🌿 ﷽ [ وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَىٰ مُلْكِ سُلَيْمَانَ ۖ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَٰكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ ۚ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّىٰ يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ ۖ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ ۚ وَمَا هُم بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ ۚ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنفَعُهُمْ ۚ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ ۚ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنفُسَهُمْ ۚ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ ] 🌿
✍️ نزلت هذه الآية المبارڪة في يهود المدينة حيث ڪانت جماعة منهم يستحلون السحر و يمارسونه .
✍️ فلمّا بعث الله ﷻ رسوله ﷺ بدين الحق ، و عدّد أسماء الأنبياء عليهم السلام أجمعين ، قالت اليهود (١) : انظروا إلى محمد (ﷺ) يخلط الحق بالباطل و يذڪر ابن داود بين الأنبياء يعنون (سليمان بن داود عليهما السلام) .
✍️ فأنزل الله ﷻ هذه الآية الڪريمة تخزيهم و تظهر الحق على أباطيلهم و تبرأ سليمان عليه السلام.
✍️ و بينما تتدبر هذه الآية الڪريمة ، تجد أنّها جامعة لعدّة موضوعات ؛ فهي بادئ الأمر تبين لنا حقيقة ڪبراء اليهود و أحبارهم و أنّهم شياطين الإنس ، و من ناحية ثانية تتناول براءة سليمان عليه السلام ممّا نسب إليه ، و إدانة اليهود في ممارستهم للسحر .
✍️و ڪذلك ترسم لنا ملامح الحقبة الأخيرة لمملڪة إسرائيل و بداية الإضمحلال الأول لها ، ڪما تتناول مسألة السحر من حيث التعريف و خبر هاروت و ماروت ، و أخيراً تخبرنا الآية الڪريمة عن جزاء هؤلاء في الآخرة و أمثالهم .
أولاً ؛ أحبار اليهود شياطين الإنس :
✍️ ﷽ [ وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَىٰ مُلْكِ سُلَيْمَانَ ] ، فأمّا الذين "اتَّبَعوا" فهم عامة القوم من اليهود ، و أمّا الذين "اتُّبِعوا" فهم الشياطين (٢).
✍️ و لفظ "شيطان" هو صفة و ليس جنس ، و هو وصف لڪل من ڪفر بالله تعالى و عتا عن أمره ، فمن الجنّ شياطين و ڪذلك من الإنس شياطين .
✍️ و يبين لنا ذلك قول الله ﷻ [ وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا ۚ وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ ۖ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ ] (٣).
✍️ و ڪما هو جليّ في الآية الڪريمة أنّ الأعمال الخبيثة التي تعمم الفساد و تنشره ؛ ڪمثل هذا الأمر موضوع بحثنا ، يتشارك الوسوسة بها شياطين الإنس والجن .
✍️و أمّا شياطين الجنّ فهم المردة منهم ، و أمّا شياطين الإنس في هذا المحل لا أجدهم إلا ساداتهم و ڪبرائهم ، فهڪذا حال عامة الناس يتبعون ساداتهم و يسندون إليهم أمرهم ، بدليل قول الله ﷻ : [ وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا ] (٤)
ثانياً ؛ السحر و براءة سليمان عليه السلام و إدانة اليهود :
✍️ قال الله ﷻ : [ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ ] و هذه براءة من الله ﷻ لسليمان عليه السلام ممّا اتهموه به من ممارسة السحر ، و لو أنّهم ڪانوا يفقهون لتفڪّروا ؛ ما حاجة سليمان عليه السلام في ممارسة السحر !!
✍️ فمن ناحية سليمان عليه السلام نبي ڪريم ، و طالما أنّ الله ﷻ قد اصطفاه نبياً فهو في منزلة عظيمة و مقام رفيع ، و أنّ مبلغ قلبه من الإيمان أشد ما يڪون ، فڪيف يلجأ عليه السلام أو يستعين بغير الله ، فما بالك أنّه على يقين بأنّه مؤيد بوحي الله ﷻ و نصره ، فما حاجته إذن في السحر أو غيره !!
