السبت، 21 سبتمبر 2024

آية ١٥ - سورة الكهف

🌿 [وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ ۚ وَيُجَادِلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ ۖ وَاتَّخَذُوا آيَاتِي وَمَا أُنذِرُوا هُزُوًا] 🌿

✍️ [ وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ ] لاحظ تقديم البشرى على النذر رحمة من الله ﷻ بعباده و لطفاً بهم ، [ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ ] هذا منهج الدعوة الذي ينتهجه كافّة الأنبياء و الرسل عليهم السلام أجمعين.

✍️ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ ] يبشرون المؤمنين برضوان من الله تعالى و مغفرة و بنعيم في جنّة عرضها السماوات والأرض خالدين فيه أبداً ، و ينذرون الكافرين من غضبه و سخطه و من عذابٍ في نار جهنّم خالدين فيه أبداً.

✍️ [ وَيُجَادِلُ الَّذِينَ كَفَرُوا ] و الكفر كلمة عامة شاملة لجميع تصانيف العصاة و المكذبين ، فالكافرون منازل كما أنّ المؤمنين درجات.

✍️ فالنفاق الأكبر من منازل الكفر ، و لذلك توعدهم المولى ﷻ بالعذاب في نار جهنّم ، فقال ﷻ : [ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَن تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا ] (١) ، إذ أنّ إيمانهم بما أنزل الله ﷻ ظاهري ، أمّا في بواطنهم لا يؤمنون بالله تعالى و لا بالآخرة ، و لذلك دائماً همّهم و شاغلهم الأكبر هو الدنيا.

✍️ فعدم إيمانهم بلقاء الله ﷻ هو ما يغلّب هوى أنفسهم و حبهم للدنيا على إيمانهم ، و أمّا إظهارهم للإيمان برغم إضمارهم للكفر فهو مخادعة للمؤمنين ، فإن أصاب المؤمنون خيراً من الدنيا قالوا إنا منكم ، و إن لم يكن فهم أنصار الكافرين ، و هذا نوع من الشرك و إن كان خفياً ، فمعصية الله ﷻ في الخفاء خشية الناس ؛ شرك بلا أدنى ريب.

✍️ و من منازل الكفر أيضاً "الشرك" ، و هو إشراك غير الله ﷻ معه في العبادة و الدعاء ، أولئك التي الذين يعتقدون في تعدد الآلهة بشتى صورها.

✍️ و منهم الملل القائلة بأنّ الله ﷻ اتخذ صاحبة و ولداً ، و كذلك الملل القائلة بأنّ لله  شركاء أو أعوان موكلون ببعض أعباء و أعمال الألوهية ، و كذلك الملل القائلة بأنّ لله ﷻ أولياء يحبّهم و من ثَمَّ يتقربون إليه بالتعبّد إليهم.

✍️ و كذلك الملل القائلة بتجسد الله ﷻ في صورة ما ، كالشمس أو نجم أو القمر أو بشر ، و ما إلى ذلك من صور الشرك ، سبحان الله و تعالى عمّا يقولون علواً كبيراً.

✍️ و هؤلاء يعترفون لله تعالى بالألوهية و الربوبية ، و أنّه ﷻ هو بارئهم و خالقهم ، فقال عنهم المولى ﷻ : [ وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ ۖ فَأَنَّىٰ يُؤْفَكُونَ ] (٢) ، و رغم ذلك يتقربون إليه بالتعبد لغيره ، فقال عنهم المولى ﷻ: [ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَىٰ ] (٣) ، قاتلهم الله أنى يؤفكون.

✍️ و أعلى مراتب الكفر هو الإلحاد ، أولئك الذين يدّعون و يزعمون العلم بكل شيء ، و في حقيقتهم هم أجهل من الأنعام ، فالمُلحد هو الذي ينكر وجود الخالق و لا يعترف لله العظيم بالألوهية و الربوبية.

✍️ قال تعالى : [ أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ ۚ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ ۖ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا ] (٤) ، إذ حتى الأنعام يعلمون ربهم و يسبحون بحمده ، أم هؤلاء فجهال.

✍️ أولئك الذين زعموا أنّ الكون كان صدفة من ذرة أوجدت نفسها ، و من بعد النشوء كان الإرتقاء ، واضعين بذلك فرضية تدهور للبشر.

