثنين، 16 ديسمبر 2024

آية ٢٩ - سورة فصلت

🌿 { وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا رَبَّنَا أَرِنَا الَّذَيْنِ أَضَلَّانَا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ نَجْعَلْهُمَا تَحْتَ أَقْدَامِنَا لِيَكُونَا مِنَ الْأَسْفَلِينَ } 🌿

✍️ { وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا } أي ماتوا على الكفر و ادخلوا فخلدوا في جهنّم بسبب ذلك ، { رَبَّنَا أَرِنَا الَّذَيْنِ أَضَلَّانَا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ } ، و طلب أهل جهنّم هذا لا يدل إلا على شدّة مقتهم للّذين أضلوهم ، إذ يريدوا أن يجعلوهما تحت أقدامهم في جهنّم حتى يكون لهما النصيب الأكبر من العذاب.

✍️و { الَّذَيْنِ } بتشديد اللام ، هو اسم موصول للمثنى المذكر (اللذين) ، و اسم الموصول يستخدم لتحديد شيء معين عاقل أو غير عاقل ، و (اللذين) يراد بها الشياطين الذين أضلوا أهل جهنّم ، و جاءت بصيغة المثنى لأنهما جنسين الجن و الإنس ، و الله أعلم.

✍️ أو تحديداً يراد بها ؛ أيّ (اللذين) ، شيطانين بعينهما ، أحدهما من الجنّ و الآخر من الإنس ، و شيطان الجنّ الأكبر هو إبليس بلا أدنى ريب ، أمّا شيطان الإنس فقيل في تأويله أنّه قابيل (ابن آدم عليه السلام) الذي قتل أخيه ، و ذلك لأنّه أول من سنّ القتل ، و له كفل في آثم كل مَن قتل مِن بعده . (١)

✍️ و هذا التفسير رُوي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه ، و لم أجد فيما رُوي عنه رضي الله عنه في هذا الصدد سنداً صالحاً صحيحاً ، سوى الذي رواه محمد بن بشار عن سفيان الثوري ، عن عبدالرحمن بن مهدي عن سلمة بن كهيل عن مالك بن حصين عن أبيه (حصين بن عقبة) عن عليّ رضي الله عنه.

✍️و على صحة ذلك فإنّ هذا الخبر يُروى عن عليّ رضي الله عنه ، موقوفاً و ليس مرفوعاً ؛ أي لم يسمعه من النبي ﷺ ، فمن صحابة رسول الله ﷺ ، مَن حدّث عن بني إسرائيل ؛ قطعاً على علم ، فنقلوا عنهم ما لا يتعارض مع كتاب الله ﷻ و سنة نبيه ﷺ ، و عليٌ رضي الله عنه ممّن حدّثوا عنهم. (٢) 

✍️ و يبقى جميع ما نقل من الإسرائيليات مصنف تحت قول النبي ﷺ : " لا تُصَدِّقُوا أهْلَ الكِتَابِ ولا تُكَذِّبُوهُمْ وقُولوا: {آمَنَّا باللَّهِ وما أُنْزِلَ} " (٣) ، و هذا التفسير لا يستثنى من ذلك ، أي أنّه من إجتهاد علي رضي الله عنه و رأيه و قناعته الشخصية .

✍️ و ممّا لا شك فيه أنّ القتل من أكبر الكبائر ، فهو بعد الشرك و السحر في السبع الموبقات (٤) ، و ذكر مقروناً بالشرك في القرآن الكريم (٥) ، لكن كبائر الذنب و حتى القتل لا تتسبب في خلود مرتكبها أبدياً في النار إن كان مؤمناً (٦) ، فإن كان مؤمناً فيعذّب في النار فترة طويلة ثم يخرج بإذن الله ﷻ.

✍️من أجل ما ذكرت لكم ، قد عارض بعض أهل العلم (٧) هذا التفسير ؛ و الحق أقول لكم أني أركن إلى معارضتهم هذه ، لأنّ طلب أهل جهنّم لمن أضلهم و تسبب لهم في هذا المصير المشئوم و الخلود الأبدي في جهنّم ، يدل على أنهم يطلبوا مَن أضلهم عقائدياً ، أي الذي أغواهم و دعاهم إلى الكفر ، لأنّ هذا ما يتسبب في الخلود الأبدي في جهنم ، و ليس الخلود و العذاب المؤقت و إن طال.

✍️ و هذا لا يستقيم مع التفسير القائل بأنّ المقصود في الآية المباركة قابيل لأنّه سنّ لهم القتل بغير حق ، لأنّ القتل و إن عظم قبحه ، لا يخلد مقترفه أبدياً في جهنّم إن كان مؤمناً ،  كما بينّا في الفقرات السابقة ؛ من أراء و فتاوى الفقهاء .

✍️ و لكن الأولى بهذا الوصف الدجّال الأعور ، الذي يخرج قبل القيامة و يضل الناس و يفتنهم ، و كنت قد كتبت عدّة مقالات و بينت لكم مدى قدم فتنته و إغوائه للناس (٨) ، و ذلك بمساعدة أعوانه الذين يتواصل معهم إما عن طريق شياطين الجنّ و إما عن طريق الذين وصلوا لجزيرته و فتنوا به و اتبعوه.

✍️ و قد يعارض البعض ذلك ، ظناً في أنّ فتنة الدجّال الأعور ، لا تخص أهل جهنمّ جميعاً و إنما أهل آخر الزمان منهم ، و في الآية الكريمة التي هي محل تدبرنا ، الطلب عام من أهل جهنم جميعاً.

✍️ و الرد على ذلك أنك لو تدبرت ما كتبت من قبل في خبر الدجال و فتنته ، لتجدنّ أنّها قديمة قدم أقدم الحضارات التي نعرف و الدليل على ذلك أمرين ؛ أولهما أنّ نوحاً عليه السلام حذر قومه منه ، و ثانيهما أنّ الإدعاء الباطل بالبنوة لله ﷻ ، قديم قدم الحضارات التي نعرف.

✍️ الخلاصة أنّ الذي أرجحه في تفسير الآية المباركة أن الشياطنين المعنيين هما ؛ إبليس شيطان الجنّ الأكبر و الدجّال شيطان الإنس الأكبر ، و الله تعالى أعلى و أعلم.

🌿 سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك و أتوب إليك 🌿 

------------------------------------------------------------

📖 المراجع :-

(١) صحيح البخاري (٣٣٣٥) ، صحيح مسلم (١٦٧٧)
(٢) أرشيف ملتقى أهل الحديث (١٩٩/١٠)
(٣) صحيح البخاري (٤٤٨٥ ، ٧٥٤٢)
(٤) صحيح البخاري ( ٢٧٦٦ ، ٦٨٥٧) - صحيح مسلم (٨٩)
(٥) آية ٦٨ - سورة الفرقان 
(٦) فتاوى الشبكة الإسلامية ( ١٩٤٠، ٣٦٨٣٥، ٣٦٨٥٨، ٤٨٧٧٤، ٥٧٩٩٨ ) - فتاوى نور على نور - بعناية الشويعر (١٦٧/١٤) - فتاوى ابن تيمية (٧٥٦/١) - فتاوى اللجنة الدائمة (٧٣١/١).
(٧) المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز لابن عطية (١٣/٥)
(٨) انظر مدونة القصص لأبي صلاح / الفتن / مقال الدجال و الفتنة الأعظم كما لم تعرفها من قبل ، مقال رحلة تميم و فتنة الدجّال ، مقال الجزيرة - فتنة الدجّال - و انظر أيضاً مدونة السيرة لأبي صلاح / من أنوار رسول الله ﷺ / فتنة ابن صيّاد - دوبلير الدجّال 

السبت، 23 نوفمبر 2024

آية ١٥٧ - سورة الأعراف

 🌿 ﷽ { الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنجِيلِ يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ ۚ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنزِلَ مَعَهُ ۙ أُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ۝١٥٧ } 🌿

✍️ { الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ } أي الأمة الإسلامية ، الذين يتبعون النبي ﷺ في منهج رسالته خاصة ، و في أمر نبوته عامة ، فالرسالة أخص من النبوة و لذلك قدمها المولى ﷻ في الترتيب.

✍️ و { الْأُمِّيَّ } أي الذي لا يقرأ و لا يكتب ، و هذا لا ينقص من شأن النبي ﷺ و قدره في شيء ، و إنما هذا من دلائل نبوته ، و قد تناولت هذه النقطة تحديداً بالتدارس معكم من قبل (١) .

✍️ { الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنجِيلِ  }  و هذا ثابت و معلوم منذ عهد النبي ﷺ ، فعن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما أنه قال : " أجَلْ ؛ واللَّهِ إنَّه لَمَوْصُوفٌ في التَّوْرَاةِ ببَعْضِ صِفَتِهِ في القُرْآنِ: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا} [الأحزاب - ٤٥] ، وحِرْزًا لِلْأُمِّيِّينَ، أنْتَ عَبْدِي ورَسولِي، سَمَّيْتُكَ المتَوَكِّلَ، ليسَ بفَظٍّ ولَا غَلِيظٍ، ولَا سَخَّابٍ في الأسْوَاقِ، ولَا يَدْفَعُ بالسَّيِّئَةِ السَّيِّئَةَ، ولَكِنْ يَعْفُو ويَغْفِرُ، ولَنْ يَقْبِضَهُ اللَّهُ حتَّى يُقِيمَ به المِلَّةَ العَوْجَاءَ، بأَنْ يَقولوا: لا إلَهَ إلَّا اللَّهُ، ويَفْتَحُ بهَا أعْيُنًا عُمْيًا، وآذَانًا صُمًّا، وقُلُوبًا غُلْفًا. " (٢)

✍️ و ما رُوي عن عبدالله بن عمرو رضي الله عنه ، مذكور في الإصحاح الثاني و الأربعين من سفر إشعياء في التناخ ، فنقرأ فيه ؛ (أنْتَ عَبْدِي) [ هوذا عبدي الذي اعضده ] ( و رَسولِي ) [ مختاري الذي سرّت به نفسي وضعت روحي عليه ] ، ( وحِرْزًا لِلْأُمِّيِّينَ ) [ فيخرج الحق للأمم ] و الحق أنّ الترجمة الصحيحة هي " للأميين" و ليس للأمم ، حيث جاءت في ترجمة الملك جيمس ( the Gentiles ) و هم الأغيار ؛ أي غير اليهود أو الأميين كما كانوا يسمونهم .

