الأحد، 29 سبتمبر 2024

سورة القدر

🌿 { إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ ۝١ وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ ۝٢ لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ ۝٣ تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِم مِّن كُلِّ أَمْرٍ ۝٤ سَلَامٌ هِيَ حَتَّىٰ مَطْلَعِ الْفَجْرِ ۝٥ } 🌿

✍️ { إِنَّا أَنزَلْنَاهُ } أي القرآن الكريم ، أحسن الكتب التي أنزلت من عند الله ﷻ ، فقال عنه ربنا ﷻ: { وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنتُمْ لَا تَشْعُرُونَ ۝٥٥ } (١) ، و قال ﷻ عنه أيضاً: { وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ ۝٤ } (٢).

✍️ { إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ } و هنا يتبادر لخُلدك تساؤل ، هل أُنزل القرآن الكريم كلّه في ليلة !؟

✍️ أخي المؤمن ؛ كُن على يقين أنّ المولى ﷻ لا يُعجزه شيء في الأرض و لا في السماء ، و أنّه سبحانه على ڪل شيء قدير ، لذلك فإنّ أمره ﷻ واقع و نافذ لا محال بغير حاجة إلى زمان أو حيثيات ، فطالما أنّ المولى ﷻ شاء و أراد و أمر فإنّ الأمر قد وقع و تحقق.

✍️ لڪن بالنسبة لنا و لسائر المخلوقات ، فإننّا يحڪمنا الزمان و يحيطنا ، لذلك يستلزم الأمر بالنسبة لطبيعة عالمنا فترة زمنية ، نسميها بحيّز التنفيذ الزمني للأمر ، و كنت قد بينت لكم من قبل تفصيل هذه المسألة بصورة أكبر في شرح معاني الآية ٨٢ من سورة يس (٣) .

✍️ إذن فطالما أنّ الله تعالى أمر بنزول القرآن الكريم فقد وقع هذا الأمر و حدث و نزل بلا أدنى ريب ، أمّا بالنسبة لنا فقد استغرق ذلك ثلاثة و عشرين سنة تقريباً هي مدة البعثة النبوية الشريفة.

✍️ { إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ ۝١ } موعد ليلة القدر و متى هي ، هو السؤال الأكثر شيوعاً و المسألة الأكثر إجتهاداً منذ عهد الصحابة رضوان الله عليهم.

✍️ و هي في شهر رمضان بلا أدنى ريب و أي رأي قائل بخلاف ذلك هو رأي باطل ، و ذلك لقول المولى ﷻ : { شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ } (٤)، أمّا عن موعدها تحديداً و أيّ ليلة هي في شهر رمضان ، فكما ذكرت لكم هي مسألة فيها كثير من الاجتهاد ، و لذلك أعددت و خصصت للبحث في هذه المسألة ، مقالاً مستقلاً (٥).

✍️ و لأهل العلم و التأويل في معنى "القدر" ثلاثة آراء ، الأول أنّ القدر بمعنى المقام ، كما تقول فلاناً عظيم القدر ، و الثاني أنّ القدر بمعنى الحكم و الفصل و فرق الأقدار ، و ذلك من قوله ﷻ : إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُّبَارَكَةٍ ۚ إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ ۝٣ فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ ۝٤ أَمْرًا مِّنْ عِندِنَا ۚ إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ ۝٥ رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ ۚ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ۝٦ } (٦).

✍️ و الثالث أنّ معناه الضيق و عدم السعة ، و ذلك من قوله ﷻ : { اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ ۚ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ۝٦٢ } (٧) ، و من قوله ﷻ : { وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ ۝١٦ } (٨).

✍️ و سبب الضيق أنّ الملائكة تتنزّل فيها ، [ تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِم مِّن كُلِّ أَمْرٍ ] ، و الأرض ليست ذات سعة بالنسبة لهم أو لأعدادهم ، و في ذلك قال المولى ﷻ: { قُل لَّوْ كَانَ فِي الْأَرْضِ مَلَائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِم مِّنَ السَّمَاءِ مَلَكًا رَّسُولًا ۝٩٥ } (٩).

✍️ و لاحظ أن المولى ﷻ أخبر عن ذلك بلفظ "تَنَزَّلُ" كما ترى بصيغة المضارع للدلالة على الاستمرار ، فلا النزول ينقطع و لا الأمور تنتهي ، و في هذا رد على زعم الذين يحسدون المؤمنين على ما آتاهم الله ﷻ من فضله ، أنّ ليلة القدر رفعت.