✍️ و من ناحية أخرى أنّ الله ﷻ قد أنعم عليه و سخر له الرياح و حشر له جنوده من الإنس و الجنّ و الحيوانات و الطيور ؛ يأتمرون بأمره ، أضف إلى ذلك علمه التام بمنطقهم ، و إسالة عين القطر له .
✍️ كل هذه النعم ثابتة له في القرآن الڪريم (٥) ، و ثابتة في ڪتبهم (٦) ، فما حاجة سليمان عليه السلام للسحر أو غيره و تحت إمرته و سلطانه ڪل ما ذڪرنا.
✍️ و قد دفعهم عجز ألبابهم و خبث نفوسهم و هيأ إليهم أنّ بالسحر و بمعاونة الجنّ يتحقق ڪل هذا ، و شقّ عليهم أن يؤمنوا أنّ الله القادر على ڪل شيء هو وحده الذي مَنّ على نبيه بهذه النعم و جعل له هذا السلطان ، سبحانه و تعالى عمّا يشرڪون.
✍️ أمّا اليهود فممارستهم للسحر أو جماعة منهم ، فثابتة في القرآن الڪريم؛ ڪما في الآية الڪريمة محل بحثنا ، و أيضاً ثابتة في السنّة النبوية الشريفة (٧) ، و ڪذلك ثابتة في ڪتبهم أيضاً (٨) ، و هذا محل قوله ﷻ : [ وَلَٰكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا ].
ثالثاً ؛ فناء المملكة الأولى :
✍️ ممّا لاشك فيه أنّ ملك سليمان عليه السلام استمد قوته و هيبته العظيمة بين الأمم من نعم الله ﷻ التي تحدثنا عنها ، و ڪما جاء في قول الله ﷻ [ ارْجِعْ إِلَيْهِمْ فَلَنَأْتِيَنَّهُم بِجُنُودٍ لَّا قِبَلَ لَهُم بِهَا وَلَنُخْرِجَنَّهُم مِّنْهَا أَذِلَّةً وَهُمْ صَاغِرُونَ ] (٩)
✍️ و لولا دعاء سليمان عليه السلام على علم و حڪمة لڪان هذا السلطان العظيم إرثاً لبني إسرائيل من بعده ، و قد بينت لكم هذا من قبل و مدى خطورته في بحث مستقل ۞.
✍️ و ضياع هذا السلطان من أيديهم بعد موت سليمان عليه السلام ، ڪان دافعهم لارتڪاب هذه الحماقة و ممارسة السحر ، ظانّين أنّهم بذلك سيڪون لهم سلطاناً على الجنّ مثل ما ڪان لسليمان عليه السلام.
✍️ و قطعاّ خاب ظنّهم ، لأنّ هذا السلطان لا يتحقق بالسحر و لا بغيره ، فما لأحد من سلطان إلا بأمر الله ﷻ و إذنه ، و ڪان أمر الله ﷻ و قضائه هو إيجاب دعوة سليمان عليه السلام .
✍️و من ناحية أخرى ما لا يتصور أبداً أن يعلمك الجنّ الطريقة التي تمڪنك منه و من تسخيره ، خاصة أنّهم ڪانوا قد تنفسوا الصعداء بعد موت سليمان عليه السلام ، لخلاصهم من سلطانه عليهم ، و دليل ذلك قول الله ﷻ [ فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ مَا دَلَّهُمْ عَلَىٰ مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ تَأْكُلُ مِنسَأَتَهُ ۖ فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَن لَّوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ ] (١٠)
✍️ و ڪان من عواقب دعاء سليمان عليه السلام أيضاً ، زوال مملڪة بني إسرائيل ذاتها ، و الذي بدأ بالفعل مع موته عليه السلام.
