الجمعة، 18 أكتوبر 2024

آية ٦٠ : ٦٤ - سورة الكهف

 🌿 ﷽ { وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِفَتَاهُ لَا أَبْرَحُ حَتَّىٰ أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا ۝٦٠ فَلَمَّا بَلَغَا مَجْمَعَ بَيْنِهِمَا نَسِيَا حُوتَهُمَا فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ سَرَبًا ۝٦١ فَلَمَّا جَاوَزَا قَالَ لِفَتَاهُ آتِنَا غَدَاءَنَا لَقَدْ لَقِينَا مِن سَفَرِنَا هَٰذَا نَصَبًا ۝٦٢ قَالَ أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَمَا أَنسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ ۚ وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَبًا ۝٦٣ قَالَ ذَٰلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ ۚ فَارْتَدَّا عَلَىٰ آثَارِهِمَا قَصَصًا ۝٦٤ } 🌿

✍️ قام موسى عليه السلام فخطب في قومه فذكّرهم و وعظهم ، حتى انخرطت أعينهم في البكاء ، و كان عليه السلام على علم عظيم ، فعجب أحدهم من شدة علم موسى عليه السلام ، فسأله : هل في الأرض أعلم منك !! ، أو من أعلم أهل الأرض!! ، فأجابه عليه السلام : لا ، و أنه هو أعلم أهل الأرض ، فعاتبه المولى ﷻ في ذلك ، إذ لم يرجع الفضل لله تعالى .

✍️ و أمره الله ﷻ أن يمضي حتى يبلغ مجمع البحرين ، فهناك سيجد عبداً من عباد الله ﷻ ؛ هو الخضر عليه السلام ، و عنده من العلم ما هو أكبر من علمه ؛ أي موسى .

✍️ و أمره الله ﷻ أن يأخذ معه حوت ؛ أي سمكة عظيمة ، و أوحى إليه أنّ آية ملاقاته أن يضيع منه حوته و يفقده ، فأخذ موسى معه فتاه عليهما السلام ، و أخذا الحوت في زمبيل أو مكتل و انطلقا به ، كما جاء من خبر هذه القصة في الصحيحين. (١) 

✍️ { وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِفَتَاهُ } و موسى المعني هاهنا ؛ هو كليم الله موسى عليه السلام بلا ريب ، رسول رب العالمين إلى بني إسرائيل ، و من قال بخلاف ذلك فقد افترى على الله كذباً ، و فتاه هو يوشع بن نون عليه السلام (٢) كما قال ابن عباس رضي الله عنهما . (١) 

✍️ { لَا أَبْرَحُ حَتَّىٰ أَبْلُغَ } أي لا أزال أواصل و أتابع السير حتى أصل إلى { مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ } أي مكان إلتقائهما ، و تعددت الأقوال في هذا المكان و أين يقع (٣) ، فقيل أنّه بحر فارس (الخليج العربي) و بحر الروم (البحر المتوسط) ، و قيل أنّه بحر القلزم (البحر الأحمر) و بحر الأردن (البحر الميت).  

✍️ و قيل بحر الكر (بحر قزوين) و الرس (البحر الميت) ، و قيل طنجة في أقصى المغرب حيث التقاء البحر المتوسط بالمحيط عند مضيق جبل طارق ، و قيل بحر العرب و البحر الأحمر عند مضيق باب المندب ، و قيل خليجي السويس و العقبة حيث يلتقيان بمنطقة رأس محمد .

✍️ و من بين ذلك كله أكاد أن أركن قليلاً إلى الرأيين الأخيرين ، و ذلك لسببين ؛ أولاً البحار التي ذكرت في الآراء الأخرى يفصلهما مساحات شاسعة من اليابسة ، ممّا يجعل صفة مجمع البحرين لا تليق بأي منهم . 

✍️و ثانياً المسافة إلى أي من البحار المذكورة في الآراء الأخرى ؛ كبيرة جداً على أن يقطعها موسى و فتاه عليهما السلام سيراً على الأقدام ، و الله أعلى و أعلم.

✍️ { أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا } أي حتى لو مكثت أتابع المسير حقباً متتابعة من الزمن ، و هذا لا يدل إلا على عظيم إيمان نبي الله موسى عليه السلام ، و امتثاله لطاعة أوامر الله ﷻ ، فانظر كيف يؤثر طاعة الله ﷻ على نفسه ، فدلّ كلامه عليه السلام أنّه على أتم الاستعداد أن يمضي حقباً و يفني نفسه طاعةً لله ﷻ.

