🌿 ﷽ { إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِّلْعَالَمِينَ ٩٦ فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَّقَامُ إِبْرَاهِيمَ ۖ وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا ۗ وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا ۚ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ ٩٧ } 🌿
✍️ { إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ } أي أول بيت بني لعبادة الله ﷻ وحده فهو قبل بيت المقدس بأربعين عاماً (١) ، و عسى أنّ في قرب المدة بينهما دلالة على أنّ بيت المقدس قد بُني أسوة بالبيت الحرام ، و اقتداءاً بإبراهيم و إسماعيل عليهما السلام.
✍️ أمّا ما شُيّد قبل ذلك فقد كانت معابد لآلهة و أصنام المشركين ، كما كان لعاد و ثمود و غيرهم ، لذلك أمر الله ﷻ الخليل و ابنه إسماعيل عليهما السلام ببناء هذا البيت ، حتى يعبد فيه المولى ﷻ وحده ، و كان هذا جليّ في أمره ﷻ لإبراهيم و إسماعيل عليهما السلام قائلاً : { وَعَهِدْنَا إِلَىٰ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَن طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ ١٢٥ } . (٢)
✍️ فقال أهل العلم في تأويل { أَن طَهِّرَا بَيْتِيَ } أي من الشرك فلا يكون على غرار معابد أهل الكفر ، و عسى أنّ العلّة من أمر المولى ﷻ ببناء هذا البيت ، هو انتشار الناس في الأرض و تكاثر الأمم بعد الطوفان ، فوضع لهم هذا البيت في هذه البقعة المباركة ، حتى يحجوا إليه و يجتمعوا عنده على عبادة الله ﷻ وحده.
✍️ { لَلَّذِي بِبَكَّةَ } و بكّة هي مكّة ، و هذا من شأن لغة العرب، فكثرة الأسماء لا تدل إلا على شرف المُسمى ، و الميم و الباء حرفين يشتركان في ذات المخرج ، لذلك يستخدمهما العرب و يستبدلونهما بعضهما ببعض (٣) ، و قد سميت بكّة لأنّ فيها بيت الله ﷻ يأتي إليها الناس يتضرعون و يبكون حتى يغفر لهم المولى ﷻ ما تقدّم من ذنوبهم و خطاياهم.
✍️ { مُبَارَكًا } من المولى ﷻ ، فجعله للناس جميعاً على حد سواء مثابة و أمناً ، فقال ﷻ : { وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِّلنَّاسِ وَأَمْنًا } (٢) ، و رزق أهله من كل الثمرات و الخيرات ، و في ذلك قال ﷻ : { أَوَلَمْ نُمَكِّن لَّهُمْ حَرَمًا آمِنًا يُجْبَىٰ إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِّزْقًا مِّن لَّدُنَّا وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ ٥٧ } (٤).
✍️ { وَهُدًى لِّلْعَالَمِينَ } فهو قبلة المؤمنين و من عنده خرج النبي ﷺ هدى و نور للناس أجمعين.
✍️ { فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَّقَامُ إِبْرَاهِيمَ ۖ } يزعم بعض الجهلاء و المشككّين أنّ الكعبة المشرفة ما هي إلا إحدى كعبات العرب ؛ و اللاتي بلغنّ نيف و عشرين كعبة قبل الإسلام ، و لا فضل لها عليهنّ ، و إدعائهم هذا باطل و كاذب كسائر إدعاءاتهم.
✍️ و في هذه الآية المباركة رداً على أباطيلهم ، { فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَّقَامُ إِبْرَاهِيمَ ۖ } ؛ فيه بئر زمزم آية من آيات الله ﷻ ، و فيه مقام الخليل عليه السلام ، و لا يزال لقدميه الشريفين أثر على حجر المقام . (٥)
✍️ و هو البيت العتيق حيث بُني بيدي خليل الرحمن عليه السلام ، بشهادة شعراء العرب قبل الإسلام (٦) ، و بشهادة كتب الأولين (٧) ، و أمّا كعبات العرب الأخرى فحديثة عهد بالنسبة له ، و إنما بنوها مضاهاة له .(٨)
✍️ { وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا ۗ } و هذا من فضائل البيت المبارك كما بينت و أسلفت لكم الذكر ، { وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ } حق على عباده المؤمنين و لهذا وضع البيت ، و من أجل ذلك أمر المولى ﷻ إبراهيم عليه السلام ببنائه ، { مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا ۚ } وهذا من لطف المولى ﷻ بعباده ، إذ لا يكلف نفساً إلا وسعها و مقدورها.
✍️ فمن استطاع إليه سبيلاً ؛ أيّ لديه القدرة البدنية و السعة المادية ، فحج فقد أطاع الله تعالى ، و من لم يستطع فلا جناح عليه ، لكن من تولى و كفر { وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ }.
🌿 سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت ، أستغفرك و أتوب إليك 🌿
-----------------------------------------------------------
📖 المراجع :-
(١) صحيح مسلم (٥٢٠)
(٢) آية ١٢٥ - سورة البقرة
(٣) مفردات ألفاظ القرآن للأصفهاني (ص ١٣٠ ، ١٤٠)
(٤) آية ٥٧ - سورة القصص
(٥) صحيح البخاري (٣٣٦٥)
(٦) مقال الكعبة المشرفة في الشعر الجاهلي لعبد الغني الزيتوني ٣٠/١٢/٢٠٢٣ / موقع مجمع اللغة العربية الأردني.
(٧) نبي أرض الجنوب الشرقاوي (ص ١٨ : ١٠٩)
(٨) المفصل في تاريخ العرب قبل الاسلام لجواد علي.
%20(23).jpeg)