✍️ حيث انقسمت المملڪة إلى مملڪتين ، إسرائىل في الشمال و يهوذا في الجنوب (١١) ، و على إثر هذا الإنقسام لم تصمد أي من المملڪتين أمام الغزو الآشوري.
رابعاً ؛ السحر و خبر هاروت و ماروت :
✍️ و السّحْر لغوياً يعني اختلاط الحق بالباطل لدرجة يصعب التفريق بينهما ، و أصل لفظه مأخوذ من وقت السّحَر ، لأنّ فيه يختلط الليل بالنّهار ، فيصعب على الرائي التمييز بينهما بغير معرفة مسبقة للوقت.
✍️ [ يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ ۚ ] ، و توضح لنا الآية الڪريمة نوعين من السحر ؛ الأول [ يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ] و يراد به هاهنا سحر الأعين و التخييل ، و قال عنه الله ﷻ : [ قَالَ بَلْ أَلْقُوا ۖ فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِن سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَىٰ ] (١٢) و ڪذلك قوله تعالى: [ قَالَ أَلْقُوا ۖ فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ ] (١٣) ، و أيضاً قوله سبحانه و تعالى [ لَقَالُوا إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَّسْحُورُونَ ] (١٤) ، و هذا هو المعنى العام الشائع ، و هذا النوع يعتمد على مهارة خفة اليد و المؤثرات الضوئية و الخدع البصرية.
✍️ أمّا النوع الثاني [ وَمَا أُنزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ ۚ ] ، و "ما" هنا أداة وصل بمعنى الذي ، و هذا هو سحر الأعمال و يڪون بمعاونة الجنّ ، بقصد الإيذاء و المرض و التفريق بين الرجل و زوجته ، و ڪذلك التڪهّن و التنجيم .
✍️و ڪل هذا في مقدور الجنّ ، فعن قدرتهم على الإيذاء و المرض قال الله ﷻ: [ وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ إِذْ نَادَىٰ رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ ] (١٥) ، و سحر للنبي ﷺ فمرض (١٦) ، و التفريق بين الرجل و امرأته في الأصل من أعمال الشياطين المحببة لإبليس لعنه الله ، و قد دلّت السُّنّة الشريفة على ذلك (١٧) .
✍️ و ڪذلك التنجيم و التڪهّن ، و ذلك أنّ الجنّ ڪانوا يسترقون السمع من السماء ، و ينزلون بما سمعوا فيزيدون عليه ألف ڪذبة ، و عنهم قال الله ﷻ [ وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ ۖ فَمَن يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَّصَدًا ] (١٨) ، و يعجبني قولاً مأثوراً للعرب ؛ " ڪذب المنجمون و لو صدفوا " أي حتى لو صادف ما يقولوا الحق فإنهم كاذبون .
✍️ و طالما أنّ هذا ڪلّه في مقدور الجنّ ، و أنّ شياطين الإنس و الجنّ يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غروراً ، فإنّ السؤال الذي يتبادر لأذهاننا ما الحڪمة من تنزيل ذلك على الملڪين ؟!
✍️ و الملَڪين بفتح اللام مثنى ملَك ، إذن فهم من جنس الملائڪة ، و أمّا الملِڪين فقد وردت في قراءة شاذة لذلك لا يصح الاعتماد عليها في تدبر الآية الڪريمة .
✍️ و من الملائڪة رسل لله ﷻ إلى عباده ، و قد دلّ على ذلك قول الله ﷻ [ اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ ۚ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ ] (١٩) ، و قوله تعالى [ الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ مَّثْنَىٰ وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ ۚ يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ](٢٠).
✍️ فسبحانه أنزل الملائڪة وحياً لأنبياء بني آدم عليهم السلام أجمعين ، و أنزلوا لغير الأنبياء ڪما أنزل جبريل لمريم أم المسيح عليهم السلام جميعاً ، و ڪما أنزل ملڪين قوم لوط إليهم بالعذاب ، و جبريل عليه السلام فقد رآه الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين غير مرة في هيئة دحية رضي الله عنه و غيره.
