🌿 ﷽ { وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِفَتَاهُ لَا أَبْرَحُ حَتَّىٰ أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا ٦٠ فَلَمَّا بَلَغَا مَجْمَعَ بَيْنِهِمَا نَسِيَا حُوتَهُمَا فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ سَرَبًا ٦١ فَلَمَّا جَاوَزَا قَالَ لِفَتَاهُ آتِنَا غَدَاءَنَا لَقَدْ لَقِينَا مِن سَفَرِنَا هَٰذَا نَصَبًا ٦٢ قَالَ أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَمَا أَنسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ ۚ وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَبًا ٦٣ قَالَ ذَٰلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ ۚ فَارْتَدَّا عَلَىٰ آثَارِهِمَا قَصَصًا ٦٤ } 🌿
✍️ قام موسى عليه السلام فخطب في قومه فذكّرهم و وعظهم ، حتى انخرطت أعينهم في البكاء ، و كان عليه السلام على علم عظيم ، فعجب أحدهم من شدة علم موسى عليه السلام ، فسأله : هل في الأرض أعلم منك !! ، أو من أعلم أهل الأرض!! ، فأجابه عليه السلام : لا ، و أنه هو أعلم أهل الأرض ، فعاتبه المولى ﷻ في ذلك ، إذ لم يرجع الفضل لله تعالى .
✍️ و أمره الله ﷻ أن يمضي حتى يبلغ مجمع البحرين ، فهناك سيجد عبداً من عباد الله ﷻ ؛ هو الخضر عليه السلام ، و عنده من العلم ما هو أكبر من علمه ؛ أي موسى .
✍️ و أمره الله ﷻ أن يأخذ معه حوت ؛ أي سمكة عظيمة ، و أوحى إليه أنّ آية ملاقاته أن يضيع منه حوته و يفقده ، فأخذ موسى معه فتاه عليهما السلام ، و أخذا الحوت في زمبيل أو مكتل و انطلقا به ، كما جاء من خبر هذه القصة في الصحيحين. (١)
✍️ { وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِفَتَاهُ } و موسى المعني هاهنا ؛ هو كليم الله موسى عليه السلام بلا ريب ، رسول رب العالمين إلى بني إسرائيل ، و من قال بخلاف ذلك فقد افترى على الله كذباً ، و فتاه هو يوشع بن نون عليه السلام (٢) كما قال ابن عباس رضي الله عنهما . (١)
✍️ { لَا أَبْرَحُ حَتَّىٰ أَبْلُغَ } أي لا أزال أواصل و أتابع السير حتى أصل إلى { مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ } أي مكان إلتقائهما ، و تعددت الأقوال في هذا المكان و أين يقع (٣) ، فقيل أنّه بحر فارس (الخليج العربي) و بحر الروم (البحر المتوسط) ، و قيل أنّه بحر القلزم (البحر الأحمر) و بحر الأردن (البحر الميت).
✍️ و قيل بحر الكر (بحر قزوين) و الرس (البحر الميت) ، و قيل طنجة في أقصى المغرب حيث التقاء البحر المتوسط بالمحيط عند مضيق جبل طارق ، و قيل بحر العرب و البحر الأحمر عند مضيق باب المندب ، و قيل خليجي السويس و العقبة حيث يلتقيان بمنطقة رأس محمد .
✍️ و من بين ذلك كله أكاد أن أركن قليلاً إلى الرأيين الأخيرين ، و ذلك لسببين ؛ أولاً البحار التي ذكرت في الآراء الأخرى يفصلهما مساحات شاسعة من اليابسة ، ممّا يجعل صفة مجمع البحرين لا تليق بأي منهم .
✍️و ثانياً المسافة إلى أي من البحار المذكورة في الآراء الأخرى ؛ كبيرة جداً على أن يقطعها موسى و فتاه عليهما السلام سيراً على الأقدام ، و الله أعلى و أعلم.
✍️ { أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا } أي حتى لو مكثت أتابع المسير حقباً متتابعة من الزمن ، و هذا لا يدل إلا على عظيم إيمان نبي الله موسى عليه السلام ، و امتثاله لطاعة أوامر الله ﷻ ، فانظر كيف يؤثر طاعة الله ﷻ على نفسه ، فدلّ كلامه عليه السلام أنّه على أتم الاستعداد أن يمضي حقباً و يفني نفسه طاعةً لله ﷻ.
