🌿 ﷽ [ أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ ١ أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ ٢ وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ ٣ تَرْمِيهِم بِحِجَارَةٍ مِّن سِجِّيلٍ ٤ فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَّأْكُولٍ ٥ ] 🌿
✍️ و الله إنّ قليل من كتاب الله ﷻ لكثير ، يُروى به القلب و تُشفى به النفس و تطيب به الروح ، فهذه السورة من خمس آيات ؛ قرأت عنها في أكثر من عشرة كتب ، و كتبتُ لأجلها سبعة مقالات ؛ منها ثلاثة شروح لآيات من سور أخرى ، و خرَّجت حديث شريف ، حتى يتسنى لي أن أشرح معانيها .
✍️و هذا ليس بجديد عليّ مع القرآن الكريم و من يتابع ما أكتب يرى مدى الترابط بين آيات القرآن واضحاً جلياً ؛ فكم من آية من آيات الله ﷻ كتبتُ محاولاً شرحها في عدّة صفحات ؛ مُسندٌ ما كتبت فيها لعشرات المراجع منها آيات أخرى ، و الله ﷻ يشهد أنني حين اكتب كم أجتهد في إيجاز القول قدر إستطاعي.
✍️ لذا داومت على قول أنّ مَن اجتهد في كتاب الله ﷻ فأتمّ الله ﷻ نعمته عليه بحفظ و فقه حتى لو قليل من علومه ؛ فقد ألَمَّ بخير كثير ، و إن كان قد فاته الكثير بلا ريب.
✍️ و أمّا مَن اجتهد فأتمّ الله ﷻ نعمته عليه بحفظ و فقه كثير منه ؛ فقد ألَمَّ بخير كثير ، و إن كان القليل الذي فاته كثير أيضاً ، و هكذا إلى أن يتمّ الله ﷻ نوره عليه و يهديه إلى حفظه و فقهه كلّه ، و هذا هو الفضل العظيم.
✍️ [ أَلَمْ تَرَ ] أيّ ألم تعلم بما جرى لهولاء ، أو ألم يأتك خبر و نبأ ما وقع و حلّ بهم ، و التعبير بلفظ "تَرَ" أقوى لأنّ من شدة أثر ما وقع لهم في النفوس ، يُحكى و يُروى و يكأنّه رأي العين .
✍️ و تحكي لنا السورة المباركة قصة أبرهة الأشرم و ما حلّ به و بجنوده عند محاولته البائسة لهدم بيت الله الحرام (١) ، و كان هدفه المنشود من ذلك هو تحويل الحج إلى القليس التي بناها ، و من ثَمّ تحويل صنعاء إلى مركزاً تجارياً للعرب و أهل الشام بدلاً من مكة ، فحبس الله ﷻ الفيل عن مكة ، و لم يمس البيت أذى. (٢)
✍️ [ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ ] أي هزمهم وحده سبحانه ، ممّا دلّ على عدم تدخل أهل مكة ، و ذلك لعدم قدرتهم على التصدي للمعتدين ، لأن البيت بالنسبة لقريش بمثابة شرفهم ، و الاعتداء عليه غير مقبول عندهم بالمرة ، إذن فعدم دفاعهم عن البيت من المؤكد أنّه كان لأمر قد أعجزهم و أكبر من قدرتهم و لا قِبَل لهم به.
✍️[ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ ] و هنا يبيّن لنا المولى ﷻ الأمر الذي أعجز قريش ، فلا قِبَل لأهل مكة حينئذ بملاقاة جيش جرّار يتقدمه فيل ضخم ، اصطحبه صاحبه ، رغم تكلفة ذلك الباهظة ، تجبّراً منه و تخويفاً لهم .
✍️ و وصف القرآن الكريم لهم "بِأَصْحَابِ الْفِيلِ" فيه استنكار و استهزاء بهم ، فهذا يعجز و يخوّف قريش ، أما بالنسبة لله ﷻ ، سبحانه القاهر القادر الذي لا يعجزه شيء في الأرض و لا في السماء.
✍️ و يزعم البعض أنّ هذا لم يقع و يستندون إلى أبحاث و تقارير بعثة ريكمانز الأثرية (٣) ، و يكذّبون ما أنزل الله ﷻ ، تعالى الله عمّا يشركون.