✍️ و هاروت و ماروت ليسا استثناء من هذه القاعدة ، هما آيتان من آيات الله ﷻ ، أنزلهما بالحق ، و لڪن ڪما ذڪرت لڪم من قبل ۞ إنّ الآيات يهدي بها الله ﷻ من يشاء و يضل من يشاء ، و هڪذا ڪان حال آية نزول هاروت و ماروت.
✍️ و ڪذلك خبر قصتهما هو فتنة ، و ينطبق عليها قول الله تعالى [هُوَ الَّذِي أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ ۖ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ ۗ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ ۗ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا ۗ وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ] (٢١)
✍️ ڪل ما جاء في خبرهما ممّا رواه ڪعب الأحبار من الإسرائيليات (٢٢) ، و لم يرفع خبر واحد إلى النبي ﷺ ، فلا طائل من البحث عن تفاصيل القصة ، و الأولى بالمسلم أن يهتم بتعلم شئون دينه من موجبات و محظورات ، و لو أنّ في خبرهما نفع لنا لأخبرنا الله تعالى به.
✍️ و نزول هاروت و ماروت ڪان دحضاً لحجة الڪافرين ، فأقام الحجة أنّ الله ﷻ لا يعجزه شئ في الأرض و لا في السماء ، و لو شاء سبحانه أن ينزل الملائڪة لأنزلهم و ڪم من ڪافر تجبر و ڪذب الرسل و ڪانت حجته أنّه لو شاء الله لأنزل ملائڪة ، ڪما قال فرعون لموسى [ فَلَوْلَا أُلْقِيَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مِّن ذَهَبٍ أَوْ جَاءَ مَعَهُ الْمَلَائِكَةُ مُقْتَرِنِينَ ] (٢٣) ، و ملة الڪفر واحدة ، جميعهم ڪانوا على ذات القول تشابهت قلوبهم ، فڪما قال فرعون لموسى عليه السلام ، قال ڪفّار قريش للنبي ﷺ [ وَقَالُوا لَوْلَا أُنزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ ۖ وَلَوْ أَنزَلْنَا مَلَكًا لَّقُضِيَ الْأَمْرُ ثُمَّ لَا يُنظَرُونَ ] (٢٤).
✍️ و فتنة هاروت و ماروت لو أنّها ڪانت جلية واضحة للناس ما أتوها ، و لڪن و رغم أنهما ڪانا يقولا أنهما فتنة ڪما وضحت لنا الآية الڪريمة [ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّىٰ يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ ۖ ] ، إلا أنّ كثيراً من الناس اركسوا في هذه الفتنة.
✍️ و الظاهر من نسق الآيات أنهم تعلموا منهما ما أساؤوا استعماله و استخدموه في الأعمال الخبيثة و ليس السحر بطريقة مباشرة ، و تأمل [ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ ۚ ] ، "ما يفرقون به" ، أيّ باستخدامه ، و علم الملڪين المسبق بذلك هو ما جعلهما يحذران ڪل من يتعلم منهما من الڪفر ، فدل ذلك على أنّ السحر ڪفر.
خامساً ؛ عاقبة السحر و الكفر :
✍️ و دائماً ما تڪون عاقبة الذين أساؤوا السوء بلا أدنى ريب ، لقد اقترف بنوا إسرائيل هذه الخطيئة ، فهل بقى من ملڪهم آنذاك شئ !؟ ألم يشردوا بعد ذلك و ذاقوا الهوان و الذل في سبي بابل ؟!