✍️ ( ليسَ بفَظٍّ ولَا غَلِيظٍ، ولَا سَخَّابٍ في الأسْوَاقِ، ) [ لا يصيح ولا يرفع ولا يسمع في الشارع صوته] ، ( ولَا يَدْفَعُ بالسَّيِّئَةِ السَّيِّئَةَ، ولَكِنْ يَعْفُو ويَغْفِرُ ) [ قصبة مرضوضة لا يقصف وفتيلة خامدة لا يطفئ ] ،( ولَنْ يَقْبِضَهُ اللَّهُ حتَّى يُقِيمَ به المِلَّةَ العَوْجَاءَ، بأَنْ يَقولوا: لا إلَهَ إلَّا اللَّهُ ) [ الى الامان يخرج الحق. لا يكل ولا ينكسر حتى يضع الحق في الارض وتنتظر الجزائر شريعته ، هكذا يقول الله الرب خالق السموات وناشرها باسط الارض ونتائجها معطي الشعب عليها نسمة والساكنين فيها روحا]. 

✍️ ( سَمَّيْتُكَ المتَوَكِّلَ ) [ انا الرب قد دعوتك بالبر فامسك بيدك واحفظك ( ويَفْتَحُ بهَا أعْيُنًا عُمْيًا، وآذَانًا صُمًّا، وقُلُوبًا غُلْفًا ) واجعلك عهدا للشعب ونورا للامم . لتفتح عيون العمي لتخرج من الحبس المأسورين من بيت السجن الجالسين في الظلمة]. 

✍️ و تركت في الهوامش رابط فيه الرد على من يشكك أو ينكر أنّ هذه النبوءة هي عن النبي ﷺ (٣) ، و النبوءات عن النبي ﷺ في كتب الأولين كثيرة جداً و لمزيد من التفاصيل في هذه الموضوع أنصح لك بقراءة كتاب نبي أرض الجنوب (٤) ، و كتاب المسيح أم المسّيّا. (٥)

✍️ {  يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ } أي بما حسن من الأفعال ، كالصلاة و الزكاة و الصوم ، { وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ } أي ما قبح من الأفعال كالشرك و التدليس و السحر و الزنا ، { وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ } من المأكل و المشرب و الملبس و الزواج ، { وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ } كشرب الخمر و أكل الخنزير و ما إلى غير ذلك من الخبائث .

✍️ { وَيَضَعُ عَنْهُمْ } يضع عن كاهلهم و مسئوليتهم { إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ } أي ما تشددوا فيه على أنفسهم من تكاليف و غالوا فيه من أمر دينهم حتى أصبح مشقة عليهم ، و من يقرأ كتاب الله ﷻ يعلم تماماً أن تلك كانت رسالة النبي ﷺ إلى أهل الكتاب ، و أن هذه هي المنهجية التي اتبعها القرآن الكريم معهم.

✍️ فكان يأمرهم بالمعروف ، فعلي سبيل المثال في هذا الصدد و ليس الحصر ، قال المولى ﷻ : { وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ } (٦) ، و قال ﷻ : { وَاتَّقُوا يَوْمًا لَّا تَجْزِي نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا هُمْ يُنصَرُونَ }. (٧)

✍️ و ينهاهم عن المنكر , فعلي سبيل المثال في هذا الصدد و ليس الحصر ، قال المولى ﷻ :  { يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَأَنتُمْ تَشْهَدُونَ } (٨) ، و قال ﷻ : { يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ } (٩) ، و قال : { وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِن تَأْمَنْهُ بِقِنطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُم مَّنْ إِن تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لَّا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا ۗ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ }. (١٠)

✍️ و يحل لهم الطيبات و يحرم عليهم الخبائث , فعلي سبيل المثال في هذا الصدد و ليس الحصر ، قال المولى ﷻ : { قُل لَّا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَىٰ طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَن يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَّسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ ۚ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ۝١٤٥ وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ ۖ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا إِلَّا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا أَوِ الْحَوَايَا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ ۚ ذَٰلِكَ جَزَيْنَاهُم بِبَغْيِهِمْ ۖ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ }. (١١)

✍️ و يضع عنهم إصرهم و الأغلال التي كانت عليهم ، فعلي سبيل المثال في هذا الصدد و ليس الحصر ، قال المولى ﷻ :  {يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ ۚ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَىٰ مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِّنْهُ ۖ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ۖ وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ ۚ انتَهُوا خَيْرًا لَّكُمْ ۚ إِنَّمَا اللَّهُ إِلَٰهٌ وَاحِدٌ ۖ سُبْحَانَهُ أَن يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ ۘ لَّهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ۗ وَكَفَىٰ بِاللَّهِ وَكِيلًا } (١٢) ، و قال ﷻ : { وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا ۖ فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ ۖ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ } . (١٣)

✍️ { فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ } من بعد البراهين التي أسلفنا ذكرها { وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ } أي عظموه و قدروه قدره ، و عاونوه على أعدائه { وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنزِلَ مَعَهُ ۙ } أي القرآن الكريم { أُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ } فجزاؤهم الجنة خالدين فيها ابدً. 

🌿 سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك و أتوب إليك 🌿 

------------------------------------------------------------

📖 المراجع:-

(١) انظر تفسير آية ١ - سورة العلق

(٢) صحيح البخاري (٢١٢٥ ، ٤٨٣٨) -  و أخرجه الدرامي في مسنده (١٥٧/١) و لكن عن عبدالله بن سلام.

(٣) منتديات اتباع المرسلين / الموضوع : النبي الكريم في أشعياء ٤٢

(٤) كتاب نبي أرض الجنوب لجمال الدين الشرقاوي 

(٥) كتاب المسيح أم المسّيّا لجمال الدين الشرقاوي.

(٦) آية ٤٣ - سورة البقرة              (٧) آية ٤٨ - سورة البقرة

(٨) آية ٧٠ - سورة آل عمران           (٩) آية ٧١ - سورة آل عمران.               (١٠) آية ٧٥ - سورة آل عمران

(١١) آية ١٤٥، ١٤٦ - سورة الأنعام

(١٢) آية ١٧١ - سورة النساء            (١٣) آية ٢٧ - سورة الحديد


الخميس، 14 نوفمبر 2024

آية ٣٧ ، ٣٨ - سورة ص

🌿 ﷽ { وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ ۝٣٧ وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ ۝٣٨ } 🌿

✍️ هذا ممّا أنعم الله ﷻ من صور الملك على نبيه سليمان عليه السلام ، إذ جعل له سلطاناً على الجنّ كما على الإنس .

✍️ { وَالشَّيَاطِينَ } صفة يتصف بها عصاة الجن و كذلك عصاة الإنس ، و قد تناولت ذلك معكم تفصيلاً من قبل (١) ، و في هذا دلالة واضحة على عظيم مُلك سليمان عليه السلام ، إذ كان له سلطان على المردة و الطغاة من الجنّ و الإنس و ليس ضعفائهم و سفهائهم و حسب.

✍️ { كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ } و هما صيغتا مبالغة على وزن فعال ، للدلالة على كثرة الفعل ، فكانوا يتعاونون و يبنون ما شاء من قصور و تماثيل و جفان و قدور عظيمة ، و يغوصون في الأرض و البحر و يستخرجون له الكنوز و الدرر.

✍️ { وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ  } و أولئك الذين عصوا أمر النبي سليمان عليه السلام ، فعاقبهم بذلك ، و عن عبدالله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما أنه قال : " إِنَّ فِي الْبَحْرِ شَيَاطِينَ مَسْجُونَةً أَوْثَقَهَا سُلَيْمَانُ. يُوشِكُ أَنْ تَخْرُجَ فَتَقْرَأَ على الناس قرآنا ". (٢)

✍️ و عن هذا الأثر قال الشيخ ابن باز رحمه الله : " هذا مما تلقاه عن بني إسرائيل -والله أعلم- أخبار بني إسرائيل التي ما جاء فيها نص مما لا يصدق ولا يكذب، هذه من أخبار بني إسرائيل، النبي ﷺ قال: "حدّثوا عن بني إسرائيل ولا حرج".

فالواجب التثبت؛ لأنه قد يأتي شياطين إنس -ما هم شياطين جن- يتكلمون ويعظون ويذكرون ويحللون ما حرم الله، ويحرمون ما أحل الله، يجب الحذر، فلا يؤخذ العلم إلا ممن عرف بالخير والهدى، ما يؤخذ العلم ممن هب ودب ،ولا يعرف حاله، لا.

على أهل الإسلام ألا يأخذوا العلم إلا ممن عرف بالعلم والخير والأمانة، لا يؤخذ العلم من ناس مجهولين لا يدرى عنهم إلا بالدليل، لا بد من الدليل". (٣)

✍️ و قد جعلهم المولى ﷻ كذلك عبرة و ردعاً لغيرهم آنذاك ، لئلا يتشبّهوا بهم في العصيان و التمرد ، ثم يأذن فيخرجوا في ميقات معلوم ، و عسى أنّ ذلك مما يمتحن الله ﷻ به عباده كما أشار الأثر السابق.

✍️{ مُقَرَّنِينَ } أي مبالغ في تكبيلهم (٤) ، و { الْأَصْفَادِ } هي أشد أنواع القيود وثاقاً ، فالسلاسل و الأغلال و الأصفاد جميعها قيود فما يكون الفرق بينهم !!

