🌿﷽ [وَلَقَدْ فَتَنَّا قَبْلَهُمْ قَوْمَ فِرْعَوْنَ وَجَاءَهُمْ رَسُولٌ كَرِيمٌ] 🌿
✍️ الفتنة في معناها العام هي وقوع أمر أو حدث يسبب إلتفات الناس أو جزء منهم عن طريق الحق إلى طريق الضلال ، و الله أعلى و أعلم.
✍️ و قد صوّر القرآن الڪريم لنا الفتنة في عدّة معانى (١) ، فمثلاً في قول الله ﷻ [ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّىٰ يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ ۖ ] (٢) ، و تعني السحر ، ثمّ اتبعها المولى تبارك و تعالى [ فَلَا تَكْفُرْ ۖ ] ؛ و ذلك أنّ السحر ڪفر ، و في قوله ﷻ [ وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ ] (٣) ، و في قوله ﷻ [ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ ] (٤) ؛ الفتنة تعني الشرك بالله و الڪفر .
✍️ بينما في قوله ﷻ [ وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً ] (٥) ، و قوله [ أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ ] (٦) ؛ تعني الاختبار و الامتحان .
✍️ و أمّا في قول الله ﷻ [ إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ ] (٧) ؛ و تعني التعذيب و الحرق.
✍️ و إذا ما تأملنا جميع الصور و المعاني سالفة الذڪر ، نجدها تندرج تحت المعنى العام الذي ذڪرت لڪم و تحققه ، و نستنبط أيضاً أنّ الفتن تظهر مما كسبت أيدي الناس ، و نتيجة لأعمالهم.
✍️ فالشرك بالله و انتشاره سواء بالسحر أو بمعتقدات الإلحاد و الڪفر من فعل الناس ، و يتسبب في لفت الناس عن طريق الحق إلا ما رحم ربّي ، و ڪذلك الاختبارات و الامتحانات التي تقع من أقدار الله ﷻ بالناس ، فمنهم من يلتفت بسببها عن سبيل الحق .
✍️ و ڪذلك الحادثة المذڪورة من سورة البروج عن تعذيب و حرق أهل الڪفر للمؤمنين ڪان المراد بها لفت المؤمنين عن دينهم و عن طريق الحق ، ڪلها صور تحقق ذات المعنى.
✍️ و الفتن نوعان ؛ أولهما فتنة على المستوى الفردي ، و هي التي تصيب النفس ، من هوى المال و البنين ، زينة الحياة الدنيا ، و قال عنها المولى ﷻ [ وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللَّهَ عِندَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ ] (٨).
✍️ و النوع الثاني هي الفتنة العامة التي تصيب عموم الناس ، ڪفتنة الدجّال و فتنة المحيا و الممات و غيرهم ، و هذا النوع هو المراد في الآية الڪريمة موضوع بحثنا.
✍️ فقد فُتِن فرعون بعلوه في الأرض ، فتألّه و تجبّر ، و جعل أهلها شيعاً و أحزاباً ، أي أنّ فتنته نتيجة عمله و كسب يده.
✍️ و لمّا استضعف من بينهم حزباً و هم بنو إسرائيل ، أخذ يعذّبهم و يهلڪهم ، فبعث الله ﷻ إليه رسولاً ڪريماً ، كليمه موسى و معه أخيه هارون عليهما السلام ، و هذا من لطف الله ﷻ بعباده ، حتى الڪافر منهم يلطف به سبحانه ، فيبعث من ينصح له و ينذره قبل أن يقع به العذاب.
✍️ و بذلك تقام الموازين القسط العدل يوم القيامة و تقام عليهم الحجّة ، و في ذلك قال المولى ﷻ : [ رُّسُلًا مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ ۚ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا ] (٩).
✍️ و لم يرجع فرعون و إنّما أصرّ على ڪفره ، و ساقته الفتنة إلى حيث منتهاها ، و تمادى معها في طغيانه و تجبّره ، فحقّ عليه قول الله ﷻ و وقع عليه العذاب.
✍️ و العبرة التي يجب علينا أن نعلمها أنّ الفتن لا تظهر إلا بما كسبت أيدي الناس من انتهاك حرمات الله ﷻ ، و استباحة المحاذير التي حذرنا إيّاها ، و إتباع الشبهات و الشهوات .
✍️ و قد ضربت لكم المثل على ذلك بفتنة الدجال و ڪيف أنّها عاقبة من عواقب إدعاء البعض أنّ لله سبحانه ولد ، و تدارسنا هذا سوية من قبل ۞
✍️ فإذا ما ظهرت الفتن فلا تلومنّ إلا نفسك ، و إذا ما ظهرت فاعلم أيضاً ؛ أنّ العذاب في أعقابها ، فسل ربك متضرعاً أن ينجيك منها ، و أن ينجيك بفضله من العذاب الواقع على آثارها.
✍️ أمّا الذين أتوْها و اركسوا فيها ، فمن ينجيهم من بأس الله تعالى إذ جائهم ، و من يجيرهم من العذاب الأليم !!
📖 المصادر :-
(١) مجموع فتاوى ومقالات الشيخ ابن باز 6/ 103
(٢) آية ١٠٢ - سورة البقرة (٣) آية ١٩١ - سورة البقرة
(٤) آية ٢١٧ - سورة البقرة (٥) آية ٣٥ - سورة الأنبياء
(٦) آية ٢ - سورة العنكبوت (٧) آية ١٠ - سورة البروج
(٨) آية ٢٨ - سورة الأنفال (٩) آية ١٦٥ - سورة النساء