السبت، 26 أكتوبر 2024

آية ٨ - سورة التكاثر

 🌿 { ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ ۝٨ } 🌿

✍️ النعيم هو صيغة مبالغة على وزن "فعيل" من الفعل الثلاثي "نَعَمَ" ، و إذا ما تأملت لتجدنّ أنّ كل نعيم منعّم فيه عبد ، أصله نعمة أنعم الله ﷻ بها عليه ، لذلك قال المولى ﷻ : { وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا ۗ إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ (١) ، فلولا نعمة الصحة مثلاً ؛ ما كنت رزقت و لا تعلمت و لا عملت و لا تزوجت و لا أنجبت و لا عبدت ، و ما إلى غير ذلك من المنافع العظيمة ، فلا تستهن بأي من نعم الله ﷻ عليك و تقلل إياها في نفسك.

✍️ و تشير الآية الكريمة إلى أنّ الله ﷻ سوف يسأل كل منّا فيما تنعم به في الدنيا ، و في كل نعمة أنعم بها عليه ، فيما أفناها ؟!! و بماذا قابل هذه النعمة بالحمد و الشكر أم بالكفر و الجحود ؟!!

✍️ فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال : [ أنّ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " إِنَّ أَوَّلَ مَا يُسْأَلُ عَنْهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَعْنِي الْعَبْدَ مِنَ النَّعِيم أَنْ يُقَالُ لَهُ : أَلَمْ نُصِحَّ لَكَ جِسْمَكَ وَنُرْوِيَكَ مِنَ الْمَاءِ الْبَارِدِ؟ "]. (٢)

✍️ و عنه أيضاً أنه رضي الله عنه قال : [ خَرَجَ رَسولُ اللهِ ﷺ ذَاتَ يَومٍ - أَوْ لَيْلَةٍ - فَإِذَا هو بأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ ، فَقالَ: " ما أَخْرَجَكُما مِن بُيُوتِكُما هذِه السَّاعَةَ؟ " ، قالَا : " الجُوعُ يا رَسولَ اللهِ" ، قالَ: " وَأَنَا، وَالَّذِي نَفْسِي بيَدِهِ، لَأَخْرَجَنِي الَّذي أَخْرَجَكُمَا، قُومُوا " ، فَقَامُوا معهُ، فأتَى رَجُلًا مِنَ الأنْصَارِ فَإِذَا هو ليسَ في بَيْتِهِ، فَلَمَّا رَأَتْهُ المَرْأَةُ، قالَتْ : "مَرْحَبًا وَأَهْلًا " ، فَقالَ لَهَا رَسولُ اللهِ ﷺ : " أَيْنَ فُلَانٌ؟" قالَتْ : " ذَهَبَ يَسْتَعْذِبُ لَنَا مِنَ المَاءِ " ، إذْ جَاءَ الأنْصَارِيُّ ، فَنَظَرَ إلى رَسولِ اللهِ ﷺ وَصَاحِبَيْهِ ، ثُمَّ قالَ : " الحَمْدُ لِلَّهِ ؛ ما أَحَدٌ اليومَ أَكْرَمَ أَضْيَافًا مِنِّي " ] ، قالَ: [ فَانْطَلَقَ، فَجَاءَهُمْ بعِذْقٍ فيه بُسْرٌ وَ تَمْرٌ وَ رُطَبٌ، فَقالَ: " كُلُوا مِن هذِه " ، وَأَخَذَ المُدْيَةَ، فَقالَ له رَسولُ اللهِ ﷺ : " إيَّاكَ وَالْحَلُوبَ " ، فَذَبَحَ لهمْ ، فأكَلُوا مِنَ الشَّاةِ وَمِنْ ذلكَ العِذْقِ وَشَرِبُوا، فَلَمَّا أَنْ شَبِعُوا وَرَوُوا ، قالَ رَسولُ اللهِ ﷺ لأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ : " وَالَّذِي نَفْسِي بيَدِهِ، لَتُسْأَلُنَّ عن هذا النَّعِيمِ يَومَ القِيَامَةِ، أَخْرَجَكُمْ مِن بُيُوتِكُمُ الجُوعُ، ثُمَّ لَمْ تَرْجِعُوا حتَّى أَصَابَكُمْ هذا النَّعِيمُ " ]. (٣)

✍️ و النعيم له صور عديدة ؛ منها ، الأمن و الصحة و العلم و الطعام و الشراب و اللباس و الزينة و التكاثر و المال و البنون ، و غير ذلك من متاع الدنيا ، و إنّ كانت نعمة واحدة فقط من هذه النعم لا يسع ابن آدم إحصاء منافعها ؛ كما أسلفت لكم الذكر ، فكيف الحال إذا ما سُئل في جميع هذه النعم ؟!! فكل هذا مسئول عنه ابن آدم ، فقال المولى ﷻ : { وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ ۚ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَٰئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا }. (٤) 

✍️ و الحذر الحذر أيها المسلم ؛ أن تستهين بسؤال الله ﷻ لك و حسابه ، فإنّ مناقشة الله ﷻ للعبد هلاك و عذاب ؛ فعن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها و عن أبيها أنها قالت : [ أنَّ النبي ﷺ قال: " مَن حُوسِبَ عُذِّبَ " ، قَالَتْ عَائِشَةُ : " فَقُلتُ أوَليسَ يقولُ اللَّهُ تَعَالَى: {فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا} " ، قَالَتْ: فَقَالَ: " إنَّما ذَلِكِ العَرْضُ، ولَكِنْ: مَن نُوقِشَ الحِسَابَ يَهْلِكْ " ]. (٥)

✍️ الخلاصة أنّ هذا السؤال واقع بنا جميعاً لا محال ، و إنّما الاجتهاد في كيفية أن يمر عليك السؤال يسيراً بسلام ، لمثل هذا يعمل العاملون .

✍️ و إذا ما تأملت السؤال و عرفت المراد ، ستجد إن شاء الله تعالى الجواب ، و بما أنّ السؤال كما تبينّا أشكرت النعمة أم كفرتها ، و فيما أفنيتها ، إذن فحل هذه المسألة يكون على وجهين ؛ أولاً أن تشكر الله ﷻ على نعمه و تحمده ، و هذا فرض عين على كل مؤمن ، فقال ﷻ : { فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ(٦) ، و قد تدبرنا سوياً معنى الحمد تفصيلاً من قبل (٧).

✍️ و ثانياً أن تبتغي فيما آتاك الدار الآخرة ، فقد قال ﷻ : { وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ ۖ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا ۖ وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ ۖ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ ۖ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ } (٨) ، فالمال الذي أوتيته مثلاً ليس على علم عندك كما تظن ، و لم ترزق به لتطغى أو تتجبر أو تتفاخر ، و إنّما ابتلاك الله ﷻ به ليرى كيف تصنع ، أتحسن و تشكر ، أم تفجر و تكفر.

✍️ و إذا ما ابتغى العبد فيما أتاه الله ﷻ ، زهد متاع الدنيا و تلك سمة من سمات المتقين ، فالزهد هو الرغبة عن الدنيا و ترك كل ما يشغلك عن طاعة الله ﷻ و محبته ، و هذا لا يعني أبداً التواكل و التخاذل عن الكسب و العمل، و إنما ابتغاء مرضاة الله ﷻ في كل شيء حتى في الكسب و العمل.