✍️ السلاسل هي حلقات حديدية للتكبيل و التقييد ، أمّا الأغلال فهي ما غلظ من السلاسل فتوثّق بها اليدين و تجمع إلى العنق ، و ذلك من مجموع ما جاء من صفاتها في القرآن الكريم ، كما جاء في قول المولىﷻ : { وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ ۚ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا ۘ بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ ۚ }(٥) ، و في قوله ﷻ : { إِذِ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَالسَّلَاسِلُ يُسْحَبُونَ }. (٦)

✍️ و أمّا الأصفاد فهي ما غلظ من الأغلال ، إذ توثّق بها كاحلي القدمين و كذلك اليدين و يجمعوا جميعاً إلى العنق ، فلا يملك حينها المكبّل حراكاً (٧) ، لذلك جعلها الله ﷻ جزاءاً لأعتى المجرمين.

✍️ فقال الله ﷻ : { وَتَرَى الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ مُّقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ } (٨) ،  و جعلها للشياطين كما ذكر في الآية موضوع تدبرنا و كذلك روي عن النبي ﷺ إذ قال : " إذا جاءَ رَمَضانُ فُتِّحَتْ أبْوابُ الجَنَّةِ، وغُلِّقَتْ أبْوابُ النَّارِ، وصُفِّدَتِ الشَّياطِينُ ". (٩)

✍️ و عسى أن يكون الدجال من هؤلاء ، فلقد رآه تميم على هذه الصفة (١٠) ، مكبّل بأصفاد من كاحليه و يديه إلى عنقه في جزيرة في البحر ، و الله أعلى و أعلم.

🌿 سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت ، أستغفرك و أتوب إليك 🌿 

------------------------------------------------------------

📖 المراجع :-

(١) انظر تفسير آية ١١٢ - سورة الأنعام
(٢) صحيح مسلم (٧)
(٣) فتاوى الجامع الكبير لابن باز / ما صحة أحاديث تعليم الشياطين الناس أمور دينهم؟
(٤) معجم اللغة المعاصرة لاحمد مختار (١٨٠٥/٣)
(٥) آية ٦٤ - سورة المائدة
(٦) آية ٧٠ - سورة غافر
(٧) انظر تفسير الطبري (٥٣/١٧) ، و انظر أيضاً معجم اللغة المعاصرة لاحمد مختار (١٣٠١/٢)
(٨) آية ٤٩ - سورة إبراهيم
(٩) صحيح مسلم (١٠٧٩)
(١٠) صحيح مسلم (٢٩٤٢) ، جامع الحديث و السُنّة (١٩٠٠٠١/٠٠٠١)

السبت، 26 أكتوبر 2024

آية ٨ - سورة التكاثر

 🌿 { ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ ۝٨ } 🌿

✍️ النعيم هو صيغة مبالغة على وزن "فعيل" من الفعل الثلاثي "نَعَمَ" ، و إذا ما تأملت لتجدنّ أنّ كل نعيم منعّم فيه عبد ، أصله نعمة أنعم الله ﷻ بها عليه ، لذلك قال المولى ﷻ : { وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا ۗ إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ (١) ، فلولا نعمة الصحة مثلاً ؛ ما كنت رزقت و لا تعلمت و لا عملت و لا تزوجت و لا أنجبت و لا عبدت ، و ما إلى غير ذلك من المنافع العظيمة ، فلا تستهن بأي من نعم الله ﷻ عليك و تقلل إياها في نفسك.

✍️ و تشير الآية الكريمة إلى أنّ الله ﷻ سوف يسأل كل منّا فيما تنعم به في الدنيا ، و في كل نعمة أنعم بها عليه ، فيما أفناها ؟!! و بماذا قابل هذه النعمة بالحمد و الشكر أم بالكفر و الجحود ؟!!

✍️ فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال : [ أنّ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " إِنَّ أَوَّلَ مَا يُسْأَلُ عَنْهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَعْنِي الْعَبْدَ مِنَ النَّعِيم أَنْ يُقَالُ لَهُ : أَلَمْ نُصِحَّ لَكَ جِسْمَكَ وَنُرْوِيَكَ مِنَ الْمَاءِ الْبَارِدِ؟ "]. (٢)

✍️ و عنه أيضاً أنه رضي الله عنه قال : [ خَرَجَ رَسولُ اللهِ ﷺ ذَاتَ يَومٍ - أَوْ لَيْلَةٍ - فَإِذَا هو بأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ ، فَقالَ: " ما أَخْرَجَكُما مِن بُيُوتِكُما هذِه السَّاعَةَ؟ " ، قالَا : " الجُوعُ يا رَسولَ اللهِ" ، قالَ: " وَأَنَا، وَالَّذِي نَفْسِي بيَدِهِ، لَأَخْرَجَنِي الَّذي أَخْرَجَكُمَا، قُومُوا " ، فَقَامُوا معهُ، فأتَى رَجُلًا مِنَ الأنْصَارِ فَإِذَا هو ليسَ في بَيْتِهِ، فَلَمَّا رَأَتْهُ المَرْأَةُ، قالَتْ : "مَرْحَبًا وَأَهْلًا " ، فَقالَ لَهَا رَسولُ اللهِ ﷺ : " أَيْنَ فُلَانٌ؟" قالَتْ : " ذَهَبَ يَسْتَعْذِبُ لَنَا مِنَ المَاءِ " ، إذْ جَاءَ الأنْصَارِيُّ ، فَنَظَرَ إلى رَسولِ اللهِ ﷺ وَصَاحِبَيْهِ ، ثُمَّ قالَ : " الحَمْدُ لِلَّهِ ؛ ما أَحَدٌ اليومَ أَكْرَمَ أَضْيَافًا مِنِّي " ] ، قالَ: [ فَانْطَلَقَ، فَجَاءَهُمْ بعِذْقٍ فيه بُسْرٌ وَ تَمْرٌ وَ رُطَبٌ، فَقالَ: " كُلُوا مِن هذِه " ، وَأَخَذَ المُدْيَةَ، فَقالَ له رَسولُ اللهِ ﷺ : " إيَّاكَ وَالْحَلُوبَ " ، فَذَبَحَ لهمْ ، فأكَلُوا مِنَ الشَّاةِ وَمِنْ ذلكَ العِذْقِ وَشَرِبُوا، فَلَمَّا أَنْ شَبِعُوا وَرَوُوا ، قالَ رَسولُ اللهِ ﷺ لأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ : " وَالَّذِي نَفْسِي بيَدِهِ، لَتُسْأَلُنَّ عن هذا النَّعِيمِ يَومَ القِيَامَةِ، أَخْرَجَكُمْ مِن بُيُوتِكُمُ الجُوعُ، ثُمَّ لَمْ تَرْجِعُوا حتَّى أَصَابَكُمْ هذا النَّعِيمُ " ]. (٣)

✍️ و النعيم له صور عديدة ؛ منها ، الأمن و الصحة و العلم و الطعام و الشراب و اللباس و الزينة و التكاثر و المال و البنون ، و غير ذلك من متاع الدنيا ، و إنّ كانت نعمة واحدة فقط من هذه النعم لا يسع ابن آدم إحصاء منافعها ؛ كما أسلفت لكم الذكر ، فكيف الحال إذا ما سُئل في جميع هذه النعم ؟!! فكل هذا مسئول عنه ابن آدم ، فقال المولى ﷻ : { وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ ۚ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَٰئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا }. (٤) 

✍️ و الحذر الحذر أيها المسلم ؛ أن تستهين بسؤال الله ﷻ لك و حسابه ، فإنّ مناقشة الله ﷻ للعبد هلاك و عذاب ؛ فعن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها و عن أبيها أنها قالت : [ أنَّ النبي ﷺ قال: " مَن حُوسِبَ عُذِّبَ " ، قَالَتْ عَائِشَةُ : " فَقُلتُ أوَليسَ يقولُ اللَّهُ تَعَالَى: {فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا} " ، قَالَتْ: فَقَالَ: " إنَّما ذَلِكِ العَرْضُ، ولَكِنْ: مَن نُوقِشَ الحِسَابَ يَهْلِكْ " ]. (٥)

✍️ الخلاصة أنّ هذا السؤال واقع بنا جميعاً لا محال ، و إنّما الاجتهاد في كيفية أن يمر عليك السؤال يسيراً بسلام ، لمثل هذا يعمل العاملون .

✍️ و إذا ما تأملت السؤال و عرفت المراد ، ستجد إن شاء الله تعالى الجواب ، و بما أنّ السؤال كما تبينّا أشكرت النعمة أم كفرتها ، و فيما أفنيتها ، إذن فحل هذه المسألة يكون على وجهين ؛ أولاً أن تشكر الله ﷻ على نعمه و تحمده ، و هذا فرض عين على كل مؤمن ، فقال ﷻ : { فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ(٦) ، و قد تدبرنا سوياً معنى الحمد تفصيلاً من قبل (٧).

✍️ و ثانياً أن تبتغي فيما آتاك الدار الآخرة ، فقد قال ﷻ : { وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ ۖ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا ۖ وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ ۖ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ ۖ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ } (٨) ، فالمال الذي أوتيته مثلاً ليس على علم عندك كما تظن ، و لم ترزق به لتطغى أو تتجبر أو تتفاخر ، و إنّما ابتلاك الله ﷻ به ليرى كيف تصنع ، أتحسن و تشكر ، أم تفجر و تكفر.

✍️ و إذا ما ابتغى العبد فيما أتاه الله ﷻ ، زهد متاع الدنيا و تلك سمة من سمات المتقين ، فالزهد هو الرغبة عن الدنيا و ترك كل ما يشغلك عن طاعة الله ﷻ و محبته ، و هذا لا يعني أبداً التواكل و التخاذل عن الكسب و العمل، و إنما ابتغاء مرضاة الله ﷻ في كل شيء حتى في الكسب و العمل.

✍️ فأهل الزهد و التقوى لا يعملون في الدنيا حباً فيها و ابتغاء حيازتها ، و إنما يكدون فيها صبراً عليها ، لذلك من أغناه الله ﷻ منهم من فضله حمد و شكر و تصدق و سعى في الأرض إصلاحاً ، و من قدر عليه رزقه منهم صبر و رضي و سعى في الأرض يبتغي من فضل الله.

