الاثنين، 16 ديسمبر 2024

آية ٢٩ - سورة فصلت

🌿 { وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا رَبَّنَا أَرِنَا الَّذَيْنِ أَضَلَّانَا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ نَجْعَلْهُمَا تَحْتَ أَقْدَامِنَا لِيَكُونَا مِنَ الْأَسْفَلِينَ } 🌿

✍️ { وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا } أي ماتوا على الكفر و ادخلوا فخلدوا في جهنّم بسبب ذلك ، { رَبَّنَا أَرِنَا الَّذَيْنِ أَضَلَّانَا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ } ، و طلب أهل جهنّم هذا لا يدل إلا على شدّة مقتهم للّذين أضلوهم ، إذ يريدوا أن يجعلوهما تحت أقدامهم في جهنّم حتى يكون لهما النصيب الأكبر من العذاب.

✍️و { الَّذَيْنِ } بتشديد اللام ، هو اسم موصول للمثنى المذكر (اللذين) ، و اسم الموصول يستخدم لتحديد شيء معين عاقل أو غير عاقل ، و (اللذين) يراد بها الشياطين الذين أضلوا أهل جهنّم ، و جاءت بصيغة المثنى لأنهما جنسين الجن و الإنس ، و الله أعلم.

✍️ أو تحديداً يراد بها ؛ أيّ (اللذين) ، شيطانين بعينهما ، أحدهما من الجنّ و الآخر من الإنس ، و شيطان الجنّ الأكبر هو إبليس بلا أدنى ريب ، أمّا شيطان الإنس فقيل في تأويله أنّه قابيل (ابن آدم عليه السلام) الذي قتل أخيه ، و ذلك لأنّه أول من سنّ القتل ، و له كفل في آثم كل مَن قتل مِن بعده . (١)

✍️ و هذا التفسير رُوي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه ، و لم أجد فيما رُوي عنه رضي الله عنه في هذا الصدد سنداً صالحاً صحيحاً ، سوى الذي رواه محمد بن بشار عن سفيان الثوري ، عن عبدالرحمن بن مهدي عن سلمة بن كهيل عن مالك بن حصين عن أبيه (حصين بن عقبة) عن عليّ رضي الله عنه.

✍️و على صحة ذلك فإنّ هذا الخبر يُروى عن عليّ رضي الله عنه ، موقوفاً و ليس مرفوعاً ؛ أي لم يسمعه من النبي ﷺ ، فمن صحابة رسول الله ﷺ ، مَن حدّث عن بني إسرائيل ؛ قطعاً على علم ، فنقلوا عنهم ما لا يتعارض مع كتاب الله ﷻ و سنة نبيه ﷺ ، و عليٌ رضي الله عنه ممّن حدّثوا عنهم. (٢) 

✍️ و يبقى جميع ما نقل من الإسرائيليات مصنف تحت قول النبي ﷺ : " لا تُصَدِّقُوا أهْلَ الكِتَابِ ولا تُكَذِّبُوهُمْ وقُولوا: {آمَنَّا باللَّهِ وما أُنْزِلَ} " (٣) ، و هذا التفسير لا يستثنى من ذلك ، أي أنّه من إجتهاد علي رضي الله عنه و رأيه و قناعته الشخصية .

✍️ و ممّا لا شك فيه أنّ القتل من أكبر الكبائر ، فهو بعد الشرك و السحر في السبع الموبقات (٤) ، و ذكر مقروناً بالشرك في القرآن الكريم (٥) ، لكن كبائر الذنب و حتى القتل لا تتسبب في خلود مرتكبها أبدياً في النار إن كان مؤمناً (٦) ، فإن كان مؤمناً فيعذّب في النار فترة طويلة ثم يخرج بإذن الله ﷻ.