✍️ فأهل الزهد و التقوى لا يعملون في الدنيا حباً فيها و ابتغاء حيازتها ، و إنما يكدون فيها صبراً عليها ، لذلك من أغناه الله ﷻ منهم من فضله حمد و شكر و تصدق و سعى في الأرض إصلاحاً ، و من قدر عليه رزقه منهم صبر و رضي و سعى في الأرض يبتغي من فضل الله.

✍️ و من يرغب عن الدنيا قطعاً لا يرغب فيها ، فلا يتصور أبداً أن يجتمع في قلب واحد الزهد مع التعلق بالدنيا و حب الشهوات و انتهاك المحرمات ، كما قال ابن القيم رحمه الله : " القلب المعلق بالشهوات لا يصح له زهد ولا ورع " (٩) ، و على ذلك فإن أول سبيل الزهد هو ترك ما حرم الله ﷻ من القول و الفعل ؛ و هذا أوجبه ، لأنّه ترك المحرمات فرض عين على كل مسلم .

✍️ و الزهد لا يكون أبداً بالتقشف المذموم و رثاثة الهيئة و دروشة المجاذيب ، و لا بالتبتّل في الصوامع و الجبال ، و إطلاق إعتزال الدنيا ، هذا باطل لم يأمر به الله ﷻ ، إنما يحب الله ﷻ  أن يرى أثر نعمته على عباده بغير إسراف ، فقال ﷻ : { وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ }. (١٠) 

✍️ و قد دلّ القرآن الكريم على هذا المفهوم غير مرة ، كما جاء في قوله ﷻ : { قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ ۚ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ ۗ كَذَٰلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ } (١١) ، و قوله ﷻ : { وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا ۖ  }. (٨)

✍️ إنما تلك رهبانية إبتدعها النصارى و تبعهم فيها أشباههم ، فهذه بدعة باطلة و محرمة على المؤمنين ، و قال عنها المولى ﷻ [ وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا ۖ فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ ۖ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ ] (١٢) ، و نهى عنها رسول الله ﷺ فقال : " أَمَا واللَّهِ إنِّي لَأَخْشَاكُمْ لِلَّهِ وأَتْقَاكُمْ له، لَكِنِّي أصُومُ وأُفْطِرُ، وأُصَلِّي وأَرْقُدُ، وأَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ، فمَن رَغِبَ عن سُنَّتي فليسَ مِنِّي ". (١٣) 

✍️ إنّما الزهد ما وقر في القلب من الرغبة عن التنعم في الدنيا ، هكذا كان زهد النبي ﷺ ، فعن عمر رضي الله عنه قال : [ فَدَخَلْتُ علَى رَسُولِ اللهِ  وَهو مُضْطَجِعٌ علَى حَصِيرٍ، فَجَلَسْتُ، فأدْنَى عليه إِزَارَهُ وَليسَ عليه غَيْرُهُ، وإذَا الحَصِيرُ قدْ أَثَّرَ في جَنْبِهِ، فَنَظَرْتُ ببَصَرِي في خِزَانَةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَإِذَا أَنَا بقَبْضَةٍ مِن شَعِيرٍ نَحْوِ الصَّاعِ ، وَمِثْلِهَا قَرَظًا في نَاحِيَةِ الغُرْفَةِ، وإذَا أَفِيقٌ مُعَلَّقٌ ] ، [ قالَ : " فَابْتَدَرَتْ عَيْنَايَ " ، قالَ: " ما يُبْكِيكَ يا ابْنَ الخَطَّابِ؟ " ، قُلتُ : " يا نَبِيَّ اللهِ، وَما لي لا أَبْكِي وَهذا الحَصِيرُ قدْ أَثَّرَ في جَنْبِكَ، وَهذِه خِزَانَتُكَ لا أَرَى فِيهَا إِلَّا ما أَرَى، وَ ذَاكَ قَيْصَرُ وَكِسْرَى في الثِّمَارِ وَالأنْهَارِ ، وَأَنْتَ رَسُولُ اللهِ  وَصَفْوَتُهُ، وَهذِه خِزَانَتُكَ! " ، فَقالَ : " يا ابْنَ الخَطَّابِ، أَلَا تَرْضَى أَنْ تَكُونَ لَنَا الآخِرَةُ وَلَهُمُ الدُّنْيَا؟ " ، قُلتُ: "بَلَى" ] (١٤) ، و في رواية : أُولَئِكَ قَوْمٌ عُجِّلَتْ لهمْ طَيِّبَاتُهُمْ في الحَيَاةِ الدُّنْيَا ] . (١٥) 

✍️ من هذا نتعلم أنّ الزاهد بحق ؛ هو الذي ترك من دنياه ما يضره و ما لا ينفعه في آخرته ، ممّا لا يهم و لا يعني من الكلام و النظر و السؤال و اللقاء و غيره ، لذلك إذا ما تأملت حال الزهاد ، تراهم و قد هانت عليهم أنفسهم في طاعة الله ﷻ و محبته .

✍️ و الزهد على درجتين ؛ الأولى هي الورع ، و ذلك بترك المكروه ؛ و إن كان مباحاً و لا يأثم تاركه ، و التنزّه و الترفٌع عن الشبهات ، و عن ذلك قال رسول الله ﷺ : [ الحَلَالُ بَيِّنٌ، والحَرَامُ بَيِّنٌ، وبيْنَهُما مُشَبَّهَاتٌ لا يَعْلَمُهَا كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ، فَمَنِ اتَّقَى المُشَبَّهَاتِ اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ وعِرْضِهِ ]. (١٦)

✍️ و الثانية بالتقشف المحمود ، و ذلك بترك الترف و البذخ و زخرف الدنيا و زينتها ، و الرغبة عن ثناء الناس و حب ذياع الصيت و الإمارة ، و هذا مما أوصانا به رسول الله ﷺ إذ قال : [ إنَّ البذاذةَ منَ الإيمانِ ] (١٧) ، و البذاذة أي التواضع في الهيئة و الملبس و التحرز عن التأنق و الخيلاء و المغالاة.

✍️ و الفائدة المرجوة مما تدبرنا معاً ، هي الاعتدال في الحياة الدنيا ؛ بغير إسراف و لا قتور ، و زهد متاعها و رجاء الآخرة ، و خير الزهد أخفاه كما قال أهل العلم.

🌿 سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك و أتوب إليك 🌿 

---------------------------------------------------------------

📖 المراجع :-

(١) آية ١٨ ـ سورة النحل
(٢) جامع الحديث و السُنّة (١١٠٠٠٩/٠٠٠٤٢)
(٣) صحيح مسلم (٢٠٣٨)     
(٤) آية ٣٦ - سورة الإسراء
(٥) صحيح البخاري (١٠٣) - صحيح مسلم ( ٢٨٧٦)
(٦) آية ١٥٢ - سورة البقرة         
(٧) انظر تفسير آية " الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ " - سورة الفاتحة
(٨)  آية ٧٧ - سورة القصص      
(٩) الفوائد لابن القيم (ص١٧١)     
(١٠) آية ١١ - سورة الضحى    
(١١) آية ٣٢ - سورة الأعراف
(١٢) آية ٢٧ - سورة الحديد
(١٣) صحيح البخاري (٥٠٦٣) - صحيح مسلم (١٤٠١)
(١٤) صحيح مسلم (١٤٧٩)    
(١٥) صحيح البخاري (٢٤٦٨) 
(١٦) صحيح البخاري (٥٢) - صحيح مسلم (١٥٩٩)
(١٧) فتح الباري لابن حجر (٣٨١/١٠) ، و قال : صحيح

الحمد لله رب العالمين - سورة الفاتحة

 🌿 ﷽ { الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ } 🌿

✍️ الحمد هو الشكر مع الثناء على المشكور ، لذلك فإنّ الحمد أعمّ و أعظم من الشكر ، فالحمد يكون على النعم و غيرها ، أمّا الشكر فيقتصر على النعم و حسب .

