﷽ [ وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ ۙ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا ]
قد يتبادر للذهن تساؤل ! كيف لآيات القرآن التي من شأنها أن تهدي للتي هي أقوم ، أن تزيد الظالمين خسراناً ؟!
و هذا تساؤل يراد به التدبر و فهم الحكمة ، و معاذ الله أن يراد به سوى ذلك ،إذ أنه لا تعارض أو إختلاف بين آيات الكتاب الحكيم.
و الإجابة عن هذا السؤال تكمن فيه ، إذ أنّ هذا هو حال الآيات و المعجزات تهدي المؤمنين و تزيدهم هدى و تضل المنافقين و الكافرين و تزيدهم كفراً و فجوراً.
فإذا تأملنا حال عزير عليه السلام ، لما أماته الله عز وجل مئة عام ثم بعثه و أراه من عجائب قدرته كيف حفظ الطعام و الشراب مئة عام فلم يتسنه و أراه في حماره كيف تخلق من الرفاة عظاماً ثم تكسى لحماً ثم تنفخ فيه الروح فيعود خلقاً متكاملاً.
فلمّا رأى عزير عليه السلام ذلك ، لم يشطن عن الحق و إنما زادته الآية إيماناً و قال " أعلم أن الله على كل شيء قدير" و هكذا هو حال المؤمن.
و لكن إذا ما قورن ذلك بحال السامري لوجدنا فارق كبير ، فلمّا رأى السامري جبريل يتحدث لموسى عليهما السلام ، سولت له نفسه الكفر ، لم تهتدي نفسه بمعجزة شق البحر ، لم تهتدي نفسه برؤية جبريل عليه السلام.
إنما أظهرت الآيات كفره و فجوره و بدت حقيقة سريرة نفسه و ذهب على فوره يضل الناس و يشرك مع الله تعالى صنماً عجلاً من الذهب ، و هكذا يكون حال المنافق.
و حال الكافر لا يختلف عن حال المنافق كثير ، فانظر إلى فرعون يكذب الآيات و هو الذي رأى بعينيه كيف تبدل حال العصا من الجمود للحياة و كيف صارت ثعباناً ضخماً .
ما زادته الآية إلا كفراً و عناداً و كلما نزلت الآيات أكثر ما زادته إلا كفراً أكثر ، و كذلك ثمود لما عقروا الناقة بعدما تبين لهم الحق .
و يبين لنا هذا المفهوم أكثر ، طلب الحواريون من المسيح عليه السلام للمائدة ، ﷽ [ إِذْ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَن يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِّنَ السَّمَاءِ ۖ قَالَ اتَّقُوا اللَّهَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ ]
تأمل رد المسيح عليه السلام على طلبهم ، فأول ما أجابهم قال اتقوا الله إن كنتم مؤمنين ، لا يصح أن يطلب العبد من الرب دليل على ألوهيته.
و لما استجاب عليه السلام لطلبهم ، كان فطناً تقياً في دعائه ، و في هذا قول الله ﷻ [ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا أَنزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِّنَ السَّمَاءِ تَكُونُ لَنَا عِيدًا لِّأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا وَآيَةً مِّنكَ ۖ وَارْزُقْنَا وَأَنتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ ] .
تأمل أدب المسيح عليه السلام في طلبه و دعائه ، مبرراً سؤاله بابتغاء فضل الله عز وجل ، فلم يعتدى و لم يتبجح ، فهو على علم بقدر الله سبحانه.
فأجابه الله عز وجل [ قَالَ اللَّهُ إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ ۖ فَمَن يَكْفُرْ بَعْدُ مِنكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لَّا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِّنَ الْعَالَمِينَ ]
تأمل كيف توعد الله ﷻ لمن يكفر بعد نزول الآية ، ففي هذا دليل بين أن الآيات كما تهدي ، قد تفتن .