✍️ و جميع هذه الآراء في معنى "القدر" صحيحة و يستقيم بها المعنى إن شاء الله تعالى ، و يمكن الجمع بينهم لأنّ قدر هذه الليلة و رفيع مقامها جاء من اختيار الله ﷻ لها و فرق الأقدار فيها ، و تقدير الأقدار في حد ذاته فيه ضيق لأمور الدنيا ، و قطعاً لا أعني الأرزاق و النواحي المادية ، و لكن ما أريده و أعنيه من ناحية مجريات الأمور.

✍️ فالحياة إذا ما تُركت مطلقة هكذا سيكون فيها سعة كبيرة و محتملات لا تحصي و لا نهائية ، ثمّ إذا كانت مشيئة المولى ﷻ فقدّر على عباده أمر ما ، فإنّ هذه الأقدار تحدُّ من هذه السعة ، و هكذا نجد أنها علاقة تناسب عكسي ، فكلّما زادت  المقدّرات فإنّ مدى هذه السعة يقل.

✍️ و قطعاً لا أعني بهذا أيضاً أنّ في الأقدار عسر للعباد أو تسيير و إجبار ؛ حاشا لله ، سبحان ربّي و هو اللطيف الخبير ، إنّما هذه الأقدار هي لإحكام مُجريات الأمور في الحياة الدنيا ، و نفاذاً لمشيئة الله ﷻ.

✍️ { وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ } لعظيم قدرها عند الله ﷻ ، فهي ليلة واحدة من ليالي العام ؛ اصطفاها المولى ﷻ لأمور عظيمة ، { فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ } ، و فيها نزل القرآن الكريم و أوحي به إلى خير الأنام و خاتم المرسلين ﷺ.

✍️ و من عظيم فضائلها أيضاً { لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ ۝٣ } أي في إحتساب أجر الأعمال الصالحة ، أيّ أنها ليلة واحدة العمل الصالح فيها يعدل ما يزيد عن ثلاثة و ثمانين سنة من سواها.

✍️ و من فضائل هذه الليلة المباركة أيضاً نزول الملائكة فيها بالرحمات بأمر الرحمن ﷻ { تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِم } ، فمسألة نزول الملائكة لا تكون إلا بإذن و أمر المولى ﷻ وحده ، فمسألة نزولهم ليست بأيدينا أو بأيديهم ، قال تعالى : { وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ ۖ لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا وَمَا بَيْنَ ذَٰلِكَ ۚ وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا ۝٦٤ } (١٠).

✍️ مِّن كُلِّ أَمْرٍ ۝٤ } لأنها ليلة يفرق فيها كل أمر حكيم كما علّمنا المولى ﷻ ، { سَلَامٌ هِيَ حَتَّىٰ مَطْلَعِ الْفَجْرِ ۝٥ } و هذا عهد أمان من الله ﷻ لنا ، عهد سلام من الله ﷻ على أهل الدنيا حتى يبزغ فجر هذه الليلة ، و من آيات السلام في هذه الليلة و في شهر رمضان عموماً أنّ الشياطين يكونوا مقرنين في الأصفاد كما أخبرنا رسول الله ﷺ (١١).

🌿 سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك و أتوب إليك 🌿 

------------------------------------------------------------

📖 المراجع :-

(١) آية ٥٥ - سورة الزمر              (٢) آية ٤ - سورة الزخرف
(٣) انظر تفسير آية ٨٢ - سورة يس
(٤) آية ١٨٥ - سورة البقرة
(٥) مدونة مقالات الشيخ أبو صلاح/ العبادات - الصيام / مقال تحري ليلة القدر.
(٦) آية ٣ : آية ٦ - سورة الدخان
(٧) آية ٦٢ - سورة العنكبوت       (٨) آية ١٦ - سورة الفجر
(٩) آية ٩٥ - سورة الإسراء         (١٠) آية ٦٤ - سورة مريم
(١١) متفق عليه ؛ انظر صحيح البخاري (١٨٩٩) و صحيح مسلم (١٠٧٩).

السبت، 21 سبتمبر 2024

آية ١٥ - سورة الكهف

🌿 [وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ ۚ وَيُجَادِلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ ۖ وَاتَّخَذُوا آيَاتِي وَمَا أُنذِرُوا هُزُوًا] 🌿

✍️ [ وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ ] لاحظ تقديم البشرى على النذر رحمة من الله ﷻ بعباده و لطفاً بهم ، [ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ ] هذا منهج الدعوة الذي ينتهجه كافّة الأنبياء و الرسل عليهم السلام أجمعين.