✍️ [ الْحَمْدُ لِلَّهِ ] جملة خبرية ، يخبرنا فيها المولى ﷻ أنه المستحق للحمد وحده ، [ رَبِّ الْعَالَمِينَ ] ثناءاً عليه ، و الرب يعني المالك و السيد ، و العالمين جمع عالم ، و بذلك يكون المعنى مالك و سيد كافة العوالم ، ربها و المستحق للعبادة وحده.

✍️ و لحمد الله ﷻ و شكره فوائد جمّة ، فمن حمده زاده ، فقال ﷻ : { وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ ۖ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ } (١) ، و الحمد هو زورق النجاة من غضب الله ﷻ و عذابه ، و عن ذلك قال الله ﷻ : { مَّا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِن شَكَرْتُمْ وَآمَنتُمْ ۚ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا } .  

✍️ و الحمد و الشكر يكونان على ثلاثة أوجه ، أولاً الحمد و الشكر بالقول ، و قد علمنا رسول الله ﷺ أنّ نحمد الله ﷻ في كل حين ، فقال ﷺ : " إذا عَطَسَ أحَدُكُمْ فَلْيَقُلِ: الحَمْدُ لِلَّهِ " (٣) ، و كان ﷺ إذا قام عن فراشه يقول : " الحَمْدُ لِلَّهِ الذي أحْيانا بَعْدَ ما أماتَنا وإلَيْهِ النُّشُورُ " (٤) ، و كان ﷺ إذا فرغ من طعامه يقول : " الحَمْدُ لِلَّهِ الذي كَفَانَا وأَرْوَانَا، غيرَ مَكْفِيٍّ ولَا مَكْفُورٍ ".(٥)

✍️ و الحمد من سمات الأنبياء و الصالحين و كنا تدارسنا ذلك سوياً بالتفصيل في مقال سابق (٦) ؛ و هو دعائهم في جنة الخلد ؛ كما جاء في قوله ﷻ : { وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَٰذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ ۖ } (٧) ، و قوله ﷻ :  { وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ ۖ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ } (٨) ، و قوله ﷻ : { وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ ۖ فَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ }. (٩)

✍️ و ثانياً الحمد و الشكر بالعمل ، كما أشار إليه قوله ﷻ : { اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا ۚ وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ } (١٠) ، و ذلك بالأعمال الصالحة و أداء الفرائض ، كما بين لنا المولى ﷻ في قوله : { وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَىٰ وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ } (١١) ، فشكر الجوارح أداء الفرائض والمحافظة عليها، كالصلاة والصيام والزكاة وحج بيت الله الحرام من استطاع إليه سبيلاً ، والجهاد في سبيل الله بالنفس والمال. (١٢)

✍️ و ثالثاً الحمد و الشكر بالتحدث بنعم الله ﷻ ، كما جاء في قوله ﷻ : { وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ } (١٣) ، فالمولى ﷻ يحب أن يرى أثر نعمته على عباده بغير مغالاة و لا إسراف ، و التحدث بنعمة يكون للثقات من ذوي صاحب هذه النعمة ، و ذلك تقاة للحسد.

🌿 سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت ، أستغفرك و أتوب إليك 🌿 

---------------------------------------------------------------

📖 المراجع :-

(١) آية ٧ - سورة إبراهيم
(٢) آية ١٤٧ - سورة النساء       
(٣) صحيح البخاري (٦٢٢٤)
(٤) صحيح البخاري (٦٣١٢ ، ٧٣٩٤)
(٥) صحيح البخاري (٥٤٩٥)
(٦) مدونة السيرة النبوية لأبي صلاح/ فضائل النبي ﷺ/ لواء الحمد 
(٧) آية ٤٣ - سورة الأعراف     (٨) آية ٣٤ - سورة فاطر  
(٩) آية ٧٤ - سورة الزمر        (١٠) آية ١٣ - سورة سبأ.   (١١) آية ١٩ - سورة النمل
(١٢) مجموع فتاوى ومقالات الشيخ ابن باز (١٦٦/٥)
(١٣) آية ١١ - سورة الضحى

الجمعة، 18 أكتوبر 2024

آية ٦٠ : ٦٤ - سورة الكهف

 🌿 ﷽ { وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِفَتَاهُ لَا أَبْرَحُ حَتَّىٰ أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا ۝٦٠ فَلَمَّا بَلَغَا مَجْمَعَ بَيْنِهِمَا نَسِيَا حُوتَهُمَا فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ سَرَبًا ۝٦١ فَلَمَّا جَاوَزَا قَالَ لِفَتَاهُ آتِنَا غَدَاءَنَا لَقَدْ لَقِينَا مِن سَفَرِنَا هَٰذَا نَصَبًا ۝٦٢ قَالَ أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَمَا أَنسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ ۚ وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَبًا ۝٦٣ قَالَ ذَٰلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ ۚ فَارْتَدَّا عَلَىٰ آثَارِهِمَا قَصَصًا ۝٦٤ } 🌿

✍️ قام موسى عليه السلام فخطب في قومه فذكّرهم و وعظهم ، حتى انخرطت أعينهم في البكاء ، و كان عليه السلام على علم عظيم ، فعجب أحدهم من شدة علم موسى عليه السلام ، فسأله : هل في الأرض أعلم منك !! ، أو من أعلم أهل الأرض!! ، فأجابه عليه السلام : لا ، و أنه هو أعلم أهل الأرض ، فعاتبه المولى ﷻ في ذلك ، إذ لم يرجع الفضل لله تعالى .

✍️ و أمره الله ﷻ أن يمضي حتى يبلغ مجمع البحرين ، فهناك سيجد عبداً من عباد الله ﷻ ؛ هو الخضر عليه السلام ، و عنده من العلم ما هو أكبر من علمه ؛ أي موسى .

✍️ و أمره الله ﷻ أن يأخذ معه حوت ؛ أي سمكة عظيمة ، و أوحى إليه أنّ آية ملاقاته أن يضيع منه حوته و يفقده ، فأخذ موسى معه فتاه عليهما السلام ، و أخذا الحوت في زمبيل أو مكتل و انطلقا به ، كما جاء من خبر هذه القصة في الصحيحين. (١) 

✍️ { وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِفَتَاهُ } و موسى المعني هاهنا ؛ هو كليم الله موسى عليه السلام بلا ريب ، رسول رب العالمين إلى بني إسرائيل ، و من قال بخلاف ذلك فقد افترى على الله كذباً ، و فتاه هو يوشع بن نون عليه السلام (٢) كما قال ابن عباس رضي الله عنهما . (١) 

✍️ { لَا أَبْرَحُ حَتَّىٰ أَبْلُغَ } أي لا أزال أواصل و أتابع السير حتى أصل إلى { مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ } أي مكان إلتقائهما ، و تعددت الأقوال في هذا المكان و أين يقع (٣) ، فقيل أنّه بحر فارس (الخليج العربي) و بحر الروم (البحر المتوسط) ، و قيل أنّه بحر القلزم (البحر الأحمر) و بحر الأردن (البحر الميت).  

