الجمعة، 3 مايو 2024

آية ٧ - سورة طه

 🌿 ﷽ [ وَإِن تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى ] 🌿

✍️ تبين لنا الآية الڪريمة في إعجازٍ بليغ جميع أنواع القول ، فمن القول ما يجهر به المرء ، أي يقوله على مسامع ملأ ما ، و من القول ما يسرّه المرء .

✍️ فإن ڪانت المجاهرة هي القول على مسمع من ملأ ما ، فإنّ السر يڪون على النقيض من ذلك ، و هذا يتحقق في عدّة أشڪال و صور.

✍️ فمن صوره أن يحدث المرء غيره بحديث يريد منه ڪتمانه و ائتمانه عليه ، ڪما جاء في قول المولى ﷻ:وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَىٰ بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثًا ..](١). 

✍️ من صور الإسرار بالقول أيضاً ؛ القول بصوت خافت بالڪاد أن يسمع ، ڪما في إسرار القراءة في الصلوات السرية ، و القراءة فيها تڪون بتحريك اللسان و الشفتين و يڪون الصوت خافت بحيث يسمع القارئ نفسه (٢).

✍️ و من صور الإسرار بالقول أيضاً ؛ حديث النفس و وسوستها ، و صفة ذلك أن يجول الحديث بالبال و الخاطر بغير صوت من الأساس ، ڪما جاء في قول المولى ﷻ [ ... فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُمْ ۚ ... ] (٣) أي أضمرها و أخفاها في نفسه و لم يظهرها لهم. 

✍️ و لو دققت و عنيت بتأمل صور إسرار القول لتجد أنّ الصورة الثانية أخفى من الأولى ، فالقول بصوت خافت لا يسمعه إلا قائله ، قطعاً أخفى من إسرار الحديث لمسمع أحد. 

✍️ و ڪذلك لتجد أنّ الصورة الثالثة أخفى من الثانية ، فقطعاً إضمار الحديث و ڪتمه في النفس أخفى من التلفّظ به حتى لو بصوت خافت لا يسمعه سوى قائله.

✍️ لأنّ التلفّظ حتى لو بصوت خافت من قبيل العمل و الڪسب الذي يحاسب المرء به من خير و سوء ، أمّا ڪتمان حديث في النفس ، فهو من النية ، و النية لا يحاسب المرء بما جال بها من سوئها و شرها ما لم يعملها ، و لا يجزى بخيرها إلا رحمة من الله ﷻ (٤).

✍️ [ وَأَخْفَى ] على وزن أفْعل مثل أڪرم و أعلم و أشرف ، و هي صيغة اسم تفضيل و تستخدم للمقارنة بين شيئين من حيث صفة مشترڪة بينهما .

✍️ و لمَّا ڪان محل الڪلام هنا عن صور و أشڪال القول ، إذن فالمفاضلة بين نوعين منه ، و على هذا يڪون المراد من المعنى أنّ هناك أخفى من السر بڪافة أشڪاله و صوره التي ذڪرتها لڪم .

✍️ و لذلك ذهب أهل التفسير أنّ الأخفى من حديث النفس و وسوستها ، هو ما لم تحدث به نفسك بعد ، أي أن المولى ﷻ يخبرنا أنّه سبحانه يعلم ما تجهر به من قول و ما تسره إلى أحد أو ما تسره إلى مسمعك أنت ، أو ما تحدث به نفسك و تكتمه ، و أنّه سبحانه وتعالى يعلم الأخفى من ذلك و هو ما لم تحدث به نفسك بعد و إنما ستحدثها به في المستقبل.

✍️ لذلك عليكم الحذر أيها المؤمنون ، فإنّ الله جل و علا مطلع على سرائر النفوس و ما أخفى منها ، لذلك على كل منّا أن يختبر قلبه و يحث نفسه على الإيمان ، و يسأل الله تعالى أن يعينه و يثبته على ذلك.

🌿 سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت ، أستغفرك و أتوب إليك 🌿 

------------------------------------------------------------
المراجع :-
(١) آية ٣ - سورة التحريم
(٢) البيان والتحصيل لابن رشد رقم (١/٤٩٠) ، و بدائع الصنائع للڪاساني رقم (٤/١١٨) ، مجموع فتاوى ابن عثيمين رقم (١٣/١٥٦) .
(٣) آية ٧٧ - سورة يوسف.
(٤) صحيح مسلم رقم ١٣٠.