الأحد، 29 سبتمبر 2024

سورة القدر

🌿 { إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ ۝١ وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ ۝٢ لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ ۝٣ تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِم مِّن كُلِّ أَمْرٍ ۝٤ سَلَامٌ هِيَ حَتَّىٰ مَطْلَعِ الْفَجْرِ ۝٥ } 🌿

✍️ { إِنَّا أَنزَلْنَاهُ } أي القرآن الكريم ، أحسن الكتب التي أنزلت من عند الله ﷻ ، فقال عنه ربنا ﷻ: { وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنتُمْ لَا تَشْعُرُونَ ۝٥٥ } (١) ، و قال ﷻ عنه أيضاً: { وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ ۝٤ } (٢).

✍️ { إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ } و هنا يتبادر لخُلدك تساؤل ، هل أُنزل القرآن الكريم كلّه في ليلة !؟

✍️ أخي المؤمن ؛ كُن على يقين أنّ المولى ﷻ لا يُعجزه شيء في الأرض و لا في السماء ، و أنّه سبحانه على ڪل شيء قدير ، لذلك فإنّ أمره ﷻ واقع و نافذ لا محال بغير حاجة إلى زمان أو حيثيات ، فطالما أنّ المولى ﷻ شاء و أراد و أمر فإنّ الأمر قد وقع و تحقق.

✍️ لڪن بالنسبة لنا و لسائر المخلوقات ، فإننّا يحڪمنا الزمان و يحيطنا ، لذلك يستلزم الأمر بالنسبة لطبيعة عالمنا فترة زمنية ، نسميها بحيّز التنفيذ الزمني للأمر ، و كنت قد بينت لكم من قبل تفصيل هذه المسألة بصورة أكبر في شرح معاني الآية ٨٢ من سورة يس (٣) .

✍️ إذن فطالما أنّ الله تعالى أمر بنزول القرآن الكريم فقد وقع هذا الأمر و حدث و نزل بلا أدنى ريب ، أمّا بالنسبة لنا فقد استغرق ذلك ثلاثة و عشرين سنة تقريباً هي مدة البعثة النبوية الشريفة.

✍️ { إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ ۝١ } موعد ليلة القدر و متى هي ، هو السؤال الأكثر شيوعاً و المسألة الأكثر إجتهاداً منذ عهد الصحابة رضوان الله عليهم.

✍️ و هي في شهر رمضان بلا أدنى ريب و أي رأي قائل بخلاف ذلك هو رأي باطل ، و ذلك لقول المولى ﷻ : { شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ } (٤)، أمّا عن موعدها تحديداً و أيّ ليلة هي في شهر رمضان ، فكما ذكرت لكم هي مسألة فيها كثير من الاجتهاد ، و لذلك أعددت و خصصت للبحث في هذه المسألة ، مقالاً مستقلاً (٥).

✍️ و لأهل العلم و التأويل في معنى "القدر" ثلاثة آراء ، الأول أنّ القدر بمعنى المقام ، كما تقول فلاناً عظيم القدر ، و الثاني أنّ القدر بمعنى الحكم و الفصل و فرق الأقدار ، و ذلك من قوله ﷻ : إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُّبَارَكَةٍ ۚ إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ ۝٣ فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ ۝٤ أَمْرًا مِّنْ عِندِنَا ۚ إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ ۝٥ رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ ۚ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ۝٦ } (٦).

✍️ و الثالث أنّ معناه الضيق و عدم السعة ، و ذلك من قوله ﷻ : { اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ ۚ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ۝٦٢ } (٧) ، و من قوله ﷻ : { وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ ۝١٦ } (٨).

✍️ و سبب الضيق أنّ الملائكة تتنزّل فيها ، [ تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِم مِّن كُلِّ أَمْرٍ ] ، و الأرض ليست ذات سعة بالنسبة لهم أو لأعدادهم ، و في ذلك قال المولى ﷻ: { قُل لَّوْ كَانَ فِي الْأَرْضِ مَلَائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِم مِّنَ السَّمَاءِ مَلَكًا رَّسُولًا ۝٩٥ } (٩).

