السبت، 26 أكتوبر 2024

آية ٨ - سورة التكاثر

 🌿 { ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ ۝٨ } 🌿

✍️ النعيم هو صيغة مبالغة على وزن "فعيل" من الفعل الثلاثي "نَعَمَ" ، و إذا ما تأملت لتجدنّ أنّ كل نعيم منعّم فيه عبد ، أصله نعمة أنعم الله ﷻ بها عليه ، لذلك قال المولى ﷻ : { وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا ۗ إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ (١) ، فلولا نعمة الصحة مثلاً ؛ ما كنت رزقت و لا تعلمت و لا عملت و لا تزوجت و لا أنجبت و لا عبدت ، و ما إلى غير ذلك من المنافع العظيمة ، فلا تستهن بأي من نعم الله ﷻ عليك و تقلل إياها في نفسك.

✍️ و تشير الآية الكريمة إلى أنّ الله ﷻ سوف يسأل كل منّا فيما تنعم به في الدنيا ، و في كل نعمة أنعم بها عليه ، فيما أفناها ؟!! و بماذا قابل هذه النعمة بالحمد و الشكر أم بالكفر و الجحود ؟!!

✍️ فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال : [ أنّ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " إِنَّ أَوَّلَ مَا يُسْأَلُ عَنْهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَعْنِي الْعَبْدَ مِنَ النَّعِيم أَنْ يُقَالُ لَهُ : أَلَمْ نُصِحَّ لَكَ جِسْمَكَ وَنُرْوِيَكَ مِنَ الْمَاءِ الْبَارِدِ؟ "]. (٢)

✍️ و عنه أيضاً أنه رضي الله عنه قال : [ خَرَجَ رَسولُ اللهِ ﷺ ذَاتَ يَومٍ - أَوْ لَيْلَةٍ - فَإِذَا هو بأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ ، فَقالَ: " ما أَخْرَجَكُما مِن بُيُوتِكُما هذِه السَّاعَةَ؟ " ، قالَا : " الجُوعُ يا رَسولَ اللهِ" ، قالَ: " وَأَنَا، وَالَّذِي نَفْسِي بيَدِهِ، لَأَخْرَجَنِي الَّذي أَخْرَجَكُمَا، قُومُوا " ، فَقَامُوا معهُ، فأتَى رَجُلًا مِنَ الأنْصَارِ فَإِذَا هو ليسَ في بَيْتِهِ، فَلَمَّا رَأَتْهُ المَرْأَةُ، قالَتْ : "مَرْحَبًا وَأَهْلًا " ، فَقالَ لَهَا رَسولُ اللهِ ﷺ : " أَيْنَ فُلَانٌ؟" قالَتْ : " ذَهَبَ يَسْتَعْذِبُ لَنَا مِنَ المَاءِ " ، إذْ جَاءَ الأنْصَارِيُّ ، فَنَظَرَ إلى رَسولِ اللهِ ﷺ وَصَاحِبَيْهِ ، ثُمَّ قالَ : " الحَمْدُ لِلَّهِ ؛ ما أَحَدٌ اليومَ أَكْرَمَ أَضْيَافًا مِنِّي " ] ، قالَ: [ فَانْطَلَقَ، فَجَاءَهُمْ بعِذْقٍ فيه بُسْرٌ وَ تَمْرٌ وَ رُطَبٌ، فَقالَ: " كُلُوا مِن هذِه " ، وَأَخَذَ المُدْيَةَ، فَقالَ له رَسولُ اللهِ ﷺ : " إيَّاكَ وَالْحَلُوبَ " ، فَذَبَحَ لهمْ ، فأكَلُوا مِنَ الشَّاةِ وَمِنْ ذلكَ العِذْقِ وَشَرِبُوا، فَلَمَّا أَنْ شَبِعُوا وَرَوُوا ، قالَ رَسولُ اللهِ ﷺ لأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ : " وَالَّذِي نَفْسِي بيَدِهِ، لَتُسْأَلُنَّ عن هذا النَّعِيمِ يَومَ القِيَامَةِ، أَخْرَجَكُمْ مِن بُيُوتِكُمُ الجُوعُ، ثُمَّ لَمْ تَرْجِعُوا حتَّى أَصَابَكُمْ هذا النَّعِيمُ " ]. (٣)

✍️ و النعيم له صور عديدة ؛ منها ، الأمن و الصحة و العلم و الطعام و الشراب و اللباس و الزينة و التكاثر و المال و البنون ، و غير ذلك من متاع الدنيا ، و إنّ كانت نعمة واحدة فقط من هذه النعم لا يسع ابن آدم إحصاء منافعها ؛ كما أسلفت لكم الذكر ، فكيف الحال إذا ما سُئل في جميع هذه النعم ؟!! فكل هذا مسئول عنه ابن آدم ، فقال المولى ﷻ : { وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ ۚ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَٰئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا }. (٤) 