✍️ { فَلَمَّا بَلَغَا مَجْمَعَ بَيْنِهِمَا } أي وصلا إلى مرادهما و المكان الذي يبغيان ، أويا إلى صخرة للراحة من بعد مشقة المسير ، و غلبهما النوم فناما { نَسِيَا حُوتَهُمَا } أي تركاه ، و ينسب النسيان لكليهما عليهما السلام بالرغم من أنّ يوشع عليه السلام وحده كان حامله ، و ذلك لأنهما سواء في التزود به للمسير ، لذلك فالنسيان ينسب لكليهما.

✍️ و الحوت في المعاجم العربية (٤) هو السمك ؛ خاصةً ما عظم حجمه منه ، و الجمع حيتان و أحوتة ، و منه المحاوتة أي المراوغة ، و الحَوَتَان أي الحَوَمَان حول الشيء ، الحوتاء أي الضخمة الخاصرة ، و الطرية اللحم.

✍️ و من مجموع ذلك ستجد أنّ الكائن إذا ما وصف بلفظ "حوت" ، فسوف يكون لديه القدرة على المراوغة و الحومان ، و كذلك سوف يتسم بضخامة الوسط و طراوة اللحم ، كما هو الوصف بالنسبة للأسماك خاصةً كبيرة الحجم منهم.

✍️ و ليس هناك تعارض بين الرأيين اللذين اخترتهما في تأويل مجمع البحرين ، و بين وجود أسماك بهذا الحجم ، ففي بحر العرب و البحر الأحمر أسماك كثيرة عملاقة ؛ مثل أسماك الهامور و أسماك شمس المحيط و أسماك نابليون.

✍️ { فَاتَّخَذَ } أي الحوت ، حيث دبت فيه الحياة مرة أخرى ، لقد أحياه الذي أنشأ و أحيا كل شيء ، و هو بكل خلق عليم ، سبحانه و كان ذلك عليه يسير ، { فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ } أي مسلكه { فِي الْبَحْرِ سَرَبًا } أي ذهب و انصرف فيه .

✍️ { فَلَمَّا جَاوَزَا } و أكملا المسير بعد مكان الصخرة { قَالَ } موسى عليه السلام { لِفَتَاهُ } يوشع بن نون عليه السلام { آتِنَا غَدَاءَنَا } و الغداء ما يعد للأكل غدوةً ، كما أنّ العشاء ما يعد للأكل عشيةً { لَقَدْ لَقِينَا مِن سَفَرِنَا هَٰذَا نَصَبًا } أي عناءاً و تعباً .

✍️ الشعور بالتعب هو ما دفع موسى عليه السلام للتسائل و التفكر في كونهما قد جاوزا المكان المقصود ، لأن التعب لا يصيب العبد ما دام في طاعة الله ﷻ و يؤدي ما كلفه به (٥) ، { قَالَ } أي يوشع عليه السلام { أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ } أي تركته { وَمَا أَنسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ ۚ } أن أذكره لك و أخبرك بأمره ، { وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ } و هذا دليل على فطنته ، إذ لم يظنّ أنّه سرق أو اختطفه طير ، إنما لاحظ ذلك من أثر انصرافه إلى البحر. 

✍️  { وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَبًا } فكان هذا أمراً عجيباً ليوشع عليه السلام ، أمّا بالنسبة لموسى عليه السلام لم يكن أمر الحوت عحباً ، فقد نبأه بذلك العليم الخبير ، و أنها الآبة و العلامة التي سيجد عندها الخضر عليه السلام ، لذلك قال : { قَالَ ذَٰلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ ۚ } أي هذا ما كنّا نريد ، { فَارْتَدَّا عَلَىٰ آثَارِهِمَا قَصَصًا } أي رجعا تجاه الصخرة ، و هما يقتصان أثرهما .

🌿 سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت ، أستغفرك و أتوب إليك 🌿 

------------------------------------------------------------

📖 المراجع :-

(١) صحيح البخاري (١٢٢ ، ٤٧٢٥ ، ٤٧٢٦ ، ٤٧٢٧) ، و صحيح مسلم (٢٣٨٠).
(٢) قصة يوشع بن نون / قصص الأنبياء/ مدونة القصص لأبي صلاح
(٣) جامع البيان الطبري (٣٠٩/١٥)
(٤) انظر المحكم و المحيط الأعظم لابن سيده (٤٩٣/٣) ، و القاموس المحيط الفيروز آبادي (ص١٥٠) ، و لسان العرب لابن منظور (٤٦٤/١).