السبت، 8 فبراير 2025

آية ٥٩ ـ سورة الأنفال

🌿 ﷽ { وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَبَقُوا ۚ إِنَّهُمْ لَا يُعْجِزُونَ } 🌿

✍️ { وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَبَقُوا } أي لا ينبغي لأولئك الكفرة الفجرة أن يحسبوا أنهم أفلتوا من عذاب الله ﷻ ، { إِنَّهُمْ لَا يُعْجِزُونَ } أي لا يزالون تحت قهر قدر الله ﷻ و متناول سلطانه.

✍️ و حيث أننا نحيا حقبة الذكاء الاصطناعي وجب تبيان هذا المعنى بصورة أكبر ، فالبعض يظنّ أننا بلغنا من العلم مبلغاً عظيماً ، و كأنّ ذكائهم المصطنع صار آلهاً لا يقهر ، و العياذ بالله. 

✍️ فيقول البعض أننا خلقنا الوحش الذي لا يُقهر ، و يبالغون قائلين أننا ربيناه صغيراً حتى إذا  ما كبر فإنه سوف يأكلنا جميعاً ، و لله المثل الأعلى ، سبحانه ، لكن و ما الذكاء الاصطناعي بجانب قدر الله تعالى و قدرته !!

✍️ إنّ ذكائهم المصطنع هذا يعتمد بشكل كبير على إحباط خطتك للانتصار عليك ، فجرّب في أي مبارزة بينك و بينه ، خاصة في الألعاب و الرياضات الذهنية ، ستجده يسارع بإحباط أي مخطط لك و أي محاولة منك للسيطرة على الوضع.

✍️ أو بمعنى آخر لن يجاريك و يعطيك الفرصة و يترك لك الحرية حتى تحقق الوضع الذي تريد من الأساس ، لأنّه لن يفور إذا سيطرت أنت و أصبحت المسألة مجرد حسابات محتومة ، و أكبر دليل على ذلك أنك لو وضعته في وضع خاسر و أمكنت منه ، فإنّه سوف يخسر .

✍️ أمّا الأقدار فلا يسري عليها هذا المنطق ، و لا تنطبق عليها حساباتنا و لا تحدها ضيق قوانين علومنا القليلة ، إنما هي من تدبير الحكيم العليم الخبير ، سبحانه.

✍️ لذلك يتحدى المولى ﷻ أولئك في كتابه الكريم قائلاً: { وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا سَنَسْتَدْرِجُهُم مِّنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ ۝١٨٢ وَأُمْلِي لَهُمْ ۚ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ } (١) ، و كذلك قال ﷻ : { فَذَرْنِي وَمَن يُكَذِّبُ بِهَٰذَا الْحَدِيثِ ۖ سَنَسْتَدْرِجُهُم مِّنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ ۝٤٤ وَأُمْلِي لَهُمْ ۚ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ }. (٢)

✍️ و هلمّ سوياً نتأمل ذلك في قصص الأولين ، إنّ وضع موسى عليه السلام و من معه مقارنةً بما لفرعون ، هو موقف ضعيف و بمنطقنا و حساباتنا سوف تحسم التوقعات أنّ الغلبة لفرعون و جنوده.

✍️ و لكن بالنسبة المولى ﷻ لم يكن الأمر كذلك ، فقال ﷻ: { وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ } (٣) ، فهل هذا ما وقع أم أصابت توقعاتنا !!

✍️ لا و الله قدر الله ﷻ هو ما وقع ، و قال تعالى : { وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا ۖ وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنَىٰ عَلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُوا ۖ وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ }.

✍️ و لئن تأملت كيف تلاعبت الأقدار بفرعون و آله ، لتقفنّ عاجزاً مذهولاً أمام هذا التدبير العظيم ، فالقدر لم يتعامل مع الوضع بالمنطق الذي نعرف أو بطريقة الذكاء الاصطناعي ، كلا البتة ، إنما أفلت زمام الأمر لفرعون و من معه ، و أفسح لهم المجال حتى يفعلوا ما شاؤوا .

✍️ لقد كان المولى ﷻ قادراً أن يأخذ فرعون أخذ عزيز مقتدر منذ أن كذّب موسى عليه السلام أول مرة ، لكنه ﷻ تركه يكذّب و يفجر و يعذّب المؤمنين و يفتنهم عن دينهم.

✍️ كان المولى ﷻ قادراً أن يخسف بفرعون بينما يقول أنا ربكم الأعلى و ما علمت لكم من إله غيري ، لكنه ﷻ أمهله !! كان المولى ﷻ قادراً أن يُفني فرعون و جنوده قبل أن يحشرهم أو قبل أن يدركوا موسى عليه السلام و من معه ، لكنه ﷻ تركهم !! 

✍️ كان المولى ﷻ قادراً أن ينبأ موسى عليه السلام بشق البحر بالعصا قبل وصوله إليه ، و لكنه ﷻ أخرهم على عند الساحل على علم ، و ذلك حتى يدنو فرعون و جنوده منهم و يلاحقوهم حتى في قاع البحر ، { وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ الْآخَرِينَ }. (٥)

✍️ إنّ وضع فرعون كان رابحاً على كافة الاحتمالات ، لكن فجأة ينهزم فرعون و تغمره الماء ، فيغرق و كل من معه ، و تنسدل الستائر على قصته إلى يوم الدين.

⚡ أين ذكائكم المصطنع من هذا !! أم تقولون أن محمّداً ﷺ خرج مهاجراً من مكة قبل أن يدركه كفار قريش !؟ ألم يقفوا ببابه و يحاصروا بيته ، و رغم ذلك خرج من بينهم سالماً !؟

✍️ و ذلك لئلا يكون للناس على الله تعالى حجّة ، فقد أمهلهم رأفة منه و رحمة ، عسى أن يرجعوا عن كفرهم و ظلمهم و أن يتوبوا إليه ، و لكن إذا بلغوا أجلهم أخذهم ، فإذا أخذهم لم يفلتهم { إِنَّهُمْ لَا يُعْجِزُونَ }.

🌿 سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك و أتوب إليك 🌿 

----------------------------------------------------------

📖 المراجع :-

(١) آية ١٨٢ ، ١٨٣ - سورة الأعراف
(٢) آية ٤٤ ، ٤٥ - سورة القلم
(٣) آية ٥ - سورة القصص
(٤) آية ١٣٧ - سورة الأعراف
(٥) آية ٦٤ - سورة الشعراء