✍️ و من يرغب عن الدنيا قطعاً لا يرغب فيها ، فلا يتصور أبداً أن يجتمع في قلب واحد الزهد مع التعلق بالدنيا و حب الشهوات و انتهاك المحرمات ، كما قال ابن القيم رحمه الله : " القلب المعلق بالشهوات لا يصح له زهد ولا ورع " (٩) ، و على ذلك فإن أول سبيل الزهد هو ترك ما حرم الله ﷻ من القول و الفعل ؛ و هذا أوجبه ، لأنّه ترك المحرمات فرض عين على كل مسلم .

✍️ و الزهد لا يكون أبداً بالتقشف المذموم و رثاثة الهيئة و دروشة المجاذيب ، و لا بالتبتّل في الصوامع و الجبال ، و إطلاق إعتزال الدنيا ، هذا باطل لم يأمر به الله ﷻ ، إنما يحب الله ﷻ  أن يرى أثر نعمته على عباده بغير إسراف ، فقال ﷻ : { وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ }. (١٠) 

✍️ و قد دلّ القرآن الكريم على هذا المفهوم غير مرة ، كما جاء في قوله ﷻ : { قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ ۚ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ ۗ كَذَٰلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ } (١١) ، و قوله ﷻ : { وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا ۖ  }. (٨)

✍️ إنما تلك رهبانية إبتدعها النصارى و تبعهم فيها أشباههم ، فهذه بدعة باطلة و محرمة على المؤمنين ، و قال عنها المولى ﷻ [ وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا ۖ فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ ۖ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ ] (١٢) ، و نهى عنها رسول الله ﷺ فقال : " أَمَا واللَّهِ إنِّي لَأَخْشَاكُمْ لِلَّهِ وأَتْقَاكُمْ له، لَكِنِّي أصُومُ وأُفْطِرُ، وأُصَلِّي وأَرْقُدُ، وأَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ، فمَن رَغِبَ عن سُنَّتي فليسَ مِنِّي ". (١٣) 

✍️ إنّما الزهد ما وقر في القلب من الرغبة عن التنعم في الدنيا ، هكذا كان زهد النبي ﷺ ، فعن عمر رضي الله عنه قال : [ فَدَخَلْتُ علَى رَسُولِ اللهِ  وَهو مُضْطَجِعٌ علَى حَصِيرٍ، فَجَلَسْتُ، فأدْنَى عليه إِزَارَهُ وَليسَ عليه غَيْرُهُ، وإذَا الحَصِيرُ قدْ أَثَّرَ في جَنْبِهِ، فَنَظَرْتُ ببَصَرِي في خِزَانَةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَإِذَا أَنَا بقَبْضَةٍ مِن شَعِيرٍ نَحْوِ الصَّاعِ ، وَمِثْلِهَا قَرَظًا في نَاحِيَةِ الغُرْفَةِ، وإذَا أَفِيقٌ مُعَلَّقٌ ] ، [ قالَ : " فَابْتَدَرَتْ عَيْنَايَ " ، قالَ: " ما يُبْكِيكَ يا ابْنَ الخَطَّابِ؟ " ، قُلتُ : " يا نَبِيَّ اللهِ، وَما لي لا أَبْكِي وَهذا الحَصِيرُ قدْ أَثَّرَ في جَنْبِكَ، وَهذِه خِزَانَتُكَ لا أَرَى فِيهَا إِلَّا ما أَرَى، وَ ذَاكَ قَيْصَرُ وَكِسْرَى في الثِّمَارِ وَالأنْهَارِ ، وَأَنْتَ رَسُولُ اللهِ  وَصَفْوَتُهُ، وَهذِه خِزَانَتُكَ! " ، فَقالَ : " يا ابْنَ الخَطَّابِ، أَلَا تَرْضَى أَنْ تَكُونَ لَنَا الآخِرَةُ وَلَهُمُ الدُّنْيَا؟ " ، قُلتُ: "بَلَى" ] (١٤) ، و في رواية : أُولَئِكَ قَوْمٌ عُجِّلَتْ لهمْ طَيِّبَاتُهُمْ في الحَيَاةِ الدُّنْيَا ] . (١٥) 

✍️ من هذا نتعلم أنّ الزاهد بحق ؛ هو الذي ترك من دنياه ما يضره و ما لا ينفعه في آخرته ، ممّا لا يهم و لا يعني من الكلام و النظر و السؤال و اللقاء و غيره ، لذلك إذا ما تأملت حال الزهاد ، تراهم و قد هانت عليهم أنفسهم في طاعة الله ﷻ و محبته .

✍️ و الزهد على درجتين ؛ الأولى هي الورع ، و ذلك بترك المكروه ؛ و إن كان مباحاً و لا يأثم تاركه ، و التنزّه و الترفٌع عن الشبهات ، و عن ذلك قال رسول الله ﷺ : [ الحَلَالُ بَيِّنٌ، والحَرَامُ بَيِّنٌ، وبيْنَهُما مُشَبَّهَاتٌ لا يَعْلَمُهَا كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ، فَمَنِ اتَّقَى المُشَبَّهَاتِ اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ وعِرْضِهِ ]. (١٦)

✍️ و الثانية بالتقشف المحمود ، و ذلك بترك الترف و البذخ و زخرف الدنيا و زينتها ، و الرغبة عن ثناء الناس و حب ذياع الصيت و الإمارة ، و هذا مما أوصانا به رسول الله ﷺ إذ قال : [ إنَّ البذاذةَ منَ الإيمانِ ] (١٧) ، و البذاذة أي التواضع في الهيئة و الملبس و التحرز عن التأنق و الخيلاء و المغالاة.

✍️ و الفائدة المرجوة مما تدبرنا معاً ، هي الاعتدال في الحياة الدنيا ؛ بغير إسراف و لا قتور ، و زهد متاعها و رجاء الآخرة ، و خير الزهد أخفاه كما قال أهل العلم.

🌿 سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك و أتوب إليك 🌿 

---------------------------------------------------------------

📖 المراجع :-

(١) آية ١٨ ـ سورة النحل
(٢) جامع الحديث و السُنّة (١١٠٠٠٩/٠٠٠٤٢)
(٣) صحيح مسلم (٢٠٣٨)     
(٤) آية ٣٦ - سورة الإسراء
(٥) صحيح البخاري (١٠٣) - صحيح مسلم ( ٢٨٧٦)
(٦) آية ١٥٢ - سورة البقرة         
(٧) انظر تفسير آية " الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ " - سورة الفاتحة
(٨)  آية ٧٧ - سورة القصص      
(٩) الفوائد لابن القيم (ص١٧١)     
(١٠) آية ١١ - سورة الضحى    
(١١) آية ٣٢ - سورة الأعراف
(١٢) آية ٢٧ - سورة الحديد
(١٣) صحيح البخاري (٥٠٦٣) - صحيح مسلم (١٤٠١)
(١٤) صحيح مسلم (١٤٧٩)    
(١٥) صحيح البخاري (٢٤٦٨) 
(١٦) صحيح البخاري (٥٢) - صحيح مسلم (١٥٩٩)
(١٧) فتح الباري لابن حجر (٣٨١/١٠) ، و قال : صحيح

الحمد لله رب العالمين - سورة الفاتحة

 🌿 ﷽ { الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ } 🌿

✍️ الحمد هو الشكر مع الثناء على المشكور ، لذلك فإنّ الحمد أعمّ و أعظم من الشكر ، فالحمد يكون على النعم و غيرها ، أمّا الشكر فيقتصر على النعم و حسب .

✍️ [ الْحَمْدُ لِلَّهِ ] جملة خبرية ، يخبرنا فيها المولى ﷻ أنه المستحق للحمد وحده ، [ رَبِّ الْعَالَمِينَ ] ثناءاً عليه ، و الرب يعني المالك و السيد ، و العالمين جمع عالم ، و بذلك يكون المعنى مالك و سيد كافة العوالم ، ربها و المستحق للعبادة وحده.

✍️ و لحمد الله ﷻ و شكره فوائد جمّة ، فمن حمده زاده ، فقال ﷻ : { وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ ۖ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ } (١) ، و الحمد هو زورق النجاة من غضب الله ﷻ و عذابه ، و عن ذلك قال الله ﷻ : { مَّا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِن شَكَرْتُمْ وَآمَنتُمْ ۚ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا } .  

✍️ و الحمد و الشكر يكونان على ثلاثة أوجه ، أولاً الحمد و الشكر بالقول ، و قد علمنا رسول الله ﷺ أنّ نحمد الله ﷻ في كل حين ، فقال ﷺ : " إذا عَطَسَ أحَدُكُمْ فَلْيَقُلِ: الحَمْدُ لِلَّهِ " (٣) ، و كان ﷺ إذا قام عن فراشه يقول : " الحَمْدُ لِلَّهِ الذي أحْيانا بَعْدَ ما أماتَنا وإلَيْهِ النُّشُورُ " (٤) ، و كان ﷺ إذا فرغ من طعامه يقول : " الحَمْدُ لِلَّهِ الذي كَفَانَا وأَرْوَانَا، غيرَ مَكْفِيٍّ ولَا مَكْفُورٍ ".(٥)

✍️ و الحمد من سمات الأنبياء و الصالحين و كنا تدارسنا ذلك سوياً بالتفصيل في مقال سابق (٦) ؛ و هو دعائهم في جنة الخلد ؛ كما جاء في قوله ﷻ : { وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَٰذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ ۖ } (٧) ، و قوله ﷻ :  { وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ ۖ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ } (٨) ، و قوله ﷻ : { وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ ۖ فَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ }. (٩)

✍️ و ثانياً الحمد و الشكر بالعمل ، كما أشار إليه قوله ﷻ : { اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا ۚ وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ } (١٠) ، و ذلك بالأعمال الصالحة و أداء الفرائض ، كما بين لنا المولى ﷻ في قوله : { وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَىٰ وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ } (١١) ، فشكر الجوارح أداء الفرائض والمحافظة عليها، كالصلاة والصيام والزكاة وحج بيت الله الحرام من استطاع إليه سبيلاً ، والجهاد في سبيل الله بالنفس والمال. (١٢)

✍️ و ثالثاً الحمد و الشكر بالتحدث بنعم الله ﷻ ، كما جاء في قوله ﷻ : { وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ } (١٣) ، فالمولى ﷻ يحب أن يرى أثر نعمته على عباده بغير مغالاة و لا إسراف ، و التحدث بنعمة يكون للثقات من ذوي صاحب هذه النعمة ، و ذلك تقاة للحسد.