✍️ { فَلَمَّا بَلَغَا مَجْمَعَ بَيْنِهِمَا } أي وصلا إلى مرادهما و المكان الذي يبغيان ، أويا إلى صخرة للراحة من بعد مشقة المسير ، و غلبهما النوم فناما { نَسِيَا حُوتَهُمَا } أي تركاه ، و ينسب النسيان لكليهما عليهما السلام بالرغم من أنّ يوشع عليه السلام وحده كان حامله ، و ذلك لأنهما سواء في التزود به للمسير ، لذلك فالنسيان ينسب لكليهما.
✍️ و الحوت في المعاجم العربية (٤) هو السمك ؛ خاصةً ما عظم حجمه منه ، و الجمع حيتان و أحوتة ، و منه المحاوتة أي المراوغة ، و الحَوَتَان أي الحَوَمَان حول الشيء ، الحوتاء أي الضخمة الخاصرة ، و الطرية اللحم.
✍️ و من مجموع ذلك ستجد أنّ الكائن إذا ما وصف بلفظ "حوت" ، فسوف يكون لديه القدرة على المراوغة و الحومان ، و كذلك سوف يتسم بضخامة الوسط و طراوة اللحم ، كما هو الوصف بالنسبة للأسماك خاصةً كبيرة الحجم منهم.
✍️ و ليس هناك تعارض بين الرأيين اللذين اخترتهما في تأويل مجمع البحرين ، و بين وجود أسماك بهذا الحجم ، ففي بحر العرب و البحر الأحمر أسماك كثيرة عملاقة ؛ مثل أسماك الهامور و أسماك شمس المحيط و أسماك نابليون.
✍️ { فَاتَّخَذَ } أي الحوت ، حيث دبت فيه الحياة مرة أخرى ، لقد أحياه الذي أنشأ و أحيا كل شيء ، و هو بكل خلق عليم ، سبحانه و كان ذلك عليه يسير ، { فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ } أي مسلكه { فِي الْبَحْرِ سَرَبًا } أي ذهب و انصرف فيه .
✍️ { فَلَمَّا جَاوَزَا } و أكملا المسير بعد مكان الصخرة { قَالَ } موسى عليه السلام { لِفَتَاهُ } يوشع بن نون عليه السلام { آتِنَا غَدَاءَنَا } و الغداء ما يعد للأكل غدوةً ، كما أنّ العشاء ما يعد للأكل عشيةً { لَقَدْ لَقِينَا مِن سَفَرِنَا هَٰذَا نَصَبًا } أي عناءاً و تعباً .
✍️ الشعور بالتعب هو ما دفع موسى عليه السلام للتسائل و التفكر في كونهما قد جاوزا المكان المقصود ، لأن التعب لا يصيب العبد ما دام في طاعة الله ﷻ و يؤدي ما كلفه به (٥) ، { قَالَ } أي يوشع عليه السلام { أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ } أي تركته { وَمَا أَنسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ ۚ } أن أذكره لك و أخبرك بأمره ، { وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ } و هذا دليل على فطنته ، إذ لم يظنّ أنّه سرق أو اختطفه طير ، إنما لاحظ ذلك من أثر انصرافه إلى البحر.
✍️ { وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَبًا } فكان هذا أمراً عجيباً ليوشع عليه السلام ، أمّا بالنسبة لموسى عليه السلام لم يكن أمر الحوت عحباً ، فقد نبأه بذلك العليم الخبير ، و أنها الآبة و العلامة التي سيجد عندها الخضر عليه السلام ، لذلك قال : { قَالَ ذَٰلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ ۚ } أي هذا ما كنّا نريد ، { فَارْتَدَّا عَلَىٰ آثَارِهِمَا قَصَصًا } أي رجعا تجاه الصخرة ، و هما يقتصان أثرهما .
🌿 سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت ، أستغفرك و أتوب إليك 🌿
------------------------------------------------------------
📖 المراجع :-
(٢) قصة يوشع بن نون / قصص الأنبياء/ مدونة القصص لأبي صلاح.
(٣) جامع البيان الطبري (٣٠٩/١٥)