✍️ و قيل بحر الكر (بحر قزوين) و الرس (البحر الميت) ، و قيل طنجة في أقصى المغرب حيث التقاء البحر المتوسط بالمحيط عند مضيق جبل طارق ، و قيل بحر العرب و البحر الأحمر عند مضيق باب المندب ، و قيل خليجي السويس و العقبة حيث يلتقيان بمنطقة رأس محمد .

✍️ و من بين ذلك كله أكاد أن أركن قليلاً إلى الرأيين الأخيرين ، و ذلك لسببين ؛ أولاً البحار التي ذكرت في الآراء الأخرى يفصلهما مساحات شاسعة من اليابسة ، ممّا يجعل صفة مجمع البحرين لا تليق بأي منهم . 

✍️و ثانياً المسافة إلى أي من البحار المذكورة في الآراء الأخرى ؛ كبيرة جداً على أن يقطعها موسى و فتاه عليهما السلام سيراً على الأقدام ، و الله أعلى و أعلم.

✍️ { أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا } أي حتى لو مكثت أتابع المسير حقباً متتابعة من الزمن ، و هذا لا يدل إلا على عظيم إيمان نبي الله موسى عليه السلام ، و امتثاله لطاعة أوامر الله ﷻ ، فانظر كيف يؤثر طاعة الله ﷻ على نفسه ، فدلّ كلامه عليه السلام أنّه على أتم الاستعداد أن يمضي حقباً و يفني نفسه طاعةً لله ﷻ.

✍️ { فَلَمَّا بَلَغَا مَجْمَعَ بَيْنِهِمَا } أي وصلا إلى مرادهما و المكان الذي يبغيان ، أويا إلى صخرة للراحة من بعد مشقة المسير ، و غلبهما النوم فناما { نَسِيَا حُوتَهُمَا } أي تركاه ، و ينسب النسيان لكليهما عليهما السلام بالرغم من أنّ يوشع عليه السلام وحده كان حامله ، و ذلك لأنهما سواء في التزود به للمسير ، لذلك فالنسيان ينسب لكليهما.

✍️ و الحوت في المعاجم العربية (٤) هو السمك ؛ خاصةً ما عظم حجمه منه ، و الجمع حيتان و أحوتة ، و منه المحاوتة أي المراوغة ، و الحَوَتَان أي الحَوَمَان حول الشيء ، الحوتاء أي الضخمة الخاصرة ، و الطرية اللحم.

✍️ و من مجموع ذلك ستجد أنّ الكائن إذا ما وصف بلفظ "حوت" ، فسوف يكون لديه القدرة على المراوغة و الحومان ، و كذلك سوف يتسم بضخامة الوسط و طراوة اللحم ، كما هو الوصف بالنسبة للأسماك خاصةً كبيرة الحجم منهم.

✍️ و ليس هناك تعارض بين الرأيين اللذين اخترتهما في تأويل مجمع البحرين ، و بين وجود أسماك بهذا الحجم ، ففي بحر العرب و البحر الأحمر أسماك كثيرة عملاقة ؛ مثل أسماك الهامور و أسماك شمس المحيط و أسماك نابليون.

✍️ { فَاتَّخَذَ } أي الحوت ، حيث دبت فيه الحياة مرة أخرى ، لقد أحياه الذي أنشأ و أحيا كل شيء ، و هو بكل خلق عليم ، سبحانه و كان ذلك عليه يسير ، { فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ } أي مسلكه { فِي الْبَحْرِ سَرَبًا } أي ذهب و انصرف فيه .

✍️ { فَلَمَّا جَاوَزَا } و أكملا المسير بعد مكان الصخرة { قَالَ } موسى عليه السلام { لِفَتَاهُ } يوشع بن نون عليه السلام { آتِنَا غَدَاءَنَا } و الغداء ما يعد للأكل غدوةً ، كما أنّ العشاء ما يعد للأكل عشيةً { لَقَدْ لَقِينَا مِن سَفَرِنَا هَٰذَا نَصَبًا } أي عناءاً و تعباً .

✍️ الشعور بالتعب هو ما دفع موسى عليه السلام للتسائل و التفكر في كونهما قد جاوزا المكان المقصود ، لأن التعب لا يصيب العبد ما دام في طاعة الله ﷻ و يؤدي ما كلفه به (٥) ، { قَالَ } أي يوشع عليه السلام { أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ } أي تركته { وَمَا أَنسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ ۚ } أن أذكره لك و أخبرك بأمره ، { وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ } و هذا دليل على فطنته ، إذ لم يظنّ أنّه سرق أو اختطفه طير ، إنما لاحظ ذلك من أثر انصرافه إلى البحر. 

✍️  { وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَبًا } فكان هذا أمراً عجيباً ليوشع عليه السلام ، أمّا بالنسبة لموسى عليه السلام لم يكن أمر الحوت عحباً ، فقد نبأه بذلك العليم الخبير ، و أنها الآبة و العلامة التي سيجد عندها الخضر عليه السلام ، لذلك قال : { قَالَ ذَٰلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ ۚ } أي هذا ما كنّا نريد ، { فَارْتَدَّا عَلَىٰ آثَارِهِمَا قَصَصًا } أي رجعا تجاه الصخرة ، و هما يقتصان أثرهما .

🌿 سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت ، أستغفرك و أتوب إليك 🌿 

------------------------------------------------------------

📖 المراجع :-

(١) صحيح البخاري (١٢٢ ، ٤٧٢٥ ، ٤٧٢٦ ، ٤٧٢٧) ، و صحيح مسلم (٢٣٨٠).
(٢) قصة يوشع بن نون / قصص الأنبياء/ مدونة القصص لأبي صلاح
(٣) جامع البيان الطبري (٣٠٩/١٥)
(٤) انظر المحكم و المحيط الأعظم لابن سيده (٤٩٣/٣) ، و القاموس المحيط الفيروز آبادي (ص١٥٠) ، و لسان العرب لابن منظور (٤٦٤/١).

الجمعة، 11 أكتوبر 2024

آية ١٠٦ - سورة الإسراء

🌿 ﷽ { وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَىٰ مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنزِيلًا ۝١٠٦ } 🌿

✍️ { وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ } أي قدّرناه و أنزلناه ، فقضينا و فصلنا و حكمنا به ، و فرقنا به بين الحق و الباطل ، { لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ} هذه خلاصة رسالة النبي ﷺ ، بعث بها إلى الناس كافة ، مبلغاً إيّاهم ما شاء المولى ﷻ ، بشيراً للمؤمنين و نذيراً الكافرين ، قال ﷻ : { هَٰذَا بَلَاغٌ لِّلنَّاسِ وَلِيُنذَرُوا بِهِ وَلِيَعْلَمُوا أَنَّمَا هُوَ إِلَٰهٌ وَاحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ ۝٥٢ } (١).