🌿 سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت ، أستغفرك و أتوب إليك 🌿 

---------------------------------------------------------------

📖 المراجع :-

(١) آية ٧ - سورة إبراهيم
(٢) آية ١٤٧ - سورة النساء       
(٣) صحيح البخاري (٦٢٢٤)
(٤) صحيح البخاري (٦٣١٢ ، ٧٣٩٤)
(٥) صحيح البخاري (٥٤٩٥)
(٦) مدونة السيرة النبوية لأبي صلاح/ فضائل النبي ﷺ/ لواء الحمد 
(٧) آية ٤٣ - سورة الأعراف     (٨) آية ٣٤ - سورة فاطر  
(٩) آية ٧٤ - سورة الزمر        (١٠) آية ١٣ - سورة سبأ.   (١١) آية ١٩ - سورة النمل
(١٢) مجموع فتاوى ومقالات الشيخ ابن باز (١٦٦/٥)
(١٣) آية ١١ - سورة الضحى

الجمعة، 18 أكتوبر 2024

آية ٦٠ : ٦٤ - سورة الكهف

 🌿 ﷽ { وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِفَتَاهُ لَا أَبْرَحُ حَتَّىٰ أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا ۝٦٠ فَلَمَّا بَلَغَا مَجْمَعَ بَيْنِهِمَا نَسِيَا حُوتَهُمَا فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ سَرَبًا ۝٦١ فَلَمَّا جَاوَزَا قَالَ لِفَتَاهُ آتِنَا غَدَاءَنَا لَقَدْ لَقِينَا مِن سَفَرِنَا هَٰذَا نَصَبًا ۝٦٢ قَالَ أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَمَا أَنسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ ۚ وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَبًا ۝٦٣ قَالَ ذَٰلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ ۚ فَارْتَدَّا عَلَىٰ آثَارِهِمَا قَصَصًا ۝٦٤ } 🌿

✍️ قام موسى عليه السلام فخطب في قومه فذكّرهم و وعظهم ، حتى انخرطت أعينهم في البكاء ، و كان عليه السلام على علم عظيم ، فعجب أحدهم من شدة علم موسى عليه السلام ، فسأله : هل في الأرض أعلم منك !! ، أو من أعلم أهل الأرض!! ، فأجابه عليه السلام : لا ، و أنه هو أعلم أهل الأرض ، فعاتبه المولى ﷻ في ذلك ، إذ لم يرجع الفضل لله تعالى .

✍️ و أمره الله ﷻ أن يمضي حتى يبلغ مجمع البحرين ، فهناك سيجد عبداً من عباد الله ﷻ ؛ هو الخضر عليه السلام ، و عنده من العلم ما هو أكبر من علمه ؛ أي موسى .

✍️ و أمره الله ﷻ أن يأخذ معه حوت ؛ أي سمكة عظيمة ، و أوحى إليه أنّ آية ملاقاته أن يضيع منه حوته و يفقده ، فأخذ موسى معه فتاه عليهما السلام ، و أخذا الحوت في زمبيل أو مكتل و انطلقا به ، كما جاء من خبر هذه القصة في الصحيحين. (١) 

✍️ { وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِفَتَاهُ } و موسى المعني هاهنا ؛ هو كليم الله موسى عليه السلام بلا ريب ، رسول رب العالمين إلى بني إسرائيل ، و من قال بخلاف ذلك فقد افترى على الله كذباً ، و فتاه هو يوشع بن نون عليه السلام (٢) كما قال ابن عباس رضي الله عنهما . (١) 

✍️ { لَا أَبْرَحُ حَتَّىٰ أَبْلُغَ } أي لا أزال أواصل و أتابع السير حتى أصل إلى { مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ } أي مكان إلتقائهما ، و تعددت الأقوال في هذا المكان و أين يقع (٣) ، فقيل أنّه بحر فارس (الخليج العربي) و بحر الروم (البحر المتوسط) ، و قيل أنّه بحر القلزم (البحر الأحمر) و بحر الأردن (البحر الميت).  

✍️ و قيل بحر الكر (بحر قزوين) و الرس (البحر الميت) ، و قيل طنجة في أقصى المغرب حيث التقاء البحر المتوسط بالمحيط عند مضيق جبل طارق ، و قيل بحر العرب و البحر الأحمر عند مضيق باب المندب ، و قيل خليجي السويس و العقبة حيث يلتقيان بمنطقة رأس محمد .

✍️ و من بين ذلك كله أكاد أن أركن قليلاً إلى الرأيين الأخيرين ، و ذلك لسببين ؛ أولاً البحار التي ذكرت في الآراء الأخرى يفصلهما مساحات شاسعة من اليابسة ، ممّا يجعل صفة مجمع البحرين لا تليق بأي منهم . 

✍️و ثانياً المسافة إلى أي من البحار المذكورة في الآراء الأخرى ؛ كبيرة جداً على أن يقطعها موسى و فتاه عليهما السلام سيراً على الأقدام ، و الله أعلى و أعلم.

✍️ { أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا } أي حتى لو مكثت أتابع المسير حقباً متتابعة من الزمن ، و هذا لا يدل إلا على عظيم إيمان نبي الله موسى عليه السلام ، و امتثاله لطاعة أوامر الله ﷻ ، فانظر كيف يؤثر طاعة الله ﷻ على نفسه ، فدلّ كلامه عليه السلام أنّه على أتم الاستعداد أن يمضي حقباً و يفني نفسه طاعةً لله ﷻ.

✍️ { فَلَمَّا بَلَغَا مَجْمَعَ بَيْنِهِمَا } أي وصلا إلى مرادهما و المكان الذي يبغيان ، أويا إلى صخرة للراحة من بعد مشقة المسير ، و غلبهما النوم فناما { نَسِيَا حُوتَهُمَا } أي تركاه ، و ينسب النسيان لكليهما عليهما السلام بالرغم من أنّ يوشع عليه السلام وحده كان حامله ، و ذلك لأنهما سواء في التزود به للمسير ، لذلك فالنسيان ينسب لكليهما.

✍️ و الحوت في المعاجم العربية (٤) هو السمك ؛ خاصةً ما عظم حجمه منه ، و الجمع حيتان و أحوتة ، و منه المحاوتة أي المراوغة ، و الحَوَتَان أي الحَوَمَان حول الشيء ، الحوتاء أي الضخمة الخاصرة ، و الطرية اللحم.

✍️ و من مجموع ذلك ستجد أنّ الكائن إذا ما وصف بلفظ "حوت" ، فسوف يكون لديه القدرة على المراوغة و الحومان ، و كذلك سوف يتسم بضخامة الوسط و طراوة اللحم ، كما هو الوصف بالنسبة للأسماك خاصةً كبيرة الحجم منهم.

✍️ و ليس هناك تعارض بين الرأيين اللذين اخترتهما في تأويل مجمع البحرين ، و بين وجود أسماك بهذا الحجم ، ففي بحر العرب و البحر الأحمر أسماك كثيرة عملاقة ؛ مثل أسماك الهامور و أسماك شمس المحيط و أسماك نابليون.

✍️ { فَاتَّخَذَ } أي الحوت ، حيث دبت فيه الحياة مرة أخرى ، لقد أحياه الذي أنشأ و أحيا كل شيء ، و هو بكل خلق عليم ، سبحانه و كان ذلك عليه يسير ، { فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ } أي مسلكه { فِي الْبَحْرِ سَرَبًا } أي ذهب و انصرف فيه .

✍️ { فَلَمَّا جَاوَزَا } و أكملا المسير بعد مكان الصخرة { قَالَ } موسى عليه السلام { لِفَتَاهُ } يوشع بن نون عليه السلام { آتِنَا غَدَاءَنَا } و الغداء ما يعد للأكل غدوةً ، كما أنّ العشاء ما يعد للأكل عشيةً { لَقَدْ لَقِينَا مِن سَفَرِنَا هَٰذَا نَصَبًا } أي عناءاً و تعباً .

✍️ الشعور بالتعب هو ما دفع موسى عليه السلام للتسائل و التفكر في كونهما قد جاوزا المكان المقصود ، لأن التعب لا يصيب العبد ما دام في طاعة الله ﷻ و يؤدي ما كلفه به (٥) ، { قَالَ } أي يوشع عليه السلام { أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ } أي تركته { وَمَا أَنسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ ۚ } أن أذكره لك و أخبرك بأمره ، { وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ } و هذا دليل على فطنته ، إذ لم يظنّ أنّه سرق أو اختطفه طير ، إنما لاحظ ذلك من أثر انصرافه إلى البحر. 

✍️  { وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَبًا } فكان هذا أمراً عجيباً ليوشع عليه السلام ، أمّا بالنسبة لموسى عليه السلام لم يكن أمر الحوت عحباً ، فقد نبأه بذلك العليم الخبير ، و أنها الآبة و العلامة التي سيجد عندها الخضر عليه السلام ، لذلك قال : { قَالَ ذَٰلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ ۚ } أي هذا ما كنّا نريد ، { فَارْتَدَّا عَلَىٰ آثَارِهِمَا قَصَصًا } أي رجعا تجاه الصخرة ، و هما يقتصان أثرهما .

🌿 سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت ، أستغفرك و أتوب إليك 🌿 

------------------------------------------------------------

📖 المراجع :-

(١) صحيح البخاري (١٢٢ ، ٤٧٢٥ ، ٤٧٢٦ ، ٤٧٢٧) ، و صحيح مسلم (٢٣٨٠).
(٢) قصة يوشع بن نون / قصص الأنبياء/ مدونة القصص لأبي صلاح
(٣) جامع البيان الطبري (٣٠٩/١٥)
(٤) انظر المحكم و المحيط الأعظم لابن سيده (٤٩٣/٣) ، و القاموس المحيط الفيروز آبادي (ص١٥٠) ، و لسان العرب لابن منظور (٤٦٤/١).

