🌿 ﷽ [ وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ ۖ قَالُوا بَلَىٰ شَهِدْنَا ۛ أَن تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَٰذَا غَافِلِينَ ] 🌿
✍️ شاع في كتب التفسير والوعظ ما يُعرف بـ«عالم الذر»، على أنه عالمٌ غيبيٌّ أُخرجت فيه الناس من صلب آدم عليه السلام، وأُخذ عليها ميثاقٌ لفظيٌّ، ثم نُسِّي ذلك الميثاق، واستُدلّ على هذا الفهم بحديثٍ يُروى في تفسير هذه الآية (١).
غير أن هذا التصوّر – على شيوعه – ليس محلَّ إجماع، بل بُنِي على دليلٍ مختلفٍ في ثبوته، وفهمٍ معيّن للنصّ القرآني، يحتاج إلى إعادة نظر.
✍️ الحديث الذي عليه مدار هذا الفهم هو ما رُوي أن النبي ﷺ قال: «إن الله خلق آدم، ثم مسح ظهره فأخرج منه ذريته…» (٢)، وقد أخرجه الترمذي وأحمد والحاكم وغيرهم بألفاظ متقاربة.
✍️ غير أن هذا الحديث لم يُجمع على تصحيحه، بل وقع فيه خلافٌ معتبر بين أهل الحديث؛ فلم يُخرّجه البخاري ولا مسلم، مع شدة تعلّق المسألة بأصلٍ عقديٍّ عظيم، ولو ثبت عندهما لما أعرضا عنه (٣).
✍️ وقد توقف أو ضعّف الحديث عددٌ من أئمة النقد المتقدمين، منهم: أبو حاتم الرازي، حيث حكم على بعض طرقه بالنكارة (٤)، والدارقطني، وأشار إلى اضطراب رواياته (٥)، والبيهقي، وصرّح بأن الموقوف أصح من المرفوع (٦)، وابن عبد البر، وذكر أن أكثر أهل العلم على تضعيفه (٧).
✍️ كما أن ابن كثير – مع إيراده الحديث في تفسيره – لم يجزم بصحته، ونبّه إلى أن كثيرًا من تفاصيله مما يُشبه الإسرائيليات التي دخلت باب التفسير (٨).
✍️ ولم يُعرف تصحيحٌ صريح لهذا الحديث عند المتقدمين، وإنما جاء تصحيحه في العصر الحديث على يد الإمام الألباني رحمه الله (٩)، وهو اجتهادٌ يُحترم، لكن لا يرفع الخلاف السابق فيه، ولا يجعله قولًا مُلزِمًا.
✍️ وبناءً على ذلك، فإن تبنّي القول بعدم ثبوت هذا الحديث في باب «عالم الذر»، أو بعدم دلالته على مشهدٍ غيبيٍّ مستقل، هو تبنٍّ قائم على منهج نقدي معتبر، لا ردٌّ للسنة ولا إعراضٌ عنها.
✍️ وإذا ما دقننا النظر في قوله تعالى: ﴿ مِن بَنِي آدَمَ ﴾، لندن أن اللفظ صريح في أن الخطاب متوجّه إلى ذرية آدم، لا إلى آدم عليه السلام نفسه. ولو كان المراد آدم لقال: من آدم، وعدول القرآن عن ذلك مقصود (١٠).
✍️ ثم قال: ﴿ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ ﴾، فالضمير عائد على بني آدم، أي أن الذرية تُستخرج من ظهور الآباء، جيلًا بعد جيل، على سنن الخلق المعهود، لا في واقعة واحدة خارجة عن الزمان (١١).
✍️ وأما قوله: ﴿ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ ﴾، فالإشهاد هنا إشهاد فطري تكويني، جعله الله في بنية النفس الإنسانية، لا إشهاد سماعٍ ونطقٍ يُنسى، وهو ما ينسجم مع قوله تعالى: ﴿ فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا ﴾ (١٢).
✍️ وأسلوب ﴿ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَىٰ ﴾ هو أسلوب تقريرٍ وتأكيد، لا حكاية مشهدٍ تاريخي، كقوله تعالى: ﴿ قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ ﴾، والمراد تحقق المعنى لا وقوع الحوار اللفظي (١٣).
✍️ وقد قال بهذا التأويل الإمام السعدي رحمه الله (١٤)، وبيّن ابن عاشور أن الآية مسوقة لبيان قيام الحجة العامة على البشر، وأن الإشهاد المذكور هو إشهاد فطري يتجدّد مع وجود الإنسان، لا واقعة مخصوصة قبل الخلق (١٥).
✍️ وكذلك ذكر الرازي أن حمل الآية على الإشهاد الفطري أولى من حملها على مشهدٍ سابق، لأنه أوفق بسائر نصوص الوحي، وأبعد عن الإشكال (١٦).
✍️ ونقل القرطبي الخلاف في المسألة، وذكر أن جماعة من أهل العلم حملوا الآية على معنى الفطرة والبيان العام، لا على إخراج الأرواح ومخاطبتها (١٧).
✍️ ويظهر من مجموع ذلك أن «الميثاق» ليس حادثةً واحدة منقطعة، بل سُنّة إلهية مستمرة: يولد الإنسان على الفطرة، ثم تُقام عليه الحجة بإرسال الرسل.
✍️ وهذا يستوي تمامًا مع قوله تعالى: ﴿ وَإِن مِّن قَرْيَةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ ﴾ (١٨)،
وقوله: ﴿ رُّسُلًا مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ ﴾ (١٩).
✍️ فالفطرة إشهاد، والرسالة تذكير، وبهما تقوم الحجة، ويتحقق العدل، ولا يبقى للإنسان عذرٌ يوم القيامة.
🌿 سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك 🌿
----------------------------
📖 المراجع :-
(١) تفسير آية 172 – سورة الأعراف.
(٢) سنن الترمذي – كتاب تفسير القرآن – باب ومن سورة الأعراف.
(٣) صحيح البخاري، صحيح مسلم (عدم تخريج الحديث).
(٤) العلل لابن أبي حاتم.
(٥) علل الدارقطني.
(٦) السنن الكبرى للبيهقي – باب الميثاق.
(٧) التمهيد لابن عبد البر.
(٨) تفسير ابن كثير – سورة الأعراف.
(٩) السلسلة الصحيحة – الألباني.
(١٠) لسان العرب – مادة (بنو).
(١١) مفردات الراغب الأصفهاني – مادة (ظهر).
(١٢) آية 30 – سورة الروم.
(١٣) آية 11 – سورة فصلت.
(١٤) تفسير السعدي – سورة الأعراف.
(١٥) التحرير والتنوير – ابن عاشور.
(١٦) مفاتيح الغيب – الرازي.
(١٧) الجامع لأحكام القرآن – القرطبي.
(١٨) آية 24 – سورة فاطر.
(١٩) آية 165 – سورة النساء.