✍️ و يُردّ على ذلك بأنّ ما قررته أبحاث هذه البعثة كان يشوبه النقص و يعيبه تناسي حقائق هامة ، فأولاً الأثر التي تستند إليه البعثة في تقريرها ليس واضحاً بسبب ما تعرّض إليه من عوامل التعرية ، و على ذلك فإنّ ترجمته اعتمدت على التخمينات و هذا ما يجعلها معيبة و لا يمكن الجزم بها .
✍️ ثانياً البعثة الملكية السعودية ، من جامعة الملك عبدالعزيز تحرّت حقائق نتائج بعثة ريكمانز ، و أكدت أنّ هناك أثر آخر تناست البعثة التحدث عنه (٣) و هو نفش لمحارب يدعى منسي بن ذرانح ، حارب تحت قيادة أبرهة، و درست البعثة النقشين ، و تبين أنّ النقش يروي أخبار صراع قبلي استغله أبرهة الحبشي في ضرب أعدائه من قبائل نجد.
✍️ و أنّ أسماء هذه القبائل والأماكن لا صلة بينها وبين تلك التي وردت في الروايات العربية عن حملة الفيل ، و أنّ النقش يسجل أخبار حملة أخرى سبقت حملة الفيل التي أشار إليها القرآن الكريم بفترة تبلغ عشرين سنة.
✍️ ثالثاً إنّ الأثر التي تحدثت عنه بعثة ريكمانز ، لا يتعارض أساساً مع ما جاء في الذكر الحكيم ، لأنّ النقش قبل حادثة الفيل بحوالي عشرين سنة ، أمّا ما سجله المؤرخون أن مُلك أبرهة دام إلى ٥٧١م (٤) ، و هذا موافق لعام الفيل و قد تناولت هذه النقطة بتفصيل أكبر في مقالي عن مولد النبي ﷺ. (٥)
✍️ و كان أبرهة قد غزا اليمن ، و استولى على مُلكها و نشر بها النصرانية بأمر من النجاشي عظيم الحبشة ، ثمّ سعى للاستقلال بها ، و قد أرسله النجاشي على رأس جيش لغزو اليمن انتقاماً من ذي نواس الحميري ؛ بعد أن أحرق المؤمنين من النصارى في الأخاديد ، لأنهم آمنوا بغير دينه إذ أنّه كان يدين باليهودية.
✍️ و يصوّرُ لنا القرآن الكريم عظيم قدرة الله ﷻ ، و كيف عاقب هؤلاء المجرمين على محاولتهم الإعتداء على بيته المحرم ؛ [ أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ ] فردّ كيدهم في نُحُورهم لم ينالوا من عُتُوّهم إلا العذاب الأليم.
⚡ و قد يتبادر إلى ذهنك تساؤلاً ، لماذا قد يملأ كل هذا الحقد قلب ملك مثل أبرهة تجاه الكعبة ، و لماذا كعبة مكة تحديداً التي اختار أبرهة هدمها ، و كان للعرب آنذاك نيف و عشرين كعبة !!؟
✍️ كعبة مكة تختلف عن أي كعبة أخرى للعرب ، فهي أول بيت وضع للناس لعبادة الله ﷻ وحده (٦) ، فهذا سبب شرفها و سر قدسيتها ، و هي التي بناها خليل الرحمٰن إبراهيم عليه السلام في المرة الأولى.
✍️ ثم هدمت بالسيل لحكمة يعلمها العزيز الحكيم ؛ فالمرة الأولى بناها نبي كريم ، و كذلك في المرة الثانية أيضا ، حيث شاءت إرادة المولى ﷻ أن يشهد و يقوم على بنائها في المرة الثانية خاتم المرسلين و خليل الرحمٰن أيضاً ﷺ و ينال فضل ذلك ، أمّا عن هدم الكعبة بعد الإسلام فلا يحتاج معجزة أو آية لمنعه.
✍️ فمن ناحية منع الله ﷻ نزول الآيات لتكذيب الناس بها ، كما جاء في قوله ﷻ : { وَمَا مَنَعَنَا أَن نُّرْسِلَ بِالْآيَاتِ إِلَّا أَن كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ ۚ وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِهَا ۚ وَمَا نُرْسِلُ بِالْآيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا }. (٧)
✍️ و من ناحية أخرى أنّ من بعد الإسلام كان قد تبين للنّاس الرشد من الغيّ ، و تولى أمانة البيت المسلمين ، و المرات التي هدمت الكعبة بعد الإسلام كانت إثر منازعات طائفية بين فرق المسلمين ، و بعدها كان يسخر المولى ﷻ من يعيد بنائها.
