🌿 ﷽ ﴿ وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتَادِ ﴾ 🌿
✍️ شاع في كتب التفسير والوعظ تفسيرُ وصف فرعون بـ «ذي الأوتاد» على أن المراد به المسلات أو الأبنية الضخمة التي اشتهرت بها الحضارة المصرية القديمة، باعتبارها أعمدة أو أوتادًا معمارية، يُشدّ بها الملك، أو تُثبَّت بها أركان دولته.
✍️ غير أن هذا التفسير – مع ذيوعه – لا يخلو من إشكالٍ لغويٍّ وسياقيٍّ وشرعي، ويحتاج إلى إعادة نظر، خاصة عند جمع النصوص القرآنية بعضها إلى بعض، وردّ المتشابه إلى المحكم.
✍️ الوتد في لسان العرب:
هو ما يُدقُّ في الأرض ليُثبَّت به الشيء قهرًا، كوتد الخيمة، ويُستعمل في معنى الإحكام بالقوة، لا في مطلق العمود أو النصب (١).
✍️ قال ابن منظور: «الوتد: ما أُدخل في الأرض ليُشدّ به، ومنه أوتاد الخيام، ويُستعار للقهر والتثبيت» (٢).
✍️ وقال الراغب الأصفهاني: «الوتد ما يُثبَّت به الشيء تثبيتًا لا اختيار فيه» (٣).
✍️ وعليه، فالوتد ليس مجرد قائمٍ مرتفع، بل أداة تثبيت قهري، يُضرب ويُدق، ويقترن غالبًا بالإيذاء أو الإحكام.
✍️ أما من فسر الأوتاد بالمسلات في مصر القديمة، فقد اختلط عليه الأمر وجانبه، لأن المسلّة – لغةً ووظيفةً – نُصب تذكاري رمزي، لا يُدق في الأجساد، ولا يُستعمل أداة تعذيب، ولا يُسمّى وتدًا في كلام العرب، لا حقيقة ولا مجازًا.
✍️ كما أن المسلات لم تكن حكرًا على فرعون موسى، بل عُرفت في عصور لاحقة، فلا يصح تخصيص الوصف بها دون نص.
✍️ ثم إن السياق في سورة الفجر سياق تعداد لصور الطغيان والبطش، لا لسرد منجزات معمارية:-
عاد: طغيان بالقوة والملك، ثمود: طغيان بالقوة والعمران، فرعون: طغيان بالبطش، فلو كان المراد المعمار، لكان أولى أن يُذكر مع عاد وثمود، لا مفصولًا عنهما.
✍️ جاء في قصة موسى عليه السلام، على لسان فرعون، قوله تعالى:
﴿ لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُم مِّنْ خِلَافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ ﴾ (٤)
✍️ والصلب لا يكون إلا بالتثبيت القهري، وغالبًا بالأوتاد، إذ يُشدّ المصلوب أو يُربط أو يُدقّ ليبقى معلقًا.
✍️ فاقتران فرعون بالصلب في نصٍّ صريح، يفسّر وصفه بـ ذي الأوتاد تفسيرًا مباشرًا غير متكلّف.
✍️ كما ثبت عن النبي ﷺ في وصف عذاب امرأة فرعون، أنها كانت تُعذَّب بأشد أنواع التعذيب، حتى ماتت صابرة محتسبة.
✍️ وفي بعض الروايات – وإن كان في أسانيدها مقال – أن فرعون أمر بربطها وتثبيتها تحت العذاب حتى الموت (٥).
✍️ وقد ذكر غير واحد من أهل العلم أن تعذيبها كان من جنس تعذيب المصلوبين والمشدودين، وهو ما ينسجم مع وصف فرعون بالأوتاد، أي: آلات التعذيب والتثبيت.
✍️ وقد رجح أهل العلم والتفسير هذا الرأي، فذكر الطبري أن من أقوال السلف في الأوتاد: أنها أوتاد التعذيب التي كان يعذّب بها الناس (٦).
✍️ ونقل القرطبي هذا القول، وذكر أن فرعون كان يُعذّب بالأوتاد، يمدّ الرجل ويشدّه ويثبّته (٧).
✍️ وذكر ابن كثير أن الأوتاد قيل فيها: «كان يعذّب الناس بالأوتاد، وقيل: كان له جنود كثيرون يثبتون ملكه» ثم رجح أن اللفظ يدل على البطش والقهر (٨).
✍️ ولم يثبت عن أحد من السلف تفسير صريح معتبر يجعل الأوتاد = المسلات.
✍️ وبذلك يظهر أن التفسير الشائع الذي يربط الأوتاد بالمسلات تفسيرٌ متأخرٌ رمزيٌّ، لا يقوم على نصٍّ ولا لغة، وأن الأولى حمل اللفظ على ما دلّ عليه القرآن نفسه.
🌿 سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك 🌿
---------------------------------
📖 المراجع:-
(١) لسان العرب – مادة (وتد).
(٢) لسان العرب – ابن منظور.
(٣) مفردات ألفاظ القرآن – الراغب الأصفهاني.
(٤) آية ١٢٤- سورة الأعراف.
(٥) مسند أحمد – باب فضائل امرأة فرعون (مع اختلاف الروايات).
(٦) تفسير الطبري – سورة الفجر.
(٧) الجامع لأحكام القرآن – القرطبي.
(٨) تفسير ابن كثير – سورة الفجر.