الجمعة، 10 مايو 2024

آية ٥ - سورة المزمل

 🌿 ﷽ [ إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا ] 🌿

✍️ [ إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ] أي سننزل عليك قولاً و هو القرآن الڪريم ، [ ثَقِيلًا ] و في تأويلها لأهل التفسير عدّة أقوال ؛ فمنهم من قال ثقيلاً في الميزان يوم القيامة ، و منهم من قال ثقيلاً أي عظيماً و مهيباً فهو أعظم كتاب أنزل من عند الله ﷻ.

✍️ و أيضاً منهم من قال ثقيلاً لما نزل فيه من تڪاليف و أحڪام و نواهي ، و منهم من قال ثقيلاً ؛ نظراً للمشقة التي ڪان يجدها النبي ﷺ عند تلقي الوحي.

✍️ و جميع الآراء صحيحة إن شاء الله و يستقيم بها المعنى ، إلا أنني أرڪن للرأي الأخير قليلاً ، لأن الآية في الأساس تحدثنا عن إلقاء القول و نزول الوحي على النبي ﷺ ؛ [ سَنُلْقِي عَلَيْكَ ].

✍️ و لا يخفى على أحد ؛ ڪم المشقة التي ڪان يلاقيها النبي ﷺ أثناء تلقيه للوحي ، فعن عبادة بن الصامت رضي الله عنه ، أنّه قال : " كانَ نَبِيُّ اللهِ  إذَا أُنْزِلَ عليه الوَحْيُ كُرِبَ لِذلكَ وَتَرَبَّدَ وَجْهُهُ."(١) أي أصبح منهكاً و تغير لون وجهه فصار كلون الرماد.

✍️ و عن أم المؤمنين عائشة بنت أبي بڪر رضي الله عنهما ، أنها قالت : " أَنَّ الْحارثَ بْنَ هِشَامٍ رضي الله عنه، سَأَلَ رَسُولَ اللهِ ﷺ ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ كَيْفَ يَأْتِيكَ الْوَحْيُ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : أَحْيَانًا يَأْتِينِي مِثْلَ صَلْصَلَةِ الْجَرَسِ، وَهُوَ أَشَدُّهُ عَلَيَّ، فَيُفْصَمُ عَنِّي وَقَدْ وَعَيْتُ عَنْهُ مَا قَالَ وَأَحْيَانًا يَتَمَثَّلُ لِي الْمَلَكُ رَجُلاً فَيُكَلِّمُنِي فَأَعِي مَا يَقُولُ قَالَتْ عَائِشَةَ: وَلَقَدْ رَأَيْتُهُ يَنْزِلُ عَلَيْهِ الْوَحْيُ فِي الْيَوْمِ الشَّدِيدِ الْبَرْدِ فَيَفْصِمُ عَنْهُ، وَإِنَّ جَبِينَهُ لَيَتَفَصَّدُ عَرَقًا "(٢).

✍️ و صلصلة الجرس تشبيه يراد منه التعبير عن مدى شدة نزول الوحي عليه ﷺ ، و ڪأنّه حديد يقرع و يضرب بعضه بعضاً ، و لا تعارض بين هذا التشبيه و بين قول النبي ﷺ " لا تَصْحَبُ المَلائِكَةُ رُفْقَةً فيها كَلْبٌ ولا جَرَسٌ " (٣) ، لأن الحديث الأول ڪناية عن شدة الصوت و الثاني يتحدث عن الجرس الحقيقي بعينه.

✍️ أما ما روي عن الفاروق رضي الله عنه ، أنّه كان رسولُ اللهِ ﷺ إذا نزَلَ علَيهِ الوحيُ ، يُسمَعُ عند وجهِه كدويِّ النَّحلِ ، فهذا خبر لم تثبت صحته (٤).

✍️ و حتى إن صح فإن هذا لا يتعارض مع وصف النبي ﷺ لنزول الوحي عليه بصلصلة الجرس ، لأن صلصلة الجرس هذا بالنسبة للنبي ﷺ ، أما دوي النحل إن صح فيكون هذا بالنسبة لمن حوله. 

✍️ عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله {لا تُحَرِّكْ به لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بهِ} [القيامة: ١٦]، قالَ: " كانَ النبيُّ  يُعالِجُ مِنَ التَّنْزِيلِ شِدَّةً كانَ يُحَرِّكُ شَفَتَيْهِ، فقالَ لي ابنُ عبَّاسٍ: أنا أُحَرِّكُهُما كما كانَ رَسولُ اللهِ  يُحَرِّكُهُما فقالَ سَعِيدٌ: أنا أُحَرِّكُهُما كما كانَ ابنُ عبَّاسٍ يُحَرِّكُهُما فَحَرَّكَ شَفَتَيْهِ فأنْزَلَ اللَّهُ تَعالَى: {لا تُحَرِّكْ به لِسانَكَ لِتَعْجَلَ به {١٦} إنَّ عليْنا جَمْعَهُ وقُرْآنَهُ} [القيامة: ١٦، ١٧] قالَ: جَمْعَهُ في صَدْرِكَ ثُمَّ تَقْرَؤُهُ {فَإذا قَرَأْناهُ فاتَّبِعْ قُرْآنَهُ} [القيامة: ١٨] قالَ: فاسْتَمِعْ وأَنْصِتْ ثُمَّ إنَّ عليْنا أنْ تَقْرَأَهُ قالَ: فَكانَ رَسولُ اللهِ  إذا أتاهُ جِبْرِيلُ اسْتَمع فإذا انْطَلَقَ جِبْرِيلُ قَرَأَهُ النبيُّ  كما أقْرَأَهُ." (٥) ، و المعالجة هي محاولة عمل الشيء بمشقة.

✍️ و قال المشڪڪون أن علامات الوحي ليست إلا أعراض لمرض صرع الفص الصدغي ، معاذ الله ، بل هم قوم يجهلون ، و قولهم هذا الدليل الأڪبر على جهلهم و أنهم لا يفقهون.

✍️ لأن نوبات الصرع إن زادت عن دقيقتين تعتبر خطراً داهماً و حالة طارئة توجب إسعاف المريض فوراً و نقله للمشفى ، فڪيف يستوي هذا مع الوحي الذي كان يطول تلقينه للنبي ﷺ.

🌿 سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت ، أستغفرك و أتوب إليك 🌿 

------------------------------------------------------------
📖 المراجع :-
(١) صحيح مسلم - رقم ٢٣٣٤
(٢) متفق عليه ، اللؤلؤ والمرجان فيما اتفق الشيخان - رقم ١٥٠٥.
(٣) صحيح مسلم - رقم ٢١١٣
(٤) أخرجه النسائي في تهذيب التهذيب رقم ٤٣٩/١١ ، و قال : منكر ، و ضعفه صدر الدين المناوي (كشف المناهج و التناقيح - رقم ٣٤٩/٢) ، و ضعفه الألباني ( فقه السيرة ص ٩١) ، ضعفه شعيب الأرناؤوط ( تخريج المسند رقم ٢٢٣)
(٥) صحيح مسلم - رقم ٤٤٨ ، و أخرجه البخاري باختلاف يسير في صحيحه - رقم ٤٩٢٨.