👌جاء في عظيم قدر خواتيم سورة البقرة أحاديث صحيحة كثيرة عن النبي ﷺ :-
🌿 فعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال : " لَمَّا أُسْرِيَ برَسولِ اللهِ ﷺ ، انْتُهي به إلى سِدْرَةِ المُنْتَهَى، وهي في السَّماءِ السَّادِسَةِ، إلَيْها يَنْتَهِي ما يُعْرَجُ به مِنَ الأرْضِ فيُقْبَضُ مِنْها، وإلَيْها يَنْتَهِي ما يُهْبَطُ به مِن فَوْقِها فيُقْبَضُ مِنْها، قالَ: {إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ ما يَغْشَى} [النجم: ١٦]، قالَ: فَراشٌ مِن ذَهَبٍ، قالَ: فَأُعْطِيَ رَسولُ اللهِ ﷺ ثَلاثًا ؛ أُعْطِيَ الصَّلَواتِ الخَمْسَ، وأُعْطِيَ خَواتِيمَ سُورَةِ البَقَرَةِ، وغُفِرَ لِمَن لَمْ يُشْرِكْ باللَّهِ مِن أُمَّتِهِ شيئًا، المُقْحِماتُ. "(١).
🌿 و المراد من هذا الحديث على الأرجح أنّ المولى ﷻ منَّ على النبي ﷺ بهما و قدّر له أن يعطيهما إياه في ليلة المعراج ، لكنهما نزلتا بعد ذلك لما روي عن عبدالله بن عباس رضي الله عنهما قال :" بيْنَما جِبْرِيلُ قَاعِدٌ عِنْدَ النبيِّ ﷺ ، سَمِعَ نَقِيضًا مِن فَوْقِهِ، فَرَفَعَ رَأْسَهُ، فَقالَ: هذا بَابٌ مِنَ السَّمَاءِ فُتِحَ اليومَ لَمْ يُفْتَحْ قَطُّ إلَّا اليَومَ، فَنَزَلَ منه مَلَكٌ، فَقالَ: هذا مَلَكٌ نَزَلَ إلى الأرْضِ لَمْ يَنْزِلْ قَطُّ إلَّا اليَومَ، فَسَلَّمَ، وَقالَ: أَبْشِرْ بنُورَيْنِ أُوتِيتَهُما لَمْ يُؤْتَهُما نَبِيٌّ قَبْلَكَ: فَاتِحَةُ الكِتَابِ، وَخَوَاتِيمُ سُورَةِ البَقَرَةِ، لَنْ تَقْرَأَ بحَرْفٍ منهما إلَّا أُعْطِيتَهُ "(٢).
🌿 و عن أبا ذر رضي الله عنه قال : أنّ رسول الله ﷺ قال : " أُعطِيتُ هذه الآياتُ من آخرِ سورةِ البقرةِ من كنزٍ تحت العرشِ ، لم يُعطَها نبيٌّ قَبلي" ، و روي هذا أيضاً عن حذيفة بن اليمان رضي الله عنه (٣).
👌 و أمّا عن فضائل هذه الآيات المباركة ، فنذكر فيها ما روي عن أبو مسعود البدري رضي الله عنه عن النبي ﷺ أنّه قال : " الآيَتانِ مِن آخِرِ سُورَةِ البَقَرَةِ، مَن قَرَأَهُما في لَيْلَةٍ كَفَتاهُ "(٤) ، و قال المفسرون في معنى "كفتاه" : أي كفته مكروه هذه الليلة.
👌 و كذلك ما روي عن النعمان بن بشير رضي الله عنه ، عن النبي ﷺ أنه قال : " إِنَّ اللهَ كتب كتابًا قبلَ أنْ يَخْلُقَ السمواتِ والأرضَ بِألفَيْ عَامٍ ، أنْزَلَ مِنْهُ آيَتَيْنِ ، خَتَمَ بِهما سورةَ البَقَرَةِ ، لا يقْرَآنِ في دَارٍ ثلاثَ لَيالٍ فَيَقْرَبُها شَيْطَانٌ "(٥).