✍️ و الكعبة حين بناها إبراهيم عليه السلام لم تكن مكعبة الشكل و لا مربعة المساحة ، و إنّما بناها ذات ركنين من جهة ، و مستديرة من الجهة الأخرى ، و طولها أكبر من عرضها و ليس لها سقف ، كما قال رسول الله ﷺ و أراد لأجل ذلك أن يعيد بنائها على هذه الصفة. (٨)
✍️ أيّ لا تشبه معابد القمر و لا الشمس و لا أيّ من هذه التراهات ، و إنّما بُنيت مكعبة بهذا الشكل لمّا تهدّمت قبل بعثة النبي ﷺ على إثر سيل جارف ، و قصرت النفقات بقريش ، فأخرجوا حِجر إسماعيل عليه السلام منها ، و بنوها مربعة المساحة. (٨) (٩)
✍️ و كانت مكة مركزاً تجارياً هاماً بسبب حج العرب إلى الكعبة المشرفة ، لذلك اتجهت إرادة أبرهة إلى هدم هذه الكعبة تحديداً ، لأنّها الأقدس و الأهم عند العرب و ملتقاهم و قبلة حجهم .
✍️ { وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ ٣ تَرْمِيهِم بِحِجَارَةٍ مِّن سِجِّيلٍ ٤ } بغير جنود منزّلة و لا صواعق مدمّرة ، أهلكهم الواحد القهّار ﷻ ، و هكذا أخذ ربك للظالمين ، يأخذهم أخذ عزيز مقتدر .
✍️ ومعنى "طَيْرًا أَبَابِيلَ" أي طيوراً مجتمعة متتابعة كما رُوي عن مجاهد رحمه الله (١٠) ، أقبلت من نحو البحر كأنها ظلّة من السحاب (١١) ، "تَرْمِيهِم بِحِجَارَةٍ مِّن سِجِّيلٍ" أي من طين متحجر ؛ كما رُوي عن ابن عباس رضي الله عنهما. (١٠)
✍️ و كما ترى الأحداث جليّة و واضحة ، فلا غموض و لا رموز و لا أي من تلك الأباطيل التي يدعيها الجهلة ابتغاء الفتنة و ابتغاء تأويله ، و كنت قد كتبت لكم مقالاً عن مصطلح رمزية القصص ، و بينت بطلان هذا الإدعاء من قبل (١٢).
✍️ و تشككوا قائلين أنّ أبابيل و سجيل ألفاظ ليست عربية ، و هذا إدعاء غير صحيح ، لقول المولى ﷻ : { بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُّبِينٍ } (١٣) ، من الجائز أنّ هذين اللفظين غريبين عن العربية التي تحدثها بني إسماعيل عليه السلام ، و لكن هذا لا يعني أنّهما ليسا عربيين ، لأنّ اللغة العربية أقدم من قدوم إسماعيل عليه السلام إلى مكة ، بل أقدم من العرب العاربة الذي تزوج منهم عليه السلام.
✍️ إنّما هي كانت لسان الأمم البائدة من بعد الطوفان ، كعاد و ثمود ، بل و بالبحث في هذه المسألة ستجد أنّ اللغة العربية هي اللغة الأمم التي تحدثت بها الناس من قبل الطوفان بل و منذ عهد آدم عليه السلام. (١٤)
✍️ طالما أنّ اللغة العربية هي اللغة الأم التي انبجثت منها سائر الألسنة فلا ألفاظ غريبة عليها لأنها الأصل ، و أما الألفاظ المستعربة في العربية الحديثة ، فهي تعامل معاملة اللفظ العربي ، و هذا من ميزات اللسان العربي ، أنه إذا ما عرب لفظ فاستخدمه ذابت عجمته ، فإذا رجع إلى أهله بالكاد يعرفونه. (١٥)
✍️ { فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَّأْكُولٍ } و العصف هو التبن ، و كعصف مأكول أي تبن أكلته البهائم حتى جعلته متفرقاً عن بعضه البعض ، هكذا كان حال أبرهة لمّا أصابهم مطر العذاب و الحجارة التي رجموا بها.
✍️ و من بقى من أصحاب الفيل أصابه العمى فكانوا يستطعمون الناس في مكة و ذاقوا الذلّ و الهوان ، و أخذتهم حكّة شديدة كان يتساقط بسببها لحمهم. (١٦)
✍️ العجيب في هذه القصة ؛ هو إصرار جماعة من الناس على الكفر و الطغيان بينما تُحسن البهائم الفعل و تتقي غضب رب العالمين ، فكان الفيل إذا ما توجهوا به للكعبة تباطئ ثمّ برك (١٦) ، ألم يكن في ذلك آية لهم لو كانوا يعقلون.