✍️ و الحذر الحذر أيها المسلم ؛ أن تستهين بسؤال الله ﷻ لك و حسابه ، فإنّ مناقشة الله ﷻ للعبد هلاك و عذاب ؛ فعن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها و عن أبيها أنها قالت : [ أنَّ النبي ﷺ قال: " مَن حُوسِبَ عُذِّبَ " ، قَالَتْ عَائِشَةُ : " فَقُلتُ أوَليسَ يقولُ اللَّهُ تَعَالَى: {فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا} " ، قَالَتْ: فَقَالَ: " إنَّما ذَلِكِ العَرْضُ، ولَكِنْ: مَن نُوقِشَ الحِسَابَ يَهْلِكْ " ]. (٥)

✍️ الخلاصة أنّ هذا السؤال واقع بنا جميعاً لا محال ، و إنّما الاجتهاد في كيفية أن يمر عليك السؤال يسيراً بسلام ، لمثل هذا يعمل العاملون .

✍️ و إذا ما تأملت السؤال و عرفت المراد ، ستجد إن شاء الله تعالى الجواب ، و بما أنّ السؤال كما تبينّا أشكرت النعمة أم كفرتها ، و فيما أفنيتها ، إذن فحل هذه المسألة يكون على وجهين ؛ أولاً أن تشكر الله ﷻ على نعمه و تحمده ، و هذا فرض عين على كل مؤمن ، فقال ﷻ : { فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ(٦) ، و قد تدبرنا سوياً معنى الحمد تفصيلاً من قبل (٧).

✍️ و ثانياً أن تبتغي فيما آتاك الدار الآخرة ، فقد قال ﷻ : { وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ ۖ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا ۖ وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ ۖ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ ۖ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ } (٨) ، فالمال الذي أوتيته مثلاً ليس على علم عندك كما تظن ، و لم ترزق به لتطغى أو تتجبر أو تتفاخر ، و إنّما ابتلاك الله ﷻ به ليرى كيف تصنع ، أتحسن و تشكر ، أم تفجر و تكفر.

✍️ و إذا ما ابتغى العبد فيما أتاه الله ﷻ ، زهد متاع الدنيا و تلك سمة من سمات المتقين ، فالزهد هو الرغبة عن الدنيا و ترك كل ما يشغلك عن طاعة الله ﷻ و محبته ، و هذا لا يعني أبداً التواكل و التخاذل عن الكسب و العمل، و إنما ابتغاء مرضاة الله ﷻ في كل شيء حتى في الكسب و العمل.

✍️ فأهل الزهد و التقوى لا يعملون في الدنيا حباً فيها و ابتغاء حيازتها ، و إنما يكدون فيها صبراً عليها ، لذلك من أغناه الله ﷻ منهم من فضله حمد و شكر و تصدق و سعى في الأرض إصلاحاً ، و من قدر عليه رزقه منهم صبر و رضي و سعى في الأرض يبتغي من فضل الله.

✍️ و من يرغب عن الدنيا قطعاً لا يرغب فيها ، فلا يتصور أبداً أن يجتمع في قلب واحد الزهد مع التعلق بالدنيا و حب الشهوات و انتهاك المحرمات ، كما قال ابن القيم رحمه الله : " القلب المعلق بالشهوات لا يصح له زهد ولا ورع " (٩) ، و على ذلك فإن أول سبيل الزهد هو ترك ما حرم الله ﷻ من القول و الفعل ؛ و هذا أوجبه ، لأنّه ترك المحرمات فرض عين على كل مسلم .

✍️ و الزهد لا يكون أبداً بالتقشف المذموم و رثاثة الهيئة و دروشة المجاذيب ، و لا بالتبتّل في الصوامع و الجبال ، و إطلاق إعتزال الدنيا ، هذا باطل لم يأمر به الله ﷻ ، إنما يحب الله ﷻ  أن يرى أثر نعمته على عباده بغير إسراف ، فقال ﷻ : { وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ }. (١٠) 

✍️ و قد دلّ القرآن الكريم على هذا المفهوم غير مرة ، كما جاء في قوله ﷻ : { قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ ۚ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ ۗ كَذَٰلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ } (١١) ، و قوله ﷻ : { وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا ۖ  }. (٨)

✍️ إنما تلك رهبانية إبتدعها النصارى و تبعهم فيها أشباههم ، فهذه بدعة باطلة و محرمة على المؤمنين ، و قال عنها المولى ﷻ [ وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا ۖ فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ ۖ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ ] (١٢) ، و نهى عنها رسول الله ﷺ فقال : " أَمَا واللَّهِ إنِّي لَأَخْشَاكُمْ لِلَّهِ وأَتْقَاكُمْ له، لَكِنِّي أصُومُ وأُفْطِرُ، وأُصَلِّي وأَرْقُدُ، وأَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ، فمَن رَغِبَ عن سُنَّتي فليسَ مِنِّي ". (١٣) 