✍️ أدهشني عظيم قدر و فضل هاتبن الآيتين الكريمتين ، فعزمت تدبرهما ، رجاءاً في معرفة حكمة ذلك ، و وجدت أنّ تدبرهما و الإلمام به ؛ يستلزم البدء بالآية السابقة عليهما ؛ الآية رقم مئتين و أربعة و ثمانين.
✍️ ﷽ [ لِّلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ] أي أنّ جميع ما في السماوات و ما في الأرض لله ﷻ ، و رهين بقضائه و قدره ، و ذلك أنّ بداية كل شيء كانت بخلق المولى ﷻ له ، و حياتهم و شئونهم تسير بأمره و تدبيره ، و كذلك مماتهم و مرجعهم و مصيرهم إليه سبحانه.
✍️ [ وَإِن تُبْدُوا مَا فِي أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُم بِهِ اللَّهُ ۖ فَيَغْفِرُ لِمَن يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَاءُ ۗ وَاللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ] نزلت هذه الكلمات من الآية الڪريمة كالصاعقة بالصحابة رضوان الله عليهم أجمعين ، فكانت ابتلاءاً شديداً امتحن المولى ﷻ به قلوبهم فجاءوا إلى النبي ﷺ و جثوا أمامه و قالوا : " أيْ رَسولَ اللهِ، كُلِّفْنا مِنَ الأعْمالِ ما نُطِيقُ، الصَّلاةَ والصِّيامَ والْجِهادَ والصَّدَقَةَ، وقدْ أُنْزِلَتْ عَلَيْكَ هذِه الآيَةُ ولا نُطِيقُها "(٦).
✍️ [ وَإِن تُبْدُوا مَا فِي أَنفُسِكُمْ ] أي تظهروا ما فيها سواء بعمل أو قول أو حتى ضمنياً ، [ أَوْ تُخْفُوهُ ] أي تضمروا ما في أنفسكم و تكتمونه ، [ يُحَاسِبْكُم بِهِ اللَّهُ ] و ذلك أن الله سبحانه عليم بذات الصدور مطلع على سرائر النفوس بل أنّه ﷻ عليم و مطلع على الأخفى من سرائرها (٧).
✍️ و قطعاً إنّ الخبر بأنّ الله تعالى محاسب الناس بسرائر نفوسهم ، أفزع الصحابة رضوان الله عليهم ، لأنّه تكليف شديد جداً و لا يطيقه أحد ، لذلك شكوا هذا إلى رسول الله ﷺ .
✍️ فعلمهم النبي ﷺ و قال لهم : " أتُرِيدُونَ أنْ تَقُولوا كما قالَ أهْلُ الكِتابَيْنِ مِن قَبْلِكُمْ سَمِعْنا وعَصَيْنا؟ بَلْ قُولوا: سَمِعْنا وأَطَعْنا غُفْرانَكَ رَبَّنا وإلَيْكَ المَصِيرُ، قالوا: سَمِعْنا وأَطَعْنا غُفْرانَكَ رَبَّنا وإلَيْكَ المَصِيرُ "(٦).
✍️ لذلك نزلت الآية بعدها تبشرهم بالنجاح في الامتحان و تمدح حسن إيمانهم [ آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ ۚ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ ] و جاء هذا التفصيل للدلالة على اكتمال إيمان النبي ﷺ و أصحابه رضوان الله عليهم.
✍️ و أكمل الكمال من الإيمان [ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ ۚ ] أي نؤمن بهم جميعاً ، و لا نكفر بأحد منهم ، كالصابئة يكفرون بموسى عليه السلام ، و اليهود يكفرون بعيسى عليه السلام.