✍️ و تعلمنا الآية الڪريمة حڪمة بالغة في قوله ﷻ [ وَمَا هُم بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ ۚ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنفَعُهُمْ ۚ ] ، طالما أنّ ڪل أمر واقع هو بإذن الله سبحانه ، فما فائدة السحر الذي يمارسون !؟ و من يضمن لك أن هذا العمل الخبيث الذي أعددت واقع بمن تريد و مصيبه !؟
✍️إن ما يتعلموا و يتوارثوا تعليمه يضرهم و لا ينفعهم ، فقال الله ﷻ [ وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِّنَ الْإِنسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِّنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا ](٢٥) ، و ذلك لأنه ڪفر ، و لڪل فعل رد فعل ، هڪذا فطر الله ﷻ ڪونه و قد تناولت معڪم هذا في بحث سابق ۞ .
✍️ و تجد دائماً أن النوائب تنزل بالسحرة في حياتهم ، لذلك قال عنهم المولى ﷻ [ وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ مَا صَنَعُوا ۖ إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ ۖ وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَىٰ ] (٢٦) ، بالإضافة إلى سوء الخاتمة و التي غالباً ما تڪون إمّا بالجنون أو الانتحار و قتل النفس .
✍️ و من عواقب السحر و انتشاره خروج الدجال الملعون ؛ فطالما أنّ السحر مباح و منتشر فڪيف لا يؤمن حينها الناس للساحر الأڪبر ، و قد تدراسنا من قبل مدى خطورة و شدة فتنته ۞ ۞ .
✍️ [ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ ۚ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنفُسَهُمْ ۚ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ ] لقد خلقنا الله ﷻ لنعبده و نستعين به ، و السحرة يسألون العون غيره عن عمد و قصد ، فهل يڪون لهم في الآخرة من خلاق و نصيب.
🌿 ﺳــبحانڪ آللَّھمے و بحمدڪ ، أشهد أن لآ إلَُـﮧِ إلآ أنت ، أﺳــتغفرڪ و أتوب إليڪ 🌿
------------------------------------------------------------
📖 المراجع :-
(١) تفسير الطبري (١٦٦٦)
(٢) صحيح علماء الأمّة (١٥٠٠٠١٢)
(٣) آية ١١٢ - الأنعام (٤) آية ٦٧ - الأحزاب
(٥) آية ٨١ - الأنبياء / آية ١٦ : ٤٤ - النمل / آية ١٢ : ١٣ - سبأ / آية ٣٠ : ٤٠ - ص
(٦) التناخ ٤ : ٣٤ سفر الملوك الأول ، و تفسيره في التلمود البابلي ( ٤١ - سفر سوتاه / ٦٨ - سفر جتين / ١٢ : ٣٤ سفر مدراش رباه للتكوين)
(٧) صحيح علماء الأمّة (١٤٠٠٠١٤)
(٨) ثابت في كتب القبالة ( كالباهير (الباهر)، سيفير رازيل هاملخ (كتاب رازئيل الملك)، والزوهار وهو الكتاب الاساسي في تفاسيرهم ) ، و مفهوم القبالة عند اليهود أنها التفاسير الروحانية و الباطنية للحياة و الكون.
(٩) آية ٣٧ - النمل (١٠) آية ١٤- سبأ
(١١) موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية للمسيري ص٤١٤
(١٢) آية ٦٦ - طه (١٣) آية ١١٦ - الأعراف
(١٤) آية ١٥ - الحجر (١٥) آية ٤١ - ص
(١٦) صحيح علماء الأمّة (١٤٠٠٠١٤)
(١٧) صحيح علماء الأمّة (١٦٠٠٠١٣)
(١٨) آية ٩ - الجن (١٩) آية ٧٥ - الحج
(٢٠) آية ١ - فاطر (٢١) آية ٧ - آل عمران
(٢٢) التلمود البابلي ٣ : ٧ سفر ميدراش
(٢٣) آية ٥٣ - الزخرف. (٢٤) آية ٨ - الأنفال
(٢٥) آية ٦ - الجن. (٢٦) آية ٦٨ - طه