الجمعة، 11 أكتوبر 2024

آية ١٠٦ - سورة الإسراء

🌿 ﷽ { وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَىٰ مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنزِيلًا ۝١٠٦ } 🌿

✍️ { وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ } أي قدّرناه و أنزلناه ، فقضينا و فصلنا و حكمنا به ، و فرقنا به بين الحق و الباطل ، { لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ} هذه خلاصة رسالة النبي ﷺ ، بعث بها إلى الناس كافة ، مبلغاً إيّاهم ما شاء المولى ﷻ ، بشيراً للمؤمنين و نذيراً الكافرين ، قال ﷻ : { هَٰذَا بَلَاغٌ لِّلنَّاسِ وَلِيُنذَرُوا بِهِ وَلِيَعْلَمُوا أَنَّمَا هُوَ إِلَٰهٌ وَاحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ ۝٥٢ } (١).

✍️ { عَلَىٰ مُكْثٍ } على مهل و تؤدة ، و هذا تأكيداً على قوله ﷻ : {  لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ ۝١٦ } (٢) ، حيث أمر الله ﷻ النبي ﷺ ألّا يعجل بتلاوة القرآن ، و ألّا يخشى نسيان و لا فوات ، فالقرآن الكريم لا يقرأ كقراءة الجرائد و لا يهزّ هزّ الشعر ، و إنما يرتل موعظة للمتقين ، قال المولى ﷻ: { وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا ۝٤ } (٣).

✍️ { وَنَزَّلْنَاهُ تَنزِيلًا } أنزل القرآن الكريم في ثلاثة و عشرين سنة ، ثلاثة عشر سنة في مكة و عشر سنين في المدينة ، و ذلك تثبيتاً لفؤاد النبي ﷺ و تأييداً لبعثته الشريفة (٤) ، و هذا من أعظم البراهين على أنّ القرآن الكريم كتاب من عند الله ﷻ ، بعكس ما يزعم المشككين.

✍️ لقد أنزل القرآن الكريم على مدار ربع قرن من الزمان تقريباً ، و ليس فيه اختلاف أو تضارب أو تعارض ، قال المولى ﷻ: { أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ ۚ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا ۝٨٢ } (٥) ، لو أنّه كان من عند غير الله ﷻ ، لتغير رأي صاحبه و تغيرت قناعاته و مبادئه و رؤيته لبعض الأمور و تأويلها ، و هذا لا يقع أبداً في كتاب الله ﷻ.

✍️ و تأمل في تدارسنا سوياً لآيات الله ﷻ ، إذ نربط شرح آية نزلت على النبي ﷺ أول بعثته الشريفة بآية أخرى أنزلت عليه  آخر البعثة ، و كما ترى هذا هو حال كتاب الله ﷻ ، كلّما همّوا أن يكذبوه ، وجدوا أن ما اختلفوا فيه ، هو من إعجازه ، { فَتَرَبَّصُوا إِنَّا مَعَكُم مُّتَرَبِّصُونَ }. (٦) 

🌿 سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت ، أستغفرك و أتوب إليك 🌿 

------------------------------------------------------------

📖 المراجع :-

(١) آية ٥٢ - سورة إبراهيم
(٢) آية ١٦ - سورة القيامة
(٣) آية ٤ - سورة المزمل
(٤) آية ٣٢ - سورة الفرقان
(٥) آية ٨٢ - سورة النساء
(٦) آية ٥٢ - سورة التوبة

آية ٣٢ - سورة الفرقان

 🌿 ﷽ { وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً ۚ كَذَٰلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ ۖ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا ۝٣٢ } 🌿

✍️ { وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً } هذا سؤال يطرحه المشركين منذ عهد النبي ﷺ حتى الآن ، كما ترى ملّة الكفر كلها واحدة ، و حججهم الداحضة واحدة ، و وسواسهم الشيطانية واحدة ، تشابهت قلوبهم ، قاتلهم الله أنّى يؤفكون.

✍️ إنّ تنزيل القرآن الكريم جملة واحدة على الله ﷻ ليسير ، سبحانه إنّه على كل شيء قدير ، و هذا قد وقع بالفعل في علم الله ﷻ ، و قد تناولت شرح هذه النقطة تحديداً في شرح معاني سورة القدر . (١)

✍️ أمّا عن تنزيله شيئاً فشيئاً علي النّاس فلذلك فوائد جمّة ؛ أولاً لطف الله ﷻ و الرّفق بالنّاس ، فأيّنا يطيق الالتزام بكافة هذه التكاليف جملة واحدة !! إنما كان التدرج فيما أحلّ الله ﷻ و ما حرّم ، تيسير على المؤمنين.

✍️ ثانياً امتحان القلوب و إقامة الحجج (٢) ، فكم من آية نزلت تمتحن قلوب المؤمنين و تميز الخبيث من الطيب ، كآيات تحويل القبلة مثلاً ، و محاسبة الناس بنواياهم و ما تخفي صدورهم في خواتيم البقرة . (٣)

✍️ ثالثاً برهان ساطع و دليل قاطع على صدق بعثة النبي ﷺ ، و أنّ ذلك الكتاب من عند الله ﷻ ، و أنزل بعلمه بلا ريب ، فكم من آية في كتاب الله تعالى كانت رداً على أسئلة اختبرت بها نبوة محمد ﷺ ، و كم من آية من كتاب الله تعالى قصّت علينا غريباً من خبر الأولين و الآخرين.

✍️ { كَذَٰلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ ۖ  } لتطمئن به و تثبت على الحقّ ، { وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا } أي تلاوة ، و ذلك للتدبر و الموعظة ، و قد تدارسنا هذا في قوله الله ﷻ : { لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَىٰ مُكْثٍ } (٤) أي على مهل و تؤدة ، فهذا الكتاب أعظم ما أنزل المولى ﷻ ، لا عوج فيه و لا اختلاف (٥) ، بشيراً و نذيراً ، لذا يستلزم منّا التدبر و التدارس.

🌿 سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت ، أستغفرك و أتوب إليك 🌿 

------------------------------------------------------------

📖 المراجع :-

(١) انظر تفسير سورة القدر

(٢) انظر تفسير آية ١٠٢ - سورة البقرة ، و تفسير آية ٨٢ - سورة الإسراء ، و تفسير آية ١٧ سورة الدخان .

(٣) انظر تفسير خواتيم البقرة

(٤) انظر تفسير آية ١٠٦ - سورة الإسراء

(٥) انظر تفسير آية ٨٢ - سورة النساء

الجمعة، 4 أكتوبر 2024

١٠٥ - سورة الفيل

🌿 [ أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ ۝١ أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ ۝٢ وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ ۝٣ تَرْمِيهِم بِحِجَارَةٍ مِّن سِجِّيلٍ ۝٤  فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَّأْكُولٍ ۝٥ ] 🌿

✍️ و الله إنّ قليل من كتاب الله ﷻ لكثير ، يُروى به القلب و تُشفى به النفس و تطيب به الروح ، فهذه السورة من خمس آيات ؛ قرأت عنها في أكثر من عشرة كتب ، و كتبتُ لأجلها سبعة مقالات ؛ منها ثلاثة شروح لآيات من سور أخرى ، و خرَّجت حديث شريف ، حتى يتسنى لي أن أشرح معانيها .

✍️و هذا ليس بجديد عليّ مع القرآن الكريم و من يتابع ما أكتب يرى مدى الترابط بين آيات القرآن واضحاً جلياً ؛ فكم من آية من آيات الله ﷻ كتبتُ محاولاً شرحها في عدّة صفحات ؛ مُسندٌ ما كتبت فيها لعشرات المراجع منها آيات أخرى ، و الله ﷻ يشهد أنني حين اكتب كم أجتهد في إيجاز القول قدر إستطاعي.

✍️ لذا داومت على قول أنّ مَن اجتهد في كتاب الله ﷻ فأتمّ الله ﷻ نعمته عليه بحفظ و فقه حتى لو قليل من علومه ؛ فقد ألَمَّ بخير كثير ، و إن كان قد فاته الكثير بلا ريب.

✍️ و أمّا مَن اجتهد فأتمّ الله ﷻ نعمته عليه بحفظ و فقه كثير منه ؛ فقد ألَمَّ بخير كثير ، و إن كان القليل الذي فاته كثير أيضاً ، و هكذا إلى أن يتمّ الله ﷻ نوره عليه و يهديه إلى حفظه و فقهه كلّه ، و هذا هو الفضل العظيم.

✍️ [ أَلَمْ تَرَ ] أيّ ألم تعلم بما جرى لهولاء ، أو ألم يأتك خبر و نبأ ما وقع و حلّ بهم ، و التعبير بلفظ "تَرَ" أقوى لأنّ من شدة أثر ما وقع لهم في النفوس ، يُحكى و يُروى و يكأنّه رأي العين .

✍️ و تحكي لنا السورة المباركة قصة أبرهة الأشرم و ما حلّ به و بجنوده عند محاولته البائسة لهدم بيت الله الحرام (١) ، و كان هدفه المنشود من ذلك هو تحويل الحج إلى القليس التي بناها ، و من ثَمّ تحويل صنعاء إلى مركزاً تجارياً للعرب و أهل الشام بدلاً من مكة ، فحبس الله ﷻ الفيل عن مكة ، و لم يمس البيت أذى. (٢) 

✍️ [ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ ] أي هزمهم وحده سبحانه ، ممّا دلّ على عدم تدخل أهل مكة ، و ذلك لعدم قدرتهم على التصدي للمعتدين ، لأن البيت بالنسبة لقريش بمثابة شرفهم ، و الاعتداء عليه غير مقبول عندهم بالمرة ، إذن فعدم دفاعهم عن البيت من المؤكد أنّه كان لأمر قد أعجزهم و أكبر من قدرتهم و لا قِبَل لهم به.



