🌿 ﷽ { وَمَا هَٰذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ ۚ وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ ۚ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ } 🌿
✍️ إذا ما تأملت هذا التعبير القرآني البليغ ، لتجدنّه يحمل توكيداً على التأكيد ، "إنَّ" أداة توكيد ،واللام في "لَهِيَ" زيادة في التوكيد، أما "الحَيَوَانُ" فهي للمبالغة على وزن فَعَلان.
✍️ و التوظيف اللغوي لهذا الوزن يدل على الامتلاء من الصفة و التمام، مثل: "غضبان" للدلالة على الامتلاء من الغضب ، و كذلك "عطشان" لمن امتلأ عطشًا.
✍️ فيصف المولى ﷻ هاهنا الدار الآخرة بهذا الوزن دلالة الحياة الكاملة الحقيقية ، و التي تستوفي كل معاني الحياة ؛ دوامًا، وبهاءً، وسعةً، وصفاءً، وسرورًا لا ينقطع.
⚡ لكن إن كانت الآخرة هي التي توصف بأنها الحياة ، فما هذه التي نعيشها؟ أليست حياة ؟ ألم تصفها الآية الكريمة بالحياة الدنيا ؟ وإن كانت دنيا، لكنها حياة، أليس كذلك ؟
✍️ و الجواب بإذن الله، أن الدنيا شبه حياة، أو صورة ناقصة منها، تفتقر إلى كافة مقوّمات الاستقرار والطمأنينة ، لذلك وصفتها الآية المباركة أنها لعب و لهو .
✍️ و دوماً لا يصفها القرآن الكريم بالحياة إلا و تبعها دوماً بالاستثناء أو التقييد ، كما جاء في هذه الآية المباركة ، و كما في قوله تعالى: { اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ ۖ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا ۖ وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ ۚ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ }. (١)
✍️ و في هذا بيان لحقيقتها ، أنها شبه حياة ، لما يعتريها من نقص في كل شيء، و عجز في كل موضع.
✍️ و تأمل حالنا فيها ، نقضي ثلثها في النوم، وثلثًا آخر في الكدّ والتعب، وما يتبقى تمزّقه الحاجة، وتنهشه الأسقام، وتطوقه الهموم، وتحيط به المخاوف من كل جانب ،حتى ينتهي بنا الأمر إلى الانقطاع عنها و الموت.
✍️ و حال الدنيا عموماً ، نقص في كل شيء ، تأمل على سبيل المثال الفصول الأربعة ، الصيف طويل اليوم ، شديد الحرارة، ينهك الجسد، ويستنزف الطاقات.
✍️ و الشتاء القارس، و أمطاره تغلق الطرق و التهابات الحنجرة ، و أمراض البرد.
✍️و الربيع على قدر جماله الظاهري، تنتشر فيه حبوب اللقاح، وتزداد أمراض الحساسية والربو، ويكاد لا يمرّ على أحد دون مضاعفات صحية.
✍️و أما الخريف موسم الزوابع الترابية و الرياح الترابية ، فتجاهد حتى تستنشق الهواء و تتنفس.
✍️ و كل ما ترى فيها سعادة للنفس في هذه الدنيا، لا يخلو من نقص ؛ الطعام مثلًا، مهما كان مغذيًا له آثار جانبية و أضرار، فمثلاً الأطعمة الغنية بالحديد الذي يبني الجسم ، تسبب عسر الهضم.
✍️ فكل إفراط في الحرية يقابله غالبًا ضرر وفوضى، ما لم يضبط بضوابط الشرع والعقل ، و تأمل كل شيء في هذه الدنيا تجده مقيّد، منقوص، مشروط. لا اكتمال فيه و لا تمام.
✍️ لكن في الآخرة ؛ لا حرّ ولا برد، بل ظل ممدود، ونعيم مقيم ؛ لا نