﷽ [ لَّا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ ۖ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ ]
✍️ قرأت في عدّة تفاسير عن هذه الآية المبارڪة ، فوجدت أن تفسيرها (أن الأبصار لا ترى الله و هو يراها) ، و زادت بعضها على هذا القول ، بأنّ المعنى أنّ ( الأبصار لا تراه في الدنيا ).
✍️ و تفسير هذه الآية بانعدام الرؤية هو قول غير دقيق ، لأنّ انعدام الرؤية قد يحتمل عدم إمڪانية الرؤية بالعين المجردة ، ڪما يحتمل عدم وجود ما تحاول أن تراه من الأساس ، و معاذ الله أن يڪون هذا محتملاً في تفسير هذه الآية.
✍️ إنّما تخيرت لنا الآية الڪريمة أدق لفظ لوصف هذه الحالة ، و هو عدم فهم و استيعاب العين رؤية الله ﷻ ، و هذا ما حدّثنا به رسول الله ﷺ لما سئل عن رؤيته لله ﷻ في معراجه فأجاب " نورٌ أنَّى أراهُ" (١).
✍️ و عدم استيعاب و فهم العين البشرية رؤية المولى تبارك و تعالى أمر طبيعي ، فالعين البشرية لها قدرة إبصارية محدودة ، لا ترى خارج نطاق الأطياف السبعة.
✍️ حتى التلسڪوبات و المناظير المتطورة التي تترجم و تنقل لنا ما يخرج عن نطاقنا الإبصاري ، لا تستطيع إستيعاب رؤية الله ﷻ ، فهذه الأجهزة مصممة لاستيعاب و فهم أنواع محددة من الأشعة الفوق بنفسجية و التحت الحمراء و هذا لا ينطبق على رؤية الله ﷻ ، لأن الله ﷻ [لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ۖ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ].
✍️ أما عن رؤية الله تعالى يوم القيامة ، فهذا حق و حدّثنا به رسول الله ﷺ ، فَقالَ: "إنَّكُمْ سَتَرَوْنَ رَبَّكُمْ يَومَ القِيَامَةِ كما تَرَوْنَ هذا (يعني البدر) لا تُضَامُونَ في رُؤْيَتِهِ" (٢)
✍️ لڪن يوم القيامة الحال مختلف ، فطبيعة الخلق تتغير يوم القيامة ، و عن القدرة الإبصارية تحديداً آنذاك ، قال الحق تبارك وتعالى [ فَكَشَفْنَا عَنكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ ] ، أي ستتغير القدرة الإبصارية للأعين ممّا يجعلها قادرة على رؤية الأمور الغيبية.
✍️ فعلى سبيل المثال في الدنيا لا نرى جهنّم ، برغم أنّها جرم سماوي هائل ، قال الحق تبارك وتعالى [ كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ {٥} لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ {٦} ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ ] ، أما يوم القيامة رؤيتها مستطاعة ، فقال الحق تبارك وتعالى [ وَرَءَا ٱلْمُجْرِمُونَ ٱلنَّارَ فَظَنُّوٓاْ أَنَّهُم مُّوَاقِعُوهَا ].
✍️ و أما عن قول الله تعالى [ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ ۖ ] ، و ذلك أنّه سبحانه هو بارئها و عالم بها و بحالها و بقدرتها ، فإذا ما نبأك الله تعالى بعدم قدرة عينك على استيعاب رؤيته عليك أن تؤمن بغير تردد أو إعادة نظر و تباطؤ في الفهم.
✍️ و الحق أقول لڪم ، إن عدم إدراك أعيننا لرؤية الله ﷻ ، هو من لطف الله ﷻ و رفقه بنا ، فتأمل حال موسى عليه السلام لمّا تمنى على ربّه أن ينظر إليه ، [ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ ] ، أرني أن أنظر إليك ؛ أي يارب أعلم أنك على ڪل شيء قدير ، فمڪنّي من النظر إليك و هذا لعلمه عليه السلام أن رؤية الله عز و جل غير ممڪنة بهذه القدرة الإبصارية الدنيوية.
✍️ و قد أڪد جواب الله عز وجل على تمني موسى عليه السلام أنّ رؤيته سبحانه غير ممڪنة في الدنيا ، فقال عز وجل [ قَالَ لَنْ تَرَانِي ] ، إذن فهو أمرٌ غير مقدر في الحياة الدنيا ، ثم يعلمنا الحق تبارك و تعالى ماذا ڪان واقع بنا لو أنّ رؤيته في الدنيا ڪانت ممڪنة ، فقال تعالى [ وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا ]
✍️ و إن ڪان هذا هو حال الجبل لما تأهب و تهيأ لهذا ، فڪيف الحال بنا ، و تأمل حال ڪليم الله عليه السلام [ وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا ] ، و عن صفة هذه الصعقة قال رسول الله ﷺ " لا تُخَيِّرُونِي مِن بَيْنِ الأنْبِياءِ، فإنَّ النَّاسَ يَصْعَقُونَ يَومَ القِيامَةِ، فأكُونُ أوَّلَ مَن يُفِيقُ، فإذا أنا بمُوسَى آخِذٌ بقائِمَةٍ مِن قَوائِمِ العَرْشِ، فلا أدْرِي أفاقَ قَبْلِي، أمْ جُوزِيَ بصَعْقَةِ الطُّورِ " (٣).
✍️ و هذا دليل قاطع يبرهن على أنّ صعقة موسى عليه السلام في الطور تعدل صعقة يوم القيامة ، هڪذا ڪان حال القوي الأمين سيدنا موسى عليه السلام و هو لم ينظر إلى الله تعالى ، فڪيف لو نظر !
✍️ لذلك فإنّ عدم إدراك أعيننا لرؤية الله ﷻ ، هو من لطف الله ﷻ و رفقه بنا و لذلك اختتم المولى تبارك و تعالى الآية المبارڪة [ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ ].
🌿 ﺳــبحانڪ آللَّھمے و بحمدڪ ، أشهد أن لآ إلَُـﮧِ إلآ أنت ،
أﺳــتغفرڪ و أتوب إليڪ 🌿
---------------------------------------------------------------------------
📖 المراجع :-
(١) زاد المعاد رقم ٣/٣٣
(٢) صحيح البخاري ٧٤٣٦
(٣) متفق عليه