✍️ أفلا ينظرون حولهم في خلق الله ﷻ كل هذا الإبداع و الإتقان صدفة !! كل هذه الأمثلة و الآيات العظام في الأرض و في السماء و في أنفسهم صدفة !!

✍️ أولئك الذين يكذبون بالآخرة ، و لماذا تميّزنا إذن عن الحيوانات بالعقل و الإرادة الحرة ، حتى نحيا و نموت مثلنا مثلهم ، أهكذا نحن في نظر هؤلاء !!

✍️ فإن صدّقنا ما يقولون ، لبغى بعضنا على بعض و ما استقام أحد و لتقاتلنا على الدنيا ، يأكل القوي الضعيف بلا رحمة ، و أمّا عن القوانين الدنيوية و العقاب ؛ سترى من البشر إبداع و تفنن في التهرب و الإفلات من طائلة القوانين و المحاكمات الدنيوية.

✍️ هل تتخيل كيف ستكون الحياة !! هل تتخيل كيف سيتحول العالم إلى غابة يأكل المتجبّر فيها المستضعف !!؟ أم أنّها أفكار تشجيعية على الإنتحار و إزهاق النفس !! 

✍️ فبحسب هذه الأفكار السوداء ، إذا تراءى لأحد المعتقدين بها أنّه شبع من الدنيا ، أو أنّه لا يستطيع الإستمرار في الحياة لأي سبب ، فما مانعه من التخلص من حياته ، فطالما أنّه لا يؤمن بحياة آخرة يحاسب فيها على آثامه ، و طالما أنّه نظير للبهائم في الموت و الحياة ، فموته لن يؤثر سلباً على المنظومة في مجملها .

✍️ حتى إذا صارت سُنّة يتوارثها الناس ، ستجد أنّ جميع الحضارة تؤول و تتحول إلى قفر غير مأهول ، أي دماغ مسخ لعين تلك التي ابتكرت هذا الفكر المسموم !!

✍️ و لماذا تمسّكون بدين آبائكم و تقتدون بهم في الكفر بالله و لا تقتدون بهم في الإيمان بالآخرة ، فجميع الحضارات البائدة نقلت آثارهم إيمانهم بالحياة بعد الموت !!

✍️ [ وَيُجَادِلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ ] فتجد الكافر بكافة تصانيفه يجادل بهذه الأباطيل الرسل ؛ قاتلهم الله ، أضاعوا ثلاثة و عشرين سنة هم كل بعثة النبي ﷺ ، في الكفر و التكذيب.

✍️ تخيل كم العلم الذي أضاعوا علينا فرصة أن نناله ، ثلاثة عشر سنة يكذبونه و يكفرون به و يؤذونه ، و العشر الباقية يتآمرون عليه و يحاربونه ﷺ.

✍️ و في النهاية أسلم أبنائهم و تبرؤوا منهم ، فعكرمة رضي الله عنه ؛ هو ابن أبي جهل عليه من الله ما يستحق ، و سيف الله المسلسل خالد رضي الله عنه ؛ هو ابن الوليد بن المغيرة عليه من الله ما يستحق ، و عمرو رضي الله عنه ؛ هو ابن العاص بن وائل عليه من الله ما يستحق و غيرهم كثير.

✍️ ثلاثة و عشرين سنة ضاعت بسببهم ، فلا أسلموا و تعلموا ما ينفعهم و لا تركونا ننهل من علمه ﷺ ، و لو تأملت لوجدت أن هذا حال كافة الرسل والأنبياء عليهم السلام أجمعين.

✍️ [ وَاتَّخَذُوا آيَاتِي وَمَا أُنذِرُوا هُزُوًا ] فإذا آتاهم النبي ﷺ بآية بيّنة و برهان ساطع و معجزة جليّة ، و و أبصروها أنها خوارق لنواميس هذا الكون ، فسّروها أيّ تفسير خلاف الحقّ و استهزؤوا .

✍️ فيقول بعضهم سحر و يقول بعضهم تكهن و يقول بعضهم شعر ، و هكذا حال الكافرين إلى أن يلاقوا العذاب الأليم ، اللهم إني أبرأ لك منهم فلا تجعلني مع القوم الظالمين .

🌿 سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت ، أستغفرك و أتوب إليك 🌿 

------------------------------------------------------------

📖 المراجع :-

(١) آية ١٤٥ - سورة النساء      (٢) آية ٨٧ - سورة الزخرف

(٣) آية ٣ - سورة الزمر         (٤) آية ٤٤ - سورة الفرقان