✍️ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ ] يبشرون المؤمنين برضوان من الله تعالى و مغفرة و بنعيم في جنّة عرضها السماوات والأرض خالدين فيه أبداً ، و ينذرون الكافرين من غضبه و سخطه و من عذابٍ في نار جهنّم خالدين فيه أبداً.

✍️ [ وَيُجَادِلُ الَّذِينَ كَفَرُوا ] و الكفر كلمة عامة شاملة لجميع تصانيف العصاة و المكذبين ، فالكافرون منازل كما أنّ المؤمنين درجات.

✍️ فالنفاق الأكبر من منازل الكفر ، و لذلك توعدهم المولى ﷻ بالعذاب في نار جهنّم ، فقال ﷻ : [ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَن تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا ] (١) ، إذ أنّ إيمانهم بما أنزل الله ﷻ ظاهري ، أمّا في بواطنهم لا يؤمنون بالله تعالى و لا بالآخرة ، و لذلك دائماً همّهم و شاغلهم الأكبر هو الدنيا.

✍️ فعدم إيمانهم بلقاء الله ﷻ هو ما يغلّب هوى أنفسهم و حبهم للدنيا على إيمانهم ، و أمّا إظهارهم للإيمان برغم إضمارهم للكفر فهو مخادعة للمؤمنين ، فإن أصاب المؤمنون خيراً من الدنيا قالوا إنا منكم ، و إن لم يكن فهم أنصار الكافرين ، و هذا نوع من الشرك و إن كان خفياً ، فمعصية الله ﷻ في الخفاء خشية الناس ؛ شرك بلا أدنى ريب.

✍️ و من منازل الكفر أيضاً "الشرك" ، و هو إشراك غير الله ﷻ معه في العبادة و الدعاء ، أولئك التي الذين يعتقدون في تعدد الآلهة بشتى صورها.

✍️ و منهم الملل القائلة بأنّ الله ﷻ اتخذ صاحبة و ولداً ، و كذلك الملل القائلة بأنّ لله  شركاء أو أعوان موكلون ببعض أعباء و أعمال الألوهية ، و كذلك الملل القائلة بأنّ لله ﷻ أولياء يحبّهم و من ثَمَّ يتقربون إليه بالتعبّد إليهم.

✍️ و كذلك الملل القائلة بتجسد الله ﷻ في صورة ما ، كالشمس أو نجم أو القمر أو بشر ، و ما إلى ذلك من صور الشرك ، سبحان الله و تعالى عمّا يقولون علواً كبيراً.

✍️ و هؤلاء يعترفون لله تعالى بالألوهية و الربوبية ، و أنّه ﷻ هو بارئهم و خالقهم ، فقال عنهم المولى ﷻ : [ وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ ۖ فَأَنَّىٰ يُؤْفَكُونَ ] (٢) ، و رغم ذلك يتقربون إليه بالتعبد لغيره ، فقال عنهم المولى ﷻ: [ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَىٰ ] (٣) ، قاتلهم الله أنى يؤفكون.

✍️ و أعلى مراتب الكفر هو الإلحاد ، أولئك الذين يدّعون و يزعمون العلم بكل شيء ، و في حقيقتهم هم أجهل من الأنعام ، فالمُلحد هو الذي ينكر وجود الخالق و لا يعترف لله العظيم بالألوهية و الربوبية.

✍️ قال تعالى : [ أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ ۚ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ ۖ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا ] (٤) ، إذ حتى الأنعام يعلمون ربهم و يسبحون بحمده ، أم هؤلاء فجهال.

✍️ أولئك الذين زعموا أنّ الكون كان صدفة من ذرة أوجدت نفسها ، و من بعد النشوء كان الإرتقاء ، واضعين بذلك فرضية تدهور للبشر.

✍️ أفلا ينظرون حولهم في خلق الله ﷻ كل هذا الإبداع و الإتقان صدفة !! كل هذه الأمثلة و الآيات العظام في الأرض و في السماء و في أنفسهم صدفة !!

✍️ أولئك الذين يكذبون بالآخرة ، و لماذا تميّزنا إذن عن الحيوانات بالعقل و الإرادة الحرة ، حتى نحيا و نموت مثلنا مثلهم ، أهكذا نحن في نظر هؤلاء !!