⚡ و ربما يسأل سائل لماذا نصر الله ﷻ قريش المشركين على أبرهة النصراني ؟!
✍️ و يرد على ذلك أنّ لا فارق بين طاغية مؤمن و طاغية كافر و إنّما العبرة نصرة الحق ، و إغاثة المستضعف المظلوم ، فتلبية دعوة المضطر حق على الله ﷻ ، و هو القائل في كتابه الكريم : { أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ ۗ أَإِلَٰهٌ مَّعَ اللَّهِ ۚ قَلِيلًا مَّا تَذَكَّرُونَ }. (١٧)
✍️ ألم يكن ذي نواس يهودياً من أهل الكتاب ، ألم تر أنّ الله ﷻ قد سلّط عليه من أذاقه الهوان حين طغى و تجبّر ، و حال أبرهة لا يختلف عن ذلك في شيء ، حيث أنّه تحول إلى طاغية بعد أن سجّل عدة انتصارات ، و أكبر دليل على تحوله و تغيره محاولاته للاستقلال عن الحبشة .
✍️ لقد اغترّ و تجبّر و هذا جليّ في بضع الأثار التي وجدت عنه ، و التي كان يسمى نفسه فيها مسيحاً و يتحدّث فيها عن نفسه كأنّه إله ، سبحان الله و تعالى عمّا يقولون علواً كبيراً.
✍️ من ناحية أخرى من قال أنّ أبرهة كان مؤمناً من الأساس ، إنما كان نسطورياً و على عقيدة فاسدة (١٨) ، فما الفارق بين المشركين الذين أشركوا مع الله ﷻ عدّة آلهة أخرى ، و بين الذين قالوا إنّ الله ثالث ثلاثة أقانيم ، أو الذين قالوا إنّ الله ثاني أقنومين ، تعالى الله عمّا يشركون ، فجميعهم مشركين و على عقيدة غير صحيحة.
🌿 سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك و أتوب إليك 🌿
------------------------------------------------------------
📖 المراجع :-
(٢) عن أبي هريرة أنّ رسول الله ﷺ قال: " إنّ الله حبس عن مكة الفيل ، و سلَّط عليهم رسول الله ﷺ والمؤمنين" - متفق عليه ، صحيح البخاري (١١٢) و صحيح مسلم (١٣٥٥: ٤٤٨)
(٣) مجلة العلوم و الآداب الإنسانية (١/٣) / مقال هل يشير نقش أبرهة الحبشي عند بئر مريغان إلى حملة الفيل ١٤١٠ هـ
(٤) المفصل في تاريخ العرب لجواد علي (ص٥٠٣ ، ٥٠٤)
(٥) مدونة السيرة النبوية لأبي صلاح / مقال مولد النبي ﷺ ٢٤ ربيع الأول ١٤٤٦هـ
(٦) انظر تفسير آية ٩٦ ، ٩٧ - سورة آل عمران / مدونة من أنوار الذكر الحكيم لأبي صلاح
(٧) آية ٥٩ - سورة الإسراء
(٧) صحيح مسلم (١٣٣٣)
(٨) صحيح البخاري (١٥٨٤)
(١٠) صحيح البخاري (١٧٧/٦)
(١١) المستدرك على الصحيحين (٣٩٧٤) ،و قال الحاكم النيسابوري : هذا حديث صحيح الإسناد و لم يخرجاه ، و وافقه الذهبي في التلخيص و قال : صحيح.
(١٢) مدونة مقالات الشيخ أبو صلاح / مقال رمزية القصص ١٩ ربيع الأول١٤٤٦هـ
(١٣) آية ١٩٥ - سورة الفيل
(١٤) مدونة مقالات الشيخ أبو صلاح / مقال أم اللغات ٢١ ربيع الأول١٤٤٦هـ
(١٥) الإتقان في علوم القرآن للسيوطي (ص٢٨٨)
(١٦) نيل الأوطار (١٩٣/٧) ، أخرجه الشوكاني و قال إسناده حسن
(١٧) آية ٦٢ - سورة النمل
(١٨) هداية الحيارى في أجوبة اليهود و النصارى لابن القيم (٥٣٦/١)
%20(25).jpeg)
%20(24).jpeg)