✍️ و هذا لا يتعارض مع التفضيل بينهم في شيء لأن المولى ﷻ هو من رفع درجات الرسل بعضهم على بعض و فضل بعضهم على بعض ، قال تعالى [ تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ ۘ مِّنْهُم مَّن كَلَّمَ اللَّهُ ۖ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ ۚ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ ۗ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِن بَعْدِهِم مِّن بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَلَٰكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُم مَّنْ آمَنَ وَمِنْهُم مَّن كَفَرَ ۚ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلَٰكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ ] (٨) ، و قال رسول الله ﷺ : " أُعْطِيتُ خَمْسًا لَمْ يُعْطَهُنَّ أحَدٌ مِنَ الأنْبِيَاءِ قَبْلِي: نُصِرْتُ بالرُّعْبِ مَسِيرَةَ شَهْرٍ، وجُعِلَتْ لي الأرْضُ مَسْجِدًا وطَهُورًا، وأَيُّما رَجُلٍ مِن أُمَّتي أدْرَكَتْهُ الصَّلَاةُ فَلْيُصَلِّ، وأُحِلَّتْ لي الغَنَائِمُ، وكانَ النبيُّ يُبْعَثُ إلى قَوْمِهِ خَاصَّةً، وبُعِثْتُ إلى النَّاسِ كَافَّةً، وأُعْطِيتُ الشَّفَاعَةَ "(٩).
✍️[ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا ۖ غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ ۚ ] كما علّمهم النبي ﷺ ، و بينّت لكم من الحديث الشريف السالف الذكر .
✍️ فجزاهم الله ﷻ بحسن إيمانهم خيراً ، و رفع ذلك التكليف عنهم و عن المسلمين من بعدهم أجمعين ، فقال ﷻ [ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا ۚ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ ۗ ] .
✍️ أي يُحاسب المرء على عمله فقط ، فيجزى بما كسب من خير و ما اكتسب من سوء و شر ، فالحمد لله الذي هدانا لهذا ، و صلّ اللهم و سلم على نبينا محمد ﷺ الذي علّمنا و زكّانا ، و رضي الله عن إخواننا الذين سبقونا بالإيمان إذ استجابوا للنبي ﷺ و قالوا سمعنا و أطعنا ، فكانت ؛ الحمد لله ، طاعتهم رحمة لنا.
✍️ ثمّ زاد فضل الله ﷻ على المؤمنين و أنزل لهم هذا الدعاء الجميل ليختتم به هذه السورة العظيمة ، ﷽ [ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا ۚ ] فيما فرضت علينا ، [ رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِنَا ۚ رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ ۖ ] إصراً أي عهداً و تكليفاً ، أي ربنا لا تعهد إلينا و لا تكتب علينا من التكاليف ما لا نطيق ، كما غلظ على أمم من قبلنا.
✍️ [ وَاعْفُ عَنَّا ] أي نسألك يا الله أن تعفو عنا ما قصرنا فيه ، [ وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا ۚ ] و أن تغفر لنا ما زللنا به و ما أخطأنا فيه ، [ أَنتَ مَوْلَانَا ] ولينا و إلهنا و ربنا ، [ فَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ ] الذين جحدوا وحدانيتك و عبدوا الطواغيت و اتبعوهم.
✍️ و من عظيم فضل الله ﷻ أنّ من قرأ بحرف منها أعطاه الله إياه (٢) ، كما أسلفت لكم الذكر من الحديث الشريف السالف الذكر .
🌿 سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت ، أستغفرك و أتوب إليك 🌿
المراجع :-
(١) صحيح مسلم - رقم ١٧٣.
(٢) صحيح مسلم - رقم ٨٠٦ .
(٣) صحيح الجامع للألباني - رقم ١٠٦٠
(٤) متفق عليه ، صحيح البخاري - رقم ٤٠٠٨ ، صحيح مسلم - رقم ٨٠٧
(٥) صحيح الترمذي للألباني - رقم ٢٨٨٢