✍️[ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ ] و هنا يبيّن لنا المولى ﷻ الأمر الذي أعجز قريش ، فلا قِبَل لأهل مكة حينئذ بملاقاة جيش جرّار يتقدمه فيل ضخم ، اصطحبه صاحبه ، رغم تكلفة ذلك الباهظة ، تجبّراً منه و تخويفاً لهم .

✍️ و وصف القرآن الكريم لهم "بِأَصْحَابِ الْفِيلِ" فيه استنكار و استهزاء بهم ، فهذا يعجز و يخوّف قريش ، أما بالنسبة لله ﷻ ، سبحانه القاهر القادر الذي لا يعجزه شيء في الأرض و لا في السماء.

✍️ و يزعم البعض أنّ هذا لم يقع و يستندون إلى أبحاث و تقارير بعثة ريكمانز الأثرية (٣) ، و يكذّبون ما أنزل الله ﷻ ، تعالى الله عمّا يشركون.

✍️ و يُردّ على ذلك بأنّ ما قررته أبحاث هذه البعثة كان يشوبه النقص و يعيبه تناسي حقائق هامة ، فأولاً الأثر التي تستند إليه البعثة في تقريرها ليس واضحاً بسبب ما تعرّض إليه من عوامل التعرية ، و على ذلك فإنّ ترجمته اعتمدت على التخمينات و هذا ما يجعلها معيبة و لا يمكن الجزم بها .


✍️ ثانياً البعثة الملكية السعودية ، من جامعة الملك عبدالعزيز تحرّت حقائق نتائج بعثة ريكمانز ، و أكدت أنّ هناك أثر آخر تناست البعثة التحدث عنه (٣) و هو نفش لمحارب يدعى منسي بن ذرانح ، حارب تحت قيادة أبرهة، و درست البعثة النقشين ، و تبين أنّ النقش يروي أخبار صراع قبلي استغله أبرهة الحبشي في ضرب أعدائه من قبائل نجد. 

✍️ و أنّ أسماء هذه القبائل والأماكن لا صلة بينها وبين تلك التي وردت في الروايات العربية عن حملة الفيل ، و أنّ النقش يسجل أخبار حملة أخرى سبقت حملة الفيل التي أشار إليها القرآن الكريم بفترة تبلغ عشرين سنة.

✍️ ثالثاً إنّ الأثر التي تحدثت عنه بعثة ريكمانز ، لا يتعارض أساساً مع ما جاء في الذكر الحكيم ، لأنّ النقش قبل حادثة الفيل بحوالي عشرين سنة ، أمّا ما سجله المؤرخون أن مُلك أبرهة دام إلى ٥٧١م (٤) ، و هذا موافق لعام الفيل و قد تناولت هذه النقطة بتفصيل أكبر في مقالي عن مولد النبي ﷺ. (٥)

✍️ و كان أبرهة قد غزا اليمن ، و استولى على مُلكها و نشر بها النصرانية بأمر من النجاشي عظيم الحبشة ، ثمّ سعى للاستقلال بها ، و قد أرسله النجاشي على رأس جيش لغزو اليمن انتقاماً من ذي نواس الحميري ؛ بعد أن أحرق المؤمنين من النصارى في الأخاديد ، لأنهم آمنوا بغير دينه إذ أنّه كان يدين باليهودية.

✍️ و يصوّرُ لنا القرآن الكريم عظيم قدرة الله ﷻ ، و  كيف عاقب هؤلاء المجرمين على محاولتهم الإعتداء على بيته المحرم ؛ أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ ] فردّ كيدهم في نُحُورهم لم ينالوا من عُتُوّهم إلا العذاب الأليم.

⚡ و قد يتبادر إلى ذهنك تساؤلاً ، لماذا قد يملأ كل هذا الحقد قلب ملك مثل أبرهة تجاه الكعبة ، و لماذا كعبة مكة تحديداً التي اختار أبرهة هدمها ، و كان للعرب آنذاك نيف و عشرين كعبة !!؟

✍️ كعبة مكة تختلف عن أي كعبة أخرى للعرب ، فهي أول بيت وضع للناس لعبادة الله ﷻ وحده (٦) ، فهذا سبب شرفها و سر قدسيتها ، و هي التي بناها خليل الرحمٰن إبراهيم عليه السلام في المرة الأولى.

✍️ ثم هدمت بالسيل لحكمة يعلمها العزيز الحكيم ؛ فالمرة الأولى بناها نبي كريم ، و كذلك في المرة الثانية أيضا ، حيث شاءت إرادة المولى ﷻ أن يشهد و يقوم على بنائها في المرة الثانية خاتم المرسلين و خليل الرحمٰن أيضاً ﷺ و ينال فضل ذلك ، أمّا عن هدم الكعبة بعد الإسلام فلا يحتاج معجزة أو آية لمنعه.

✍️ فمن ناحية منع الله ﷻ نزول الآيات لتكذيب الناس بها ، كما جاء في قوله ﷻ : { وَمَا مَنَعَنَا أَن نُّرْسِلَ بِالْآيَاتِ إِلَّا أَن كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ ۚ وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِهَا ۚ وَمَا نُرْسِلُ بِالْآيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا }. (٧)

✍️ و من ناحية أخرى أنّ من بعد الإسلام كان قد تبين للنّاس الرشد من الغيّ ، و تولى أمانة البيت المسلمين ، و المرات التي هدمت الكعبة بعد الإسلام كانت إثر منازعات طائفية بين فرق المسلمين ، و بعدها كان يسخر المولى ﷻ من يعيد بنائها.

✍️ و الكعبة حين بناها إبراهيم عليه السلام لم تكن مكعبة الشكل و لا مربعة المساحة ، و إنّما بناها ذات ركنين من جهة ، و مستديرة من الجهة الأخرى ، و طولها أكبر من عرضها و ليس لها سقف ، كما قال رسول الله ﷺ و أراد لأجل ذلك أن يعيد بنائها على هذه الصفة. (٨)

✍️ أيّ لا تشبه معابد القمر و لا الشمس و لا أيّ من هذه التراهات ، و إنّما بُنيت مكعبة بهذا الشكل لمّا تهدّمت قبل بعثة النبي ﷺ على إثر سيل جارف ، و قصرت النفقات بقريش ، فأخرجوا حِجر إسماعيل عليه السلام منها ، و بنوها مربعة المساحة. (٨) (٩)

✍️ و كانت مكة مركزاً تجارياً هاماً بسبب حج العرب إلى الكعبة المشرفة ، لذلك اتجهت إرادة أبرهة إلى هدم هذه الكعبة تحديداً ، لأنّها الأقدس و الأهم عند العرب و ملتقاهم و قبلة حجهم .

✍️ { وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ ۝٣ تَرْمِيهِم بِحِجَارَةٍ مِّن سِجِّيلٍ ۝٤ } بغير جنود منزّلة و لا صواعق مدمّرة ، أهلكهم الواحد القهّار ﷻ ، و هكذا أخذ ربك للظالمين ، يأخذهم أخذ عزيز مقتدر .

✍️ ومعنى "طَيْرًا أَبَابِيلَ" أي طيوراً مجتمعة متتابعة كما رُوي عن مجاهد رحمه الله (١٠) ، أقبلت من نحو البحر كأنها ظلّة من السحاب (١١) ، "تَرْمِيهِم بِحِجَارَةٍ مِّن سِجِّيلٍ" أي من طين متحجر ؛ كما رُوي عن ابن عباس رضي الله عنهما. (١٠)

✍️ و كما ترى الأحداث جليّة و واضحة ، فلا غموض و لا رموز و لا أي من تلك الأباطيل التي يدعيها الجهلة ابتغاء الفتنة و ابتغاء تأويله ، و كنت قد كتبت لكم مقالاً عن مصطلح رمزية القصص ، و بينت بطلان هذا الإدعاء من قبل (١٢).

✍️ و تشككوا قائلين أنّ أبابيل و سجيل ألفاظ ليست عربية ، و هذا إدعاء غير صحيح ، لقول المولى ﷻ : { بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُّبِينٍ } (١٣) ، من الجائز أنّ هذين اللفظين غريبين عن العربية التي تحدثها بني إسماعيل عليه السلام ، و لكن هذا لا يعني أنّهما ليسا عربيين ، لأنّ اللغة العربية أقدم من قدوم إسماعيل عليه السلام إلى مكة ، بل أقدم من العرب العاربة الذي تزوج منهم عليه السلام.

✍️ إنّما هي كانت لسان الأمم البائدة من بعد الطوفان ، كعاد و ثمود ، بل و بالبحث في هذه المسألة ستجد أنّ اللغة العربية هي اللغة الأمم التي تحدثت بها الناس من قبل الطوفان بل و منذ عهد آدم عليه السلام. (١٤) 

✍️ طالما أنّ اللغة العربية هي اللغة الأم التي انبجثت منها سائر الألسنة فلا ألفاظ غريبة عليها لأنها الأصل ، و أما الألفاظ المستعربة في العربية الحديثة ، فهي تعامل معاملة اللفظ العربي ، و هذا من ميزات اللسان العربي ، أنه إذا ما عرب لفظ فاستخدمه ذابت عجمته ، فإذا رجع إلى أهله بالكاد يعرفونه. (١٥)

✍️ { فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَّأْكُولٍ } و العصف هو التبن ، و كعصف مأكول أي تبن أكلته البهائم حتى جعلته متفرقاً عن بعضه البعض ، هكذا كان حال أبرهة لمّا أصابهم مطر العذاب و الحجارة التي رجموا بها.

✍️ و من بقى من أصحاب الفيل أصابه العمى فكانوا يستطعمون الناس في مكة و ذاقوا الذلّ و الهوان ، و أخذتهم حكّة شديدة كان يتساقط بسببها لحمهم. (١٦)

✍️ العجيب في هذه القصة ؛ هو إصرار جماعة من الناس على الكفر و الطغيان بينما تُحسن البهائم الفعل و تتقي غضب رب العالمين ، فكان الفيل إذا ما توجهوا به للكعبة تباطئ ثمّ برك (١٦) ، ألم يكن في ذلك آية لهم لو كانوا يعقلون.