✍️ فإن صدّقنا ما يقولون ، لبغى بعضنا على بعض و ما استقام أحد و لتقاتلنا على الدنيا ، يأكل القوي الضعيف بلا رحمة ، و أمّا عن القوانين الدنيوية و العقاب ؛ سترى من البشر إبداع و تفنن في التهرب و الإفلات من طائلة القوانين و المحاكمات الدنيوية.

✍️ هل تتخيل كيف ستكون الحياة !! هل تتخيل كيف سيتحول العالم إلى غابة يأكل المتجبّر فيها المستضعف !!؟ أم أنّها أفكار تشجيعية على الإنتحار و إزهاق النفس !! 

✍️ فبحسب هذه الأفكار السوداء ، إذا تراءى لأحد المعتقدين بها أنّه شبع من الدنيا ، أو أنّه لا يستطيع الإستمرار في الحياة لأي سبب ، فما مانعه من التخلص من حياته ، فطالما أنّه لا يؤمن بحياة آخرة يحاسب فيها على آثامه ، و طالما أنّه نظير للبهائم في الموت و الحياة ، فموته لن يؤثر سلباً على المنظومة في مجملها .

✍️ حتى إذا صارت سُنّة يتوارثها الناس ، ستجد أنّ جميع الحضارة تؤول و تتحول إلى قفر غير مأهول ، أي دماغ مسخ لعين تلك التي ابتكرت هذا الفكر المسموم !!

✍️ و لماذا تمسّكون بدين آبائكم و تقتدون بهم في الكفر بالله و لا تقتدون بهم في الإيمان بالآخرة ، فجميع الحضارات البائدة نقلت آثارهم إيمانهم بالحياة بعد الموت !!

✍️ [ وَيُجَادِلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ ] فتجد الكافر بكافة تصانيفه يجادل بهذه الأباطيل الرسل ؛ قاتلهم الله ، أضاعوا ثلاثة و عشرين سنة هم كل بعثة النبي ﷺ ، في الكفر و التكذيب.

✍️ تخيل كم العلم الذي أضاعوا علينا فرصة أن نناله ، ثلاثة عشر سنة يكذبونه و يكفرون به و يؤذونه ، و العشر الباقية يتآمرون عليه و يحاربونه ﷺ.

✍️ و في النهاية أسلم أبنائهم و تبرؤوا منهم ، فعكرمة رضي الله عنه ؛ هو ابن أبي جهل عليه من الله ما يستحق ، و سيف الله المسلسل خالد رضي الله عنه ؛ هو ابن الوليد بن المغيرة عليه من الله ما يستحق ، و عمرو رضي الله عنه ؛ هو ابن العاص بن وائل عليه من الله ما يستحق و غيرهم كثير.

✍️ ثلاثة و عشرين سنة ضاعت بسببهم ، فلا أسلموا و تعلموا ما ينفعهم و لا تركونا ننهل من علمه ﷺ ، و لو تأملت لوجدت أن هذا حال كافة الرسل والأنبياء عليهم السلام أجمعين.

✍️ [ وَاتَّخَذُوا آيَاتِي وَمَا أُنذِرُوا هُزُوًا ] فإذا آتاهم النبي ﷺ بآية بيّنة و برهان ساطع و معجزة جليّة ، و و أبصروها أنها خوارق لنواميس هذا الكون ، فسّروها أيّ تفسير خلاف الحقّ و استهزؤوا .

✍️ فيقول بعضهم سحر و يقول بعضهم تكهن و يقول بعضهم شعر ، و هكذا حال الكافرين إلى أن يلاقوا العذاب الأليم ، اللهم إني أبرأ لك منهم فلا تجعلني مع القوم الظالمين .

🌿 سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت ، أستغفرك و أتوب إليك 🌿 

------------------------------------------------------------

📖 المراجع :-

(١) آية ١٤٥ - سورة النساء      (٢) آية ٨٧ - سورة الزخرف

(٣) آية ٣ - سورة الزمر         (٤) آية ٤٤ - سورة الفرقان 

الخميس، 12 سبتمبر 2024

آية ١٨٠ - سورة الأعراف

🌿 [ وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَىٰ فَادْعُوهُ بِهَا ۖ وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ ۚ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ] 🌿

✍️ وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَىٰ فَادْعُوهُ بِهَا ۖ] و هذا دليل قاطع على أنّ جميع أسماء الله تعالى حسنة ، تلك هي القاعدة الاولى ، لذلك ينبغي على المسلم أن لا يسمي الله تعالى بأسماء تنقص من كماله سبحانه.