✍️من أجل ما ذكرت لكم ، قد عارض بعض أهل العلم (٧) هذا التفسير ؛ و الحق أقول لكم أني أركن إلى معارضتهم هذه ، لأنّ طلب أهل جهنّم لمن أضلهم و تسبب لهم في هذا المصير المشئوم و الخلود الأبدي في جهنّم ، يدل على أنهم يطلبوا مَن أضلهم عقائدياً ، أي الذي أغواهم و دعاهم إلى الكفر ، لأنّ هذا ما يتسبب في الخلود الأبدي في جهنم ، و ليس الخلود و العذاب المؤقت و إن طال.

✍️ و هذا لا يستقيم مع التفسير القائل بأنّ المقصود في الآية المباركة قابيل لأنّه سنّ لهم القتل بغير حق ، لأنّ القتل و إن عظم قبحه ، لا يخلد مقترفه أبدياً في جهنّم إن كان مؤمناً ،  كما بينّا في الفقرات السابقة ؛ من أراء و فتاوى الفقهاء .

✍️ و لكن الأولى بهذا الوصف الدجّال الأعور ، الذي يخرج قبل القيامة و يضل الناس و يفتنهم ، و كنت قد كتبت عدّة مقالات و بينت لكم مدى قدم فتنته و إغوائه للناس (٨) ، و ذلك بمساعدة أعوانه الذين يتواصل معهم إما عن طريق شياطين الجنّ و إما عن طريق الذين وصلوا لجزيرته و فتنوا به و اتبعوه.

✍️ و قد يعارض البعض ذلك ، ظناً في أنّ فتنة الدجّال الأعور ، لا تخص أهل جهنمّ جميعاً و إنما أهل آخر الزمان منهم ، و في الآية الكريمة التي هي محل تدبرنا ، الطلب عام من أهل جهنم جميعاً.

✍️ و الرد على ذلك أنك لو تدبرت ما كتبت من قبل في خبر الدجال و فتنته ، لتجدنّ أنّها قديمة قدم أقدم الحضارات التي نعرف و الدليل على ذلك أمرين ؛ أولهما أنّ نوحاً عليه السلام حذر قومه منه ، و ثانيهما أنّ الإدعاء الباطل بالبنوة لله ﷻ ، قديم قدم الحضارات التي نعرف.

✍️ الخلاصة أنّ الذي أرجحه في تفسير الآية المباركة أن الشياطنين المعنيين هما ؛ إبليس شيطان الجنّ الأكبر و الدجّال شيطان الإنس الأكبر ، و الله تعالى أعلى و أعلم.

🌿 سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك و أتوب إليك 🌿 

------------------------------------------------------------

📖 المراجع :-

(١) صحيح البخاري (٣٣٣٥) ، صحيح مسلم (١٦٧٧)
(٢) أرشيف ملتقى أهل الحديث (١٩٩/١٠)
(٣) صحيح البخاري (٤٤٨٥ ، ٧٥٤٢)
(٤) صحيح البخاري ( ٢٧٦٦ ، ٦٨٥٧) - صحيح مسلم (٨٩)
(٥) آية ٦٨ - سورة الفرقان 
(٦) فتاوى الشبكة الإسلامية ( ١٩٤٠، ٣٦٨٣٥، ٣٦٨٥٨، ٤٨٧٧٤، ٥٧٩٩٨ ) - فتاوى نور على نور - بعناية الشويعر (١٦٧/١٤) - فتاوى ابن تيمية (٧٥٦/١) - فتاوى اللجنة الدائمة (٧٣١/١).
(٧) المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز لابن عطية (١٣/٥)
(٨) انظر مدونة القصص لأبي صلاح / الفتن / مقال الدجال و الفتنة الأعظم كما لم تعرفها من قبل ، مقال رحلة تميم و فتنة الدجّال ، مقال الجزيرة - فتنة الدجّال - و انظر أيضاً مدونة السيرة لأبي صلاح / من أنوار رسول الله ﷺ / فتنة ابن صيّاد - دوبلير الدجّال