✍️ { عَلَىٰ مُكْثٍ } على مهل و تؤدة ، و هذا تأكيداً على قوله ﷻ : {  لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ ۝١٦ } (٢) ، حيث أمر الله ﷻ النبي ﷺ ألّا يعجل بتلاوة القرآن ، و ألّا يخشى نسيان و لا فوات ، فالقرآن الكريم لا يقرأ كقراءة الجرائد و لا يهزّ هزّ الشعر ، و إنما يرتل موعظة للمتقين ، قال المولى ﷻ: { وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا ۝٤ } (٣).

✍️ { وَنَزَّلْنَاهُ تَنزِيلًا } أنزل القرآن الكريم في ثلاثة و عشرين سنة ، ثلاثة عشر سنة في مكة و عشر سنين في المدينة ، و ذلك تثبيتاً لفؤاد النبي ﷺ و تأييداً لبعثته الشريفة (٤) ، و هذا من أعظم البراهين على أنّ القرآن الكريم كتاب من عند الله ﷻ ، بعكس ما يزعم المشككين.

✍️ لقد أنزل القرآن الكريم على مدار ربع قرن من الزمان تقريباً ، و ليس فيه اختلاف أو تضارب أو تعارض ، قال المولى ﷻ: { أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ ۚ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا ۝٨٢ } (٥) ، لو أنّه كان من عند غير الله ﷻ ، لتغير رأي صاحبه و تغيرت قناعاته و مبادئه و رؤيته لبعض الأمور و تأويلها ، و هذا لا يقع أبداً في كتاب الله ﷻ.

✍️ و تأمل في تدارسنا سوياً لآيات الله ﷻ ، إذ نربط شرح آية نزلت على النبي ﷺ أول بعثته الشريفة بآية أخرى أنزلت عليه  آخر البعثة ، و كما ترى هذا هو حال كتاب الله ﷻ ، كلّما همّوا أن يكذبوه ، وجدوا أن ما اختلفوا فيه ، هو من إعجازه ، { فَتَرَبَّصُوا إِنَّا مَعَكُم مُّتَرَبِّصُونَ }. (٦) 

🌿 سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت ، أستغفرك و أتوب إليك 🌿 

------------------------------------------------------------

📖 المراجع :-

(١) آية ٥٢ - سورة إبراهيم
(٢) آية ١٦ - سورة القيامة
(٣) آية ٤ - سورة المزمل
(٤) آية ٣٢ - سورة الفرقان
(٥) آية ٨٢ - سورة النساء
(٦) آية ٥٢ - سورة التوبة

آية ٣٢ - سورة الفرقان

 🌿 ﷽ { وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً ۚ كَذَٰلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ ۖ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا ۝٣٢ } 🌿

✍️ { وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً } هذا سؤال يطرحه المشركين منذ عهد النبي ﷺ حتى الآن ، كما ترى ملّة الكفر كلها واحدة ، و حججهم الداحضة واحدة ، و وسواسهم الشيطانية واحدة ، تشابهت قلوبهم ، قاتلهم الله أنّى يؤفكون.

✍️ إنّ تنزيل القرآن الكريم جملة واحدة على الله ﷻ ليسير ، سبحانه إنّه على كل شيء قدير ، و هذا قد وقع بالفعل في علم الله ﷻ ، و قد تناولت شرح هذه النقطة تحديداً في شرح معاني سورة القدر . (١)

✍️ أمّا عن تنزيله شيئاً فشيئاً علي النّاس فلذلك فوائد جمّة ؛ أولاً لطف الله ﷻ و الرّفق بالنّاس ، فأيّنا يطيق الالتزام بكافة هذه التكاليف جملة واحدة !! إنما كان التدرج فيما أحلّ الله ﷻ و ما حرّم ، تيسير على المؤمنين.

✍️ ثانياً امتحان القلوب و إقامة الحجج (٢) ، فكم من آية نزلت تمتحن قلوب المؤمنين و تميز الخبيث من الطيب ، كآيات تحويل القبلة مثلاً ، و محاسبة الناس بنواياهم و ما تخفي صدورهم في خواتيم البقرة . (٣)

✍️ ثالثاً برهان ساطع و دليل قاطع على صدق بعثة النبي ﷺ ، و أنّ ذلك الكتاب من عند الله ﷻ ، و أنزل بعلمه بلا ريب ، فكم من آية في كتاب الله تعالى كانت رداً على أسئلة اختبرت بها نبوة محمد ﷺ ، و كم من آية من كتاب الله تعالى قصّت علينا غريباً من خبر الأولين و الآخرين.

✍️ { كَذَٰلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ ۖ  } لتطمئن به و تثبت على الحقّ ، { وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا } أي تلاوة ، و ذلك للتدبر و الموعظة ، و قد تدارسنا هذا في قوله الله ﷻ : { لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَىٰ مُكْثٍ } (٤) أي على مهل و تؤدة ، فهذا الكتاب أعظم ما أنزل المولى ﷻ ، لا عوج فيه و لا اختلاف (٥) ، بشيراً و نذيراً ، لذا يستلزم منّا التدبر و التدارس.

🌿 سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت ، أستغفرك و أتوب إليك 🌿 

------------------------------------------------------------

📖 المراجع :-

(١) انظر تفسير سورة القدر

(٢) انظر تفسير آية ١٠٢ - سورة البقرة ، و تفسير آية ٨٢ - سورة الإسراء ، و تفسير آية ١٧ سورة الدخان .

(٣) انظر تفسير خواتيم البقرة

(٤) انظر تفسير آية ١٠٦ - سورة الإسراء

(٥) انظر تفسير آية ٨٢ - سورة النساء

الجمعة، 4 أكتوبر 2024

١٠٥ - سورة الفيل

🌿 [ أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ ۝١ أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ ۝٢ وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ ۝٣ تَرْمِيهِم بِحِجَارَةٍ مِّن سِجِّيلٍ ۝٤  فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَّأْكُولٍ ۝٥ ] 🌿

✍️ و الله إنّ قليل من كتاب الله ﷻ لكثير ، يُروى به القلب و تُشفى به النفس و تطيب به الروح ، فهذه السورة من خمس آيات ؛ قرأت عنها في أكثر من عشرة كتب ، و كتبتُ لأجلها سبعة مقالات ؛ منها ثلاثة شروح لآيات من سور أخرى ، و خرَّجت حديث شريف ، حتى يتسنى لي أن أشرح معانيها .

✍️و هذا ليس بجديد عليّ مع القرآن الكريم و من يتابع ما أكتب يرى مدى الترابط بين آيات القرآن واضحاً جلياً ؛ فكم من آية من آيات الله ﷻ كتبتُ محاولاً شرحها في عدّة صفحات ؛ مُسندٌ ما كتبت فيها لعشرات المراجع منها آيات أخرى ، و الله ﷻ يشهد أنني حين اكتب كم أجتهد في إيجاز القول قدر إستطاعي.

✍️ لذا داومت على قول أنّ مَن اجتهد في كتاب الله ﷻ فأتمّ الله ﷻ نعمته عليه بحفظ و فقه حتى لو قليل من علومه ؛ فقد ألَمَّ بخير كثير ، و إن كان قد فاته الكثير بلا ريب.

