🌿 ﷽ [ وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا ١ وَالْقَمَرِ إِذَا تَلَاهَا ٢ وَالنَّهَارِ إِذَا جَلَّاهَا ٣ وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا ٤ وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا ٥ وَالْأَرْضِ وَمَا طَحَاهَا ٦ وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا ٧ فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا ٨ قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا ٩ وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا ] 🌿
✍️ جاءت هذه الآيات الكريمة في سياق قسمٍ متدرّج، يبدأ بما تُبصره العين، وينتهي بما يُبصر به الإنسان كلَّ شيء.
✍️ فابتدأ القسم بالشمس وضحاها، والقمر إذا تلاها، والنهار إذا جلاها، والليل إذا يغشاها؛ وهي ظواهر كونية يشترك في إدراكها الناس كافة، لا تحتاج إلى برهان ولا إلى تعليم.
✍️ ثم انتقل السياق إلى السماء وما بناها، والأرض وما طحاها؛ وهنا لا يعود الخطاب إلى المشهد، بل إلى البنية التي لولاها ما وُجد المشهد أصلًا.
✍️ فالشمس لا تُرى إلا في سماء، والليل لا يكون إلا على أرض، وما كان للأثر أن يظهر لولا الأصل.
✍️ ثم جاء الانتقال الذي يلفت النظر، ويستوقف المتدبّر: [ وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا ] حيث يبرز التساؤل:
⚡ لماذا لحق ذلك قوله تعالى: [ وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا ٧ فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا ] ؟
⚡ ما المعجز في خلق النفس حتى تكون تتمّةً لهذه الآيات العظام؟
✍️ علمًا بأنَّ القرآن الكريم أكَّد على أن خلق السماوات والأرض أكبر من خلق الناس. (١)
✍️ والحقيقة لا تعارض في كتاب الله تعالى ولا اختلاف، حاشاه، ولكن لكل مقام مقال... فسياق سورة الشمس يختلف عن سياق سورة غافر، في أنه ليس سياق مقارنة في العِظم، بل في موضع الابتلاء.
✍️توصلت الدراسات الحديثة إلى أن الإنسان، يتخذ قراره ويصدر سلوكه من اللاوعي، ثم يأتي دور الدماغ بعد ذلك في تبرير السلوك وتحليله.
✍️ وهذا اللاوعي ليس وليد لحظة، بل نابع من تاريخ طويل وتراكمات ممتدة: تجارب، وصفات متوارثة، جينات، ومعانٍ تُستنبط بطرق تختلف من شخص لآخر.
✍️ وهنا تتجلّى دقة اللفظ القرآني، إذ قال: ﴿وَمَا سَوَّاهَا﴾ لا خلقها فحسب، بل سوّاها.... أي أنها بناءٌ متكامل، سلسال طويل معقّد من جينات وصفات متوارثة عبر أجيال متعاقبة.
✍️ ثم قال : ﴿فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾ ولم يقل: أو تقواها، لأن النفس البشرية هنا محلّ تقاطع الاثنين، ولا يرث أحدٌ أحدَهما دون الآخر.
✍️ فالفكرة التي تطاردك فجأة وتلحّ عليك، ليست طارئة ولا معزولة، بل نتيجة حتمية لسلسلة طويلة من الصفات الوراثية والتفاعلات الكيميائية والعصبية في دماغك، سواء كانت فجورًا أو تقوى.
✍️ لذلك لم يُسقط القرآن المسؤولية، بل أجّلها إلى موضع آخر، إذ لم يُعلّق الفلاح على الإلهام، ولا على الخِلقة، ولا على التسوية. بل قال سبحانه: [ قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا ٩ وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا ]
✍️ فالمؤاخذة ليست على ورود الخاطر، بل على تبنّيه. وليست على وجود الميل، بل على رعايته أو كبحه.
✍️ وهنا يظهر وجه الامتحان، ويتبيّن الفرق بين من يفهم نفسه، ومن يبرّرها.
✍️ فالنفس آية، لا لأنها طاهرة، ولا لأنها مستقيمة، ولا لأنها بسيطة، بل لأنها قابلة، ومُخيَّرة، وأعقد مما يُرى.
🌿 سُبحانك اللهم وبحمدك، نشهد أن لا إله إلا أنت، نستغفرك ونتوب إليك 🌿
-------------------
📚 المراجع
(١)آية ٥٧ - سورة غافر.