✍️ إنّما الزهد ما وقر في القلب من الرغبة عن التنعم في الدنيا ، هكذا كان زهد النبي ﷺ ، فعن عمر رضي الله عنه قال : [ فَدَخَلْتُ علَى رَسُولِ اللهِ  وَهو مُضْطَجِعٌ علَى حَصِيرٍ، فَجَلَسْتُ، فأدْنَى عليه إِزَارَهُ وَليسَ عليه غَيْرُهُ، وإذَا الحَصِيرُ قدْ أَثَّرَ في جَنْبِهِ، فَنَظَرْتُ ببَصَرِي في خِزَانَةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَإِذَا أَنَا بقَبْضَةٍ مِن شَعِيرٍ نَحْوِ الصَّاعِ ، وَمِثْلِهَا قَرَظًا في نَاحِيَةِ الغُرْفَةِ، وإذَا أَفِيقٌ مُعَلَّقٌ ] ، [ قالَ : " فَابْتَدَرَتْ عَيْنَايَ " ، قالَ: " ما يُبْكِيكَ يا ابْنَ الخَطَّابِ؟ " ، قُلتُ : " يا نَبِيَّ اللهِ، وَما لي لا أَبْكِي وَهذا الحَصِيرُ قدْ أَثَّرَ في جَنْبِكَ، وَهذِه خِزَانَتُكَ لا أَرَى فِيهَا إِلَّا ما أَرَى، وَ ذَاكَ قَيْصَرُ وَكِسْرَى في الثِّمَارِ وَالأنْهَارِ ، وَأَنْتَ رَسُولُ اللهِ  وَصَفْوَتُهُ، وَهذِه خِزَانَتُكَ! " ، فَقالَ : " يا ابْنَ الخَطَّابِ، أَلَا تَرْضَى أَنْ تَكُونَ لَنَا الآخِرَةُ وَلَهُمُ الدُّنْيَا؟ " ، قُلتُ: "بَلَى" ] (١٤) ، و في رواية : أُولَئِكَ قَوْمٌ عُجِّلَتْ لهمْ طَيِّبَاتُهُمْ في الحَيَاةِ الدُّنْيَا ] . (١٥) 

✍️ من هذا نتعلم أنّ الزاهد بحق ؛ هو الذي ترك من دنياه ما يضره و ما لا ينفعه في آخرته ، ممّا لا يهم و لا يعني من الكلام و النظر و السؤال و اللقاء و غيره ، لذلك إذا ما تأملت حال الزهاد ، تراهم و قد هانت عليهم أنفسهم في طاعة الله ﷻ و محبته .

✍️ و الزهد على درجتين ؛ الأولى هي الورع ، و ذلك بترك المكروه ؛ و إن كان مباحاً و لا يأثم تاركه ، و التنزّه و الترفٌع عن الشبهات ، و عن ذلك قال رسول الله ﷺ : [ الحَلَالُ بَيِّنٌ، والحَرَامُ بَيِّنٌ، وبيْنَهُما مُشَبَّهَاتٌ لا يَعْلَمُهَا كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ، فَمَنِ اتَّقَى المُشَبَّهَاتِ اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ وعِرْضِهِ ]. (١٦)

✍️ و الثانية بالتقشف المحمود ، و ذلك بترك الترف و البذخ و زخرف الدنيا و زينتها ، و الرغبة عن ثناء الناس و حب ذياع الصيت و الإمارة ، و هذا مما أوصانا به رسول الله ﷺ إذ قال : [ إنَّ البذاذةَ منَ الإيمانِ ] (١٧) ، و البذاذة أي التواضع في الهيئة و الملبس و التحرز عن التأنق و الخيلاء و المغالاة.

✍️ و الفائدة المرجوة مما تدبرنا معاً ، هي الاعتدال في الحياة الدنيا ؛ بغير إسراف و لا قتور ، و زهد متاعها و رجاء الآخرة ، و خير الزهد أخفاه كما قال أهل العلم.

🌿 سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك و أتوب إليك 🌿 

---------------------------------------------------------------

📖 المراجع :-

(١) آية ١٨ ـ سورة النحل
(٢) جامع الحديث و السُنّة (١١٠٠٠٩/٠٠٠٤٢)
(٣) صحيح مسلم (٢٠٣٨)     
(٤) آية ٣٦ - سورة الإسراء
(٥) صحيح البخاري (١٠٣) - صحيح مسلم ( ٢٨٧٦)
(٦) آية ١٥٢ - سورة البقرة         
(٧) انظر تفسير آية " الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ " - سورة الفاتحة
(٨)  آية ٧٧ - سورة القصص      
(٩) الفوائد لابن القيم (ص١٧١)     
(١٠) آية ١١ - سورة الضحى    
(١١) آية ٣٢ - سورة الأعراف
(١٢) آية ٢٧ - سورة الحديد
(١٣) صحيح البخاري (٥٠٦٣) - صحيح مسلم (١٤٠١)
(١٤) صحيح مسلم (١٤٧٩)    
(١٥) صحيح البخاري (٢٤٦٨) 
(١٦) صحيح البخاري (٥٢) - صحيح مسلم (١٥٩٩)
(١٧) فتح الباري لابن حجر (٣٨١/١٠) ، و قال : صحيح