✍️ و أمّا مَن اجتهد فأتمّ الله ﷻ نعمته عليه بحفظ و فقه كثير منه ؛ فقد ألَمَّ بخير كثير ، و إن كان القليل الذي فاته كثير أيضاً ، و هكذا إلى أن يتمّ الله ﷻ نوره عليه و يهديه إلى حفظه و فقهه كلّه ، و هذا هو الفضل العظيم.

✍️ [ أَلَمْ تَرَ ] أيّ ألم تعلم بما جرى لهولاء ، أو ألم يأتك خبر و نبأ ما وقع و حلّ بهم ، و التعبير بلفظ "تَرَ" أقوى لأنّ من شدة أثر ما وقع لهم في النفوس ، يُحكى و يُروى و يكأنّه رأي العين .

✍️ و تحكي لنا السورة المباركة قصة أبرهة الأشرم و ما حلّ به و بجنوده عند محاولته البائسة لهدم بيت الله الحرام (١) ، و كان هدفه المنشود من ذلك هو تحويل الحج إلى القليس التي بناها ، و من ثَمّ تحويل صنعاء إلى مركزاً تجارياً للعرب و أهل الشام بدلاً من مكة ، فحبس الله ﷻ الفيل عن مكة ، و لم يمس البيت أذى. (٢) 

✍️ [ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ ] أي هزمهم وحده سبحانه ، ممّا دلّ على عدم تدخل أهل مكة ، و ذلك لعدم قدرتهم على التصدي للمعتدين ، لأن البيت بالنسبة لقريش بمثابة شرفهم ، و الاعتداء عليه غير مقبول عندهم بالمرة ، إذن فعدم دفاعهم عن البيت من المؤكد أنّه كان لأمر قد أعجزهم و أكبر من قدرتهم و لا قِبَل لهم به.



✍️[ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ ] و هنا يبيّن لنا المولى ﷻ الأمر الذي أعجز قريش ، فلا قِبَل لأهل مكة حينئذ بملاقاة جيش جرّار يتقدمه فيل ضخم ، اصطحبه صاحبه ، رغم تكلفة ذلك الباهظة ، تجبّراً منه و تخويفاً لهم .

✍️ و وصف القرآن الكريم لهم "بِأَصْحَابِ الْفِيلِ" فيه استنكار و استهزاء بهم ، فهذا يعجز و يخوّف قريش ، أما بالنسبة لله ﷻ ، سبحانه القاهر القادر الذي لا يعجزه شيء في الأرض و لا في السماء.

✍️ و يزعم البعض أنّ هذا لم يقع و يستندون إلى أبحاث و تقارير بعثة ريكمانز الأثرية (٣) ، و يكذّبون ما أنزل الله ﷻ ، تعالى الله عمّا يشركون.

✍️ و يُردّ على ذلك بأنّ ما قررته أبحاث هذه البعثة كان يشوبه النقص و يعيبه تناسي حقائق هامة ، فأولاً الأثر التي تستند إليه البعثة في تقريرها ليس واضحاً بسبب ما تعرّض إليه من عوامل التعرية ، و على ذلك فإنّ ترجمته اعتمدت على التخمينات و هذا ما يجعلها معيبة و لا يمكن الجزم بها .


✍️ ثانياً البعثة الملكية السعودية ، من جامعة الملك عبدالعزيز تحرّت حقائق نتائج بعثة ريكمانز ، و أكدت أنّ هناك أثر آخر تناست البعثة التحدث عنه (٣) و هو نفش لمحارب يدعى منسي بن ذرانح ، حارب تحت قيادة أبرهة، و درست البعثة النقشين ، و تبين أنّ النقش يروي أخبار صراع قبلي استغله أبرهة الحبشي في ضرب أعدائه من قبائل نجد. 

✍️ و أنّ أسماء هذه القبائل والأماكن لا صلة بينها وبين تلك التي وردت في الروايات العربية عن حملة الفيل ، و أنّ النقش يسجل أخبار حملة أخرى سبقت حملة الفيل التي أشار إليها القرآن الكريم بفترة تبلغ عشرين سنة.

✍️ ثالثاً إنّ الأثر التي تحدثت عنه بعثة ريكمانز ، لا يتعارض أساساً مع ما جاء في الذكر الحكيم ، لأنّ النقش قبل حادثة الفيل بحوالي عشرين سنة ، أمّا ما سجله المؤرخون أن مُلك أبرهة دام إلى ٥٧١م (٤) ، و هذا موافق لعام الفيل و قد تناولت هذه النقطة بتفصيل أكبر في مقالي عن مولد النبي ﷺ. (٥)

✍️ و كان أبرهة قد غزا اليمن ، و استولى على مُلكها و نشر بها النصرانية بأمر من النجاشي عظيم الحبشة ، ثمّ سعى للاستقلال بها ، و قد أرسله النجاشي على رأس جيش لغزو اليمن انتقاماً من ذي نواس الحميري ؛ بعد أن أحرق المؤمنين من النصارى في الأخاديد ، لأنهم آمنوا بغير دينه إذ أنّه كان يدين باليهودية.

✍️ و يصوّرُ لنا القرآن الكريم عظيم قدرة الله ﷻ ، و  كيف عاقب هؤلاء المجرمين على محاولتهم الإعتداء على بيته المحرم ؛ أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ ] فردّ كيدهم في نُحُورهم لم ينالوا من عُتُوّهم إلا العذاب الأليم.

⚡ و قد يتبادر إلى ذهنك تساؤلاً ، لماذا قد يملأ كل هذا الحقد قلب ملك مثل أبرهة تجاه الكعبة ، و لماذا كعبة مكة تحديداً التي اختار أبرهة هدمها ، و كان للعرب آنذاك نيف و عشرين كعبة !!؟

✍️ كعبة مكة تختلف عن أي كعبة أخرى للعرب ، فهي أول بيت وضع للناس لعبادة الله ﷻ وحده (٦) ، فهذا سبب شرفها و سر قدسيتها ، و هي التي بناها خليل الرحمٰن إبراهيم عليه السلام في المرة الأولى.

✍️ ثم هدمت بالسيل لحكمة يعلمها العزيز الحكيم ؛ فالمرة الأولى بناها نبي كريم ، و كذلك في المرة الثانية أيضا ، حيث شاءت إرادة المولى ﷻ أن يشهد و يقوم على بنائها في المرة الثانية خاتم المرسلين و خليل الرحمٰن أيضاً ﷺ و ينال فضل ذلك ، أمّا عن هدم الكعبة بعد الإسلام فلا يحتاج معجزة أو آية لمنعه.

✍️ فمن ناحية منع الله ﷻ نزول الآيات لتكذيب الناس بها ، كما جاء في قوله ﷻ : { وَمَا مَنَعَنَا أَن نُّرْسِلَ بِالْآيَاتِ إِلَّا أَن كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ ۚ وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِهَا ۚ وَمَا نُرْسِلُ بِالْآيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا }. (٧)

✍️ و من ناحية أخرى أنّ من بعد الإسلام كان قد تبين للنّاس الرشد من الغيّ ، و تولى أمانة البيت المسلمين ، و المرات التي هدمت الكعبة بعد الإسلام كانت إثر منازعات طائفية بين فرق المسلمين ، و بعدها كان يسخر المولى ﷻ من يعيد بنائها.