✍️ فليس كل صفة من صفات الذات الإلهية تصلح لاشتقاق اسم منها ، حتى إن ثبتت هذه الصفة في الكتاب و السنة ؛ فمثلاً قال المولى ﷻ [ وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ ۚ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ ۖ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ ] (١) .

✍️ المكر الخيّر كما ترى هي صفة أثبتها الله تعالى لنفسه في كتابه ، لكن هل يجوز أن نشتق منها ، فنسمي المولى ﷻ "الماكر" مثلاً !! 

✍️ قطعاً لا ؛ لأن في هذا انتقاص من كماله سبحانه ، و لذلك ذهب كثير من العلماء إلى عدم تسمية الله تعالى بـ"الضار" و "المذل" و غيرها من الأسماء التي لا تليق بجلال ربنا سبحانه.

✍️ [ وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ ] تلك هي القاعدة الثانية ، و الإلحاد في أسماء الله تعالى إما بالتحريف و الميل عنها أو عن معانيها ، أو بالزيادة فيها و تسمية المولى ﷻ بما لا يليق له سبحانه أو نفي بعض أسمائه عنه. 

✍️ و هذا من شيّم الكافرين ، فبعض الجهال و الكفار كانوا يسمون الله تعالى بما لا يليق له ، و بعضهم اشتقوا من اسمائه أسماءاً أخرى و سموا بها أصنامهم ، مثل صنمهم اللات اشتقوه من "الله" ، و اشتقوا اسم صنمهم العزى من "العزيز" ، سبحان الله و تعالى عمّا يشركون.

✍️ [ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ] حق على الله ﷻ ، أن يجزى كل كافر بكفره ، كما توعدهم في كتبه و على رسله.

✍️ و لذلك ذهب أهل الحقّ إلى أنّ أسماء الله تعالى الحسنى هي أسماء توقيفية (٢) ، أي الوقوف على ما ثبت بنص بغير تعطيل و لا تكييف و لا تمثيل ، فلا اجتهاد فيها و لا مجال لإعمال العقل ، و إنّما نثبت لله تعالى ما تسمى به في الكتاب و السُنّة ، و لا نثبت له دون ذلك.

✍️ كما ترى القضية خطيرة فأنت مطالب بالدعاء و التعبد لله تعالى بأسمائه فَادْعُوهُ بِهَا ۖ] ، بشرط أن لا يكون الدعاء إلا بالأسماء الصحيحة فقط ، إذن ينبغي على كل مسلم الاجتهاد في إحصاء الأسماء الحسنى الصحيحة من الكتاب و السُنّة ، و هذا ما أرشدنا و علمنا إياه رسول الله ﷺ.

✍️ فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال :«إنَّ لِلَّهِ تِسْعَةً وتِسْعِينَ اسْمًا مِئَةً إلَّا واحِدًا، مَن أحْصَاهَا دَخَلَ الجَنَّةَ» (٣) .

✍️ و قد اجتهدت في إحصاء تسعة و تسعين اسماً من أسماء الله الحسنى ، من كتاب الله تعالى و سنته ، و اسأل الله تعالى القبول و الإخلاص له في العمل .

✍️ و حتى لا أطيل عليكم أكثر من ذلك ، فقد خصصت مقالاً منفصلاً ، لمعاني أسماء الله الحسنى و دليل كل اسم من الكتاب و السنة و آراء العلماء في ذلك (٤).

🌿 سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت ، أستغفرك و أتوب إليك 🌿 

-----------------------------------------------------------
📖 المراجع :-
(١) آية ٣٠ - سورة الأنفال
(٢) الفصل في الملل و الأهواء لابن حزم (٤٣/٣) - مدارج السالكين لابن القيم (٤١٥/٣) - تحفة المحتاج لابن حجر الهيتمي (١٥/١) - لوامع الأنوار البهية لصنع الله الحلبي (١٢٤/١) - أعلام السنة المشهورة لحافظ الحكمي (ص٣٤) - مجموع فتاوى ابن باز (٤٣/٨) - تقريب التدمرية لابن عثيمين (ص١١٦) و في القواعد المثلى (ص١٣).
(٣) جامع الحديث و السُنّة (١١٠٠٠٦/٠٠٠٣١)