⚡ و ربما يسأل سائل لماذا نصر الله ﷻ قريش المشركين على أبرهة النصراني ؟! 

✍️ و يرد على ذلك أنّ لا فارق بين طاغية مؤمن و طاغية كافر و إنّما العبرة نصرة الحق ، و إغاثة المستضعف المظلوم ، فتلبية دعوة المضطر حق على الله ﷻ ، و هو القائل في كتابه الكريم : { أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ ۗ أَإِلَٰهٌ مَّعَ اللَّهِ ۚ قَلِيلًا مَّا تَذَكَّرُونَ }. (١٧)

✍️ ألم يكن ذي نواس يهودياً من أهل الكتاب ، ألم تر أنّ الله ﷻ قد سلّط عليه من أذاقه الهوان حين طغى و تجبّر ، و حال أبرهة لا يختلف عن ذلك في شيء ، حيث أنّه تحول إلى طاغية بعد أن سجّل عدة انتصارات ، و أكبر دليل على تحوله و تغيره محاولاته للاستقلال عن الحبشة . 

✍️ لقد اغترّ و تجبّر و هذا جليّ في بضع الأثار التي وجدت عنه ، و التي كان يسمى نفسه فيها مسيحاً و يتحدّث فيها عن نفسه كأنّه إله ، سبحان الله و تعالى عمّا يقولون علواً كبيراً.

✍️ من ناحية أخرى من قال أنّ أبرهة كان مؤمناً من الأساس ، إنما كان نسطورياً و على عقيدة فاسدة (١٨) ، فما الفارق بين المشركين الذين أشركوا مع الله ﷻ عدّة آلهة أخرى ، و بين الذين قالوا إنّ الله ثالث ثلاثة أقانيم ، أو الذين قالوا إنّ الله ثاني أقنومين ، تعالى الله عمّا يشركون ، فجميعهم مشركين و على عقيدة غير صحيحة.

🌿 سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك و أتوب إليك 🌿 

------------------------------------------------------------

📖 المراجع :-

(١) انظر السيرة لابن هشام (٥٢/١) ، و انظر البداية و النهاية لابن كثير (٢٩/١) ، و انظر صحيح الأثر و جميل العبر (ص ٧٨).
(٢) عن أبي هريرة أنّ رسول الله ﷺ قال: " إنّ الله حبس عن مكة الفيل ، و سلَّط عليهم رسول الله ﷺ والمؤمنين" - متفق عليه ، صحيح البخاري (١١٢) و صحيح مسلم (١٣٥٥: ٤٤٨)
(٣) مجلة العلوم و الآداب الإنسانية (١/٣) / مقال هل يشير نقش أبرهة الحبشي عند بئر مريغان إلى حملة الفيل ؁١٤١٠ هـ
(٤) المفصل في تاريخ العرب لجواد علي (ص٥٠٣ ، ٥٠٤)
(٥) مدونة السيرة النبوية لأبي صلاح / مقال مولد النبي ﷺ ٢٤ ربيع الأول ؁١٤٤٦هـ 
(٦) انظر تفسير آية ٩٦ ، ٩٧ - سورة آل عمران / مدونة من أنوار الذكر الحكيم لأبي صلاح 
(٧) آية ٥٩ - سورة الإسراء
(٧) صحيح مسلم (١٣٣٣) 
(٨) صحيح البخاري (١٥٨٤)
(١٠) صحيح البخاري (١٧٧/٦)
(١١) المستدرك على الصحيحين (٣٩٧٤) ،و قال الحاكم النيسابوري : هذا حديث صحيح الإسناد و لم يخرجاه ، و وافقه الذهبي في التلخيص و قال : صحيح.
(١٢) مدونة مقالات الشيخ أبو صلاح / مقال رمزية القصص ١٩ ربيع الأول؁١٤٤٦هـ 
(١٣) آية ١٩٥ - سورة الفيل
(١٤) مدونة مقالات الشيخ أبو صلاح / مقال أم اللغات ٢١ ربيع الأول؁١٤٤٦هـ 
(١٥) الإتقان في علوم القرآن للسيوطي (ص٢٨٨)
(١٦) نيل الأوطار (١٩٣/٧) ، أخرجه الشوكاني و قال إسناده حسن 
(١٧) آية ٦٢ - سورة النمل
(١٨) هداية الحيارى في أجوبة اليهود و النصارى لابن القيم (٥٣٦/١)

الأربعاء، 2 أكتوبر 2024

آية ٩٦ ، ٩٧ - سورة آل عمران

🌿 ﷽ { إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِّلْعَالَمِينَ ۝٩٦ فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَّقَامُ إِبْرَاهِيمَ ۖ وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا ۗ وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا ۚ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ ۝٩٧ } 🌿

✍️ { إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ } أي أول بيت بني لعبادة الله ﷻ وحده فهو قبل بيت المقدس بأربعين عاماً (١) ، و عسى أنّ في قرب المدة بينهما دلالة على أنّ بيت المقدس قد بُني أسوة بالبيت الحرام ، و اقتداءاً بإبراهيم و إسماعيل عليهما السلام.

✍️ أمّا ما شُيّد قبل ذلك فقد كانت معابد لآلهة و أصنام المشركين ، كما كان لعاد و ثمود و غيرهم ، لذلك أمر الله ﷻ الخليل و ابنه إسماعيل عليهما السلام ببناء هذا البيت ، حتى يعبد فيه المولى ﷻ وحده ، و كان هذا جليّ في أمره ﷻ لإبراهيم و إسماعيل عليهما السلام قائلاً : { وَعَهِدْنَا إِلَىٰ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَن طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ ۝١٢٥ } . (٢)

✍️ فقال أهل العلم في تأويل { أَن طَهِّرَا بَيْتِيَ } أي من الشرك فلا يكون على غرار معابد أهل الكفر ، و عسى أنّ العلّة من أمر المولى ﷻ ببناء هذا البيت ، هو انتشار الناس في الأرض و تكاثر الأمم بعد الطوفان ، فوضع لهم هذا البيت في هذه البقعة المباركة ، حتى يحجوا إليه و يجتمعوا عنده على عبادة الله ﷻ وحده.

✍️ { لَلَّذِي بِبَكَّةَ } و بكّة هي مكّة ، و هذا من شأن لغة العرب، فكثرة الأسماء لا تدل إلا على شرف المُسمى ، و الميم و الباء حرفين يشتركان في ذات المخرج ، لذلك يستخدمهما العرب و يستبدلونهما بعضهما ببعض (٣) ، و قد سميت بكّة لأنّ فيها بيت الله ﷻ يأتي إليها الناس يتضرعون و يبكون حتى يغفر لهم المولى ﷻ ما تقدّم من ذنوبهم و خطاياهم.

✍️ { مُبَارَكًا } من المولى ﷻ ، فجعله للناس جميعاً على حد سواء مثابة و أمناً ، فقال ﷻ : { وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِّلنَّاسِ وَأَمْنًا } (٢) ، و رزق أهله من كل الثمرات و الخيرات ، و في ذلك قال ﷻ : { أَوَلَمْ نُمَكِّن لَّهُمْ حَرَمًا آمِنًا يُجْبَىٰ إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِّزْقًا مِّن لَّدُنَّا وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ ۝٥٧ } (٤).

✍️ { وَهُدًى لِّلْعَالَمِينَ } فهو قبلة المؤمنين و من عنده خرج النبي ﷺ هدى و نور للناس أجمعين.

✍️ { فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَّقَامُ إِبْرَاهِيمَ ۖ  } يزعم بعض الجهلاء و المشككّين أنّ الكعبة المشرفة ما هي إلا إحدى كعبات العرب ؛ و اللاتي بلغنّ نيف و عشرين كعبة قبل الإسلام ، و لا فضل لها عليهنّ ، و إدعائهم هذا باطل و كاذب كسائر إدعاءاتهم.

✍️ و في هذه الآية المباركة رداً على أباطيلهم ، { فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَّقَامُ إِبْرَاهِيمَ ۖ } ؛ فيه بئر زمزم آية من آيات الله ﷻ ، و فيه مقام الخليل عليه السلام ، و لا يزال لقدميه الشريفين أثر على حجر المقام . (٥) 


✍️ و هو البيت العتيق حيث بُني بيدي خليل الرحمن عليه السلام ، بشهادة شعراء العرب قبل الإسلام (٦) ، و بشهادة كتب الأولين (٧) ، و أمّا كعبات العرب الأخرى فحديثة عهد بالنسبة له ، و إنما بنوها مضاهاة له .(٨) 

✍️ { وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا ۗ } و هذا من فضائل البيت المبارك كما بينت و أسلفت لكم الذكر ، { وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ } حق على عباده المؤمنين و لهذا وضع البيت ، و من أجل ذلك أمر المولى ﷻ إبراهيم عليه السلام ببنائه ، { مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا ۚ } وهذا من لطف المولى ﷻ بعباده ، إذ لا يكلف نفساً إلا وسعها و مقدورها.

✍️ فمن استطاع إليه سبيلاً ؛ أيّ لديه القدرة البدنية و السعة المادية ، فحج فقد أطاع الله تعالى ، و من لم يستطع فلا جناح عليه ، لكن من تولى و كفر { وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ }.

🌿 سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت ، أستغفرك و أتوب إليك 🌿 

-----------------------------------------------------------

📖 المراجع :-

(١) صحيح مسلم (٥٢٠)       

(٢) آية ١٢٥ - سورة البقرة 

(٣) مفردات ألفاظ القرآن للأصفهاني (ص ١٣٠ ، ١٤٠)

(٤) آية ٥٧ - سورة القصص 

(٥) صحيح البخاري (٣٣٦٥)

(٦) مقال الكعبة المشرفة في الشعر الجاهلي لعبد الغني الزيتوني ٣٠/١٢/٢٠٢٣ / موقع مجمع اللغة العربية الأردني.

(٧) نبي أرض الجنوب الشرقاوي (ص ١٨ : ١٠٩)

(٨) المفصل في تاريخ العرب قبل الاسلام لجواد علي.