✍️ و الكعبة حين بناها إبراهيم عليه السلام لم تكن مكعبة الشكل و لا مربعة المساحة ، و إنّما بناها ذات ركنين من جهة ، و مستديرة من الجهة الأخرى ، و طولها أكبر من عرضها و ليس لها سقف ، كما قال رسول الله ﷺ و أراد لأجل ذلك أن يعيد بنائها على هذه الصفة. (٨)

✍️ أيّ لا تشبه معابد القمر و لا الشمس و لا أيّ من هذه التراهات ، و إنّما بُنيت مكعبة بهذا الشكل لمّا تهدّمت قبل بعثة النبي ﷺ على إثر سيل جارف ، و قصرت النفقات بقريش ، فأخرجوا حِجر إسماعيل عليه السلام منها ، و بنوها مربعة المساحة. (٨) (٩)

✍️ و كانت مكة مركزاً تجارياً هاماً بسبب حج العرب إلى الكعبة المشرفة ، لذلك اتجهت إرادة أبرهة إلى هدم هذه الكعبة تحديداً ، لأنّها الأقدس و الأهم عند العرب و ملتقاهم و قبلة حجهم .

✍️ { وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ ۝٣ تَرْمِيهِم بِحِجَارَةٍ مِّن سِجِّيلٍ ۝٤ } بغير جنود منزّلة و لا صواعق مدمّرة ، أهلكهم الواحد القهّار ﷻ ، و هكذا أخذ ربك للظالمين ، يأخذهم أخذ عزيز مقتدر .

✍️ ومعنى "طَيْرًا أَبَابِيلَ" أي طيوراً مجتمعة متتابعة كما رُوي عن مجاهد رحمه الله (١٠) ، أقبلت من نحو البحر كأنها ظلّة من السحاب (١١) ، "تَرْمِيهِم بِحِجَارَةٍ مِّن سِجِّيلٍ" أي من طين متحجر ؛ كما رُوي عن ابن عباس رضي الله عنهما. (١٠)

✍️ و كما ترى الأحداث جليّة و واضحة ، فلا غموض و لا رموز و لا أي من تلك الأباطيل التي يدعيها الجهلة ابتغاء الفتنة و ابتغاء تأويله ، و كنت قد كتبت لكم مقالاً عن مصطلح رمزية القصص ، و بينت بطلان هذا الإدعاء من قبل (١٢).

✍️ و تشككوا قائلين أنّ أبابيل و سجيل ألفاظ ليست عربية ، و هذا إدعاء غير صحيح ، لقول المولى ﷻ : { بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُّبِينٍ } (١٣) ، من الجائز أنّ هذين اللفظين غريبين عن العربية التي تحدثها بني إسماعيل عليه السلام ، و لكن هذا لا يعني أنّهما ليسا عربيين ، لأنّ اللغة العربية أقدم من قدوم إسماعيل عليه السلام إلى مكة ، بل أقدم من العرب العاربة الذي تزوج منهم عليه السلام.

✍️ إنّما هي كانت لسان الأمم البائدة من بعد الطوفان ، كعاد و ثمود ، بل و بالبحث في هذه المسألة ستجد أنّ اللغة العربية هي اللغة الأمم التي تحدثت بها الناس من قبل الطوفان بل و منذ عهد آدم عليه السلام. (١٤) 

✍️ طالما أنّ اللغة العربية هي اللغة الأم التي انبجثت منها سائر الألسنة فلا ألفاظ غريبة عليها لأنها الأصل ، و أما الألفاظ المستعربة في العربية الحديثة ، فهي تعامل معاملة اللفظ العربي ، و هذا من ميزات اللسان العربي ، أنه إذا ما عرب لفظ فاستخدمه ذابت عجمته ، فإذا رجع إلى أهله بالكاد يعرفونه. (١٥)

✍️ { فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَّأْكُولٍ } و العصف هو التبن ، و كعصف مأكول أي تبن أكلته البهائم حتى جعلته متفرقاً عن بعضه البعض ، هكذا كان حال أبرهة لمّا أصابهم مطر العذاب و الحجارة التي رجموا بها.

✍️ و من بقى من أصحاب الفيل أصابه العمى فكانوا يستطعمون الناس في مكة و ذاقوا الذلّ و الهوان ، و أخذتهم حكّة شديدة كان يتساقط بسببها لحمهم. (١٦)

✍️ العجيب في هذه القصة ؛ هو إصرار جماعة من الناس على الكفر و الطغيان بينما تُحسن البهائم الفعل و تتقي غضب رب العالمين ، فكان الفيل إذا ما توجهوا به للكعبة تباطئ ثمّ برك (١٦) ، ألم يكن في ذلك آية لهم لو كانوا يعقلون.

⚡ و ربما يسأل سائل لماذا نصر الله ﷻ قريش المشركين على أبرهة النصراني ؟! 

✍️ و يرد على ذلك أنّ لا فارق بين طاغية مؤمن و طاغية كافر و إنّما العبرة نصرة الحق ، و إغاثة المستضعف المظلوم ، فتلبية دعوة المضطر حق على الله ﷻ ، و هو القائل في كتابه الكريم : { أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ ۗ أَإِلَٰهٌ مَّعَ اللَّهِ ۚ قَلِيلًا مَّا تَذَكَّرُونَ }. (١٧)

✍️ ألم يكن ذي نواس يهودياً من أهل الكتاب ، ألم تر أنّ الله ﷻ قد سلّط عليه من أذاقه الهوان حين طغى و تجبّر ، و حال أبرهة لا يختلف عن ذلك في شيء ، حيث أنّه تحول إلى طاغية بعد أن سجّل عدة انتصارات ، و أكبر دليل على تحوله و تغيره محاولاته للاستقلال عن الحبشة . 

✍️ لقد اغترّ و تجبّر و هذا جليّ في بضع الأثار التي وجدت عنه ، و التي كان يسمى نفسه فيها مسيحاً و يتحدّث فيها عن نفسه كأنّه إله ، سبحان الله و تعالى عمّا يقولون علواً كبيراً.

✍️ من ناحية أخرى من قال أنّ أبرهة كان مؤمناً من الأساس ، إنما كان نسطورياً و على عقيدة فاسدة (١٨) ، فما الفارق بين المشركين الذين أشركوا مع الله ﷻ عدّة آلهة أخرى ، و بين الذين قالوا إنّ الله ثالث ثلاثة أقانيم ، أو الذين قالوا إنّ الله ثاني أقنومين ، تعالى الله عمّا يشركون ، فجميعهم مشركين و على عقيدة غير صحيحة.