✍️ و لاحظ أن المولى ﷻ أخبر عن ذلك بلفظ "تَنَزَّلُ" كما ترى بصيغة المضارع للدلالة على الاستمرار ، فلا النزول ينقطع و لا الأمور تنتهي ، و في هذا رد على زعم الذين يحسدون المؤمنين على ما آتاهم الله ﷻ من فضله ، أنّ ليلة القدر رفعت.

✍️ و جميع هذه الآراء في معنى "القدر" صحيحة و يستقيم بها المعنى إن شاء الله تعالى ، و يمكن الجمع بينهم لأنّ قدر هذه الليلة و رفيع مقامها جاء من اختيار الله ﷻ لها و فرق الأقدار فيها ، و تقدير الأقدار في حد ذاته فيه ضيق لأمور الدنيا ، و قطعاً لا أعني الأرزاق و النواحي المادية ، و لكن ما أريده و أعنيه من ناحية مجريات الأمور.

✍️ فالحياة إذا ما تُركت مطلقة هكذا سيكون فيها سعة كبيرة و محتملات لا تحصي و لا نهائية ، ثمّ إذا كانت مشيئة المولى ﷻ فقدّر على عباده أمر ما ، فإنّ هذه الأقدار تحدُّ من هذه السعة ، و هكذا نجد أنها علاقة تناسب عكسي ، فكلّما زادت  المقدّرات فإنّ مدى هذه السعة يقل.

✍️ و قطعاً لا أعني بهذا أيضاً أنّ في الأقدار عسر للعباد أو تسيير و إجبار ؛ حاشا لله ، سبحان ربّي و هو اللطيف الخبير ، إنّما هذه الأقدار هي لإحكام مُجريات الأمور في الحياة الدنيا ، و نفاذاً لمشيئة الله ﷻ.

✍️ { وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ } لعظيم قدرها عند الله ﷻ ، فهي ليلة واحدة من ليالي العام ؛ اصطفاها المولى ﷻ لأمور عظيمة ، { فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ } ، و فيها نزل القرآن الكريم و أوحي به إلى خير الأنام و خاتم المرسلين ﷺ.

✍️ و من عظيم فضائلها أيضاً { لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ ۝٣ } أي في إحتساب أجر الأعمال الصالحة ، أيّ أنها ليلة واحدة العمل الصالح فيها يعدل ما يزيد عن ثلاثة و ثمانين سنة من سواها.

✍️ و من فضائل هذه الليلة المباركة أيضاً نزول الملائكة فيها بالرحمات بأمر الرحمن ﷻ { تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِم } ، فمسألة نزول الملائكة لا تكون إلا بإذن و أمر المولى ﷻ وحده ، فمسألة نزولهم ليست بأيدينا أو بأيديهم ، قال تعالى : { وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ ۖ لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا وَمَا بَيْنَ ذَٰلِكَ ۚ وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا ۝٦٤ } (١٠).

✍️ مِّن كُلِّ أَمْرٍ ۝٤ } لأنها ليلة يفرق فيها كل أمر حكيم كما علّمنا المولى ﷻ ، { سَلَامٌ هِيَ حَتَّىٰ مَطْلَعِ الْفَجْرِ ۝٥ } و هذا عهد أمان من الله ﷻ لنا ، عهد سلام من الله ﷻ على أهل الدنيا حتى يبزغ فجر هذه الليلة ، و من آيات السلام في هذه الليلة و في شهر رمضان عموماً أنّ الشياطين يكونوا مقرنين في الأصفاد كما أخبرنا رسول الله ﷺ (١١).

🌿 سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك و أتوب إليك 🌿 

------------------------------------------------------------

📖 المراجع :-

(١) آية ٥٥ - سورة الزمر              (٢) آية ٤ - سورة الزخرف
(٣) انظر تفسير آية ٨٢ - سورة يس
(٤) آية ١٨٥ - سورة البقرة
(٥) مدونة مقالات الشيخ أبو صلاح/ العبادات - الصيام / مقال تحري ليلة القدر.
(٦) آية ٣ : آية ٦ - سورة الدخان
(٧) آية ٦٢ - سورة العنكبوت       (٨) آية ١٦ - سورة الفجر
(٩) آية ٩٥ - سورة الإسراء         (١٠) آية ٦٤ - سورة مريم
(١١) متفق عليه ؛ انظر صحيح البخاري (١٨٩٩) و صحيح مسلم (١٠٧٩).