🌿 سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك و أتوب إليك 🌿 

------------------------------------------------------------

📖 المراجع :-

(١) انظر السيرة لابن هشام (٥٢/١) ، و انظر البداية و النهاية لابن كثير (٢٩/١) ، و انظر صحيح الأثر و جميل العبر (ص ٧٨).
(٢) عن أبي هريرة أنّ رسول الله ﷺ قال: " إنّ الله حبس عن مكة الفيل ، و سلَّط عليهم رسول الله ﷺ والمؤمنين" - متفق عليه ، صحيح البخاري (١١٢) و صحيح مسلم (١٣٥٥: ٤٤٨)
(٣) مجلة العلوم و الآداب الإنسانية (١/٣) / مقال هل يشير نقش أبرهة الحبشي عند بئر مريغان إلى حملة الفيل ؁١٤١٠ هـ
(٤) المفصل في تاريخ العرب لجواد علي (ص٥٠٣ ، ٥٠٤)
(٥) مدونة السيرة النبوية لأبي صلاح / مقال مولد النبي ﷺ ٢٤ ربيع الأول ؁١٤٤٦هـ 
(٦) انظر تفسير آية ٩٦ ، ٩٧ - سورة آل عمران / مدونة من أنوار الذكر الحكيم لأبي صلاح 
(٧) آية ٥٩ - سورة الإسراء
(٧) صحيح مسلم (١٣٣٣) 
(٨) صحيح البخاري (١٥٨٤)
(١٠) صحيح البخاري (١٧٧/٦)
(١١) المستدرك على الصحيحين (٣٩٧٤) ،و قال الحاكم النيسابوري : هذا حديث صحيح الإسناد و لم يخرجاه ، و وافقه الذهبي في التلخيص و قال : صحيح.
(١٢) مدونة مقالات الشيخ أبو صلاح / مقال رمزية القصص ١٩ ربيع الأول؁١٤٤٦هـ 
(١٣) آية ١٩٥ - سورة الفيل
(١٤) مدونة مقالات الشيخ أبو صلاح / مقال أم اللغات ٢١ ربيع الأول؁١٤٤٦هـ 
(١٥) الإتقان في علوم القرآن للسيوطي (ص٢٨٨)
(١٦) نيل الأوطار (١٩٣/٧) ، أخرجه الشوكاني و قال إسناده حسن 
(١٧) آية ٦٢ - سورة النمل
(١٨) هداية الحيارى في أجوبة اليهود و النصارى لابن القيم (٥٣٦/١)

الأربعاء، 2 أكتوبر 2024

آية ٩٦ ، ٩٧ - سورة آل عمران

🌿 ﷽ { إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِّلْعَالَمِينَ ۝٩٦ فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَّقَامُ إِبْرَاهِيمَ ۖ وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا ۗ وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا ۚ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ ۝٩٧ } 🌿

✍️ { إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ } أي أول بيت بني لعبادة الله ﷻ وحده فهو قبل بيت المقدس بأربعين عاماً (١) ، و عسى أنّ في قرب المدة بينهما دلالة على أنّ بيت المقدس قد بُني أسوة بالبيت الحرام ، و اقتداءاً بإبراهيم و إسماعيل عليهما السلام.

✍️ أمّا ما شُيّد قبل ذلك فقد كانت معابد لآلهة و أصنام المشركين ، كما كان لعاد و ثمود و غيرهم ، لذلك أمر الله ﷻ الخليل و ابنه إسماعيل عليهما السلام ببناء هذا البيت ، حتى يعبد فيه المولى ﷻ وحده ، و كان هذا جليّ في أمره ﷻ لإبراهيم و إسماعيل عليهما السلام قائلاً : { وَعَهِدْنَا إِلَىٰ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَن طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ ۝١٢٥ } . (٢)

✍️ فقال أهل العلم في تأويل { أَن طَهِّرَا بَيْتِيَ } أي من الشرك فلا يكون على غرار معابد أهل الكفر ، و عسى أنّ العلّة من أمر المولى ﷻ ببناء هذا البيت ، هو انتشار الناس في الأرض و تكاثر الأمم بعد الطوفان ، فوضع لهم هذا البيت في هذه البقعة المباركة ، حتى يحجوا إليه و يجتمعوا عنده على عبادة الله ﷻ وحده.

✍️ { لَلَّذِي بِبَكَّةَ } و بكّة هي مكّة ، و هذا من شأن لغة العرب، فكثرة الأسماء لا تدل إلا على شرف المُسمى ، و الميم و الباء حرفين يشتركان في ذات المخرج ، لذلك يستخدمهما العرب و يستبدلونهما بعضهما ببعض (٣) ، و قد سميت بكّة لأنّ فيها بيت الله ﷻ يأتي إليها الناس يتضرعون و يبكون حتى يغفر لهم المولى ﷻ ما تقدّم من ذنوبهم و خطاياهم.

✍️ { مُبَارَكًا } من المولى ﷻ ، فجعله للناس جميعاً على حد سواء مثابة و أمناً ، فقال ﷻ : { وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِّلنَّاسِ وَأَمْنًا } (٢) ، و رزق أهله من كل الثمرات و الخيرات ، و في ذلك قال ﷻ : { أَوَلَمْ نُمَكِّن لَّهُمْ حَرَمًا آمِنًا يُجْبَىٰ إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِّزْقًا مِّن لَّدُنَّا وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ ۝٥٧ } (٤).

✍️ { وَهُدًى لِّلْعَالَمِينَ } فهو قبلة المؤمنين و من عنده خرج النبي ﷺ هدى و نور للناس أجمعين.

✍️ { فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَّقَامُ إِبْرَاهِيمَ ۖ  } يزعم بعض الجهلاء و المشككّين أنّ الكعبة المشرفة ما هي إلا إحدى كعبات العرب ؛ و اللاتي بلغنّ نيف و عشرين كعبة قبل الإسلام ، و لا فضل لها عليهنّ ، و إدعائهم هذا باطل و كاذب كسائر إدعاءاتهم.

✍️ و في هذه الآية المباركة رداً على أباطيلهم ، { فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَّقَامُ إِبْرَاهِيمَ ۖ } ؛ فيه بئر زمزم آية من آيات الله ﷻ ، و فيه مقام الخليل عليه السلام ، و لا يزال لقدميه الشريفين أثر على حجر المقام . (٥) 


✍️ و هو البيت العتيق حيث بُني بيدي خليل الرحمن عليه السلام ، بشهادة شعراء العرب قبل الإسلام (٦) ، و بشهادة كتب الأولين (٧) ، و أمّا كعبات العرب الأخرى فحديثة عهد بالنسبة له ، و إنما بنوها مضاهاة له .(٨) 

✍️ { وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا ۗ } و هذا من فضائل البيت المبارك كما بينت و أسلفت لكم الذكر ، { وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ } حق على عباده المؤمنين و لهذا وضع البيت ، و من أجل ذلك أمر المولى ﷻ إبراهيم عليه السلام ببنائه ، { مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا ۚ } وهذا من لطف المولى ﷻ بعباده ، إذ لا يكلف نفساً إلا وسعها و مقدورها.

✍️ فمن استطاع إليه سبيلاً ؛ أيّ لديه القدرة البدنية و السعة المادية ، فحج فقد أطاع الله تعالى ، و من لم يستطع فلا جناح عليه ، لكن من تولى و كفر { وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ }.

🌿 سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت ، أستغفرك و أتوب إليك 🌿 

-----------------------------------------------------------

📖 المراجع :-

(١) صحيح مسلم (٥٢٠)       

(٢) آية ١٢٥ - سورة البقرة 

(٣) مفردات ألفاظ القرآن للأصفهاني (ص ١٣٠ ، ١٤٠)

(٤) آية ٥٧ - سورة القصص 

(٥) صحيح البخاري (٣٣٦٥)

(٦) مقال الكعبة المشرفة في الشعر الجاهلي لعبد الغني الزيتوني ٣٠/١٢/٢٠٢٣ / موقع مجمع اللغة العربية الأردني.

(٧) نبي أرض الجنوب الشرقاوي (ص ١٨ : ١٠٩)

(٨) المفصل في تاريخ العرب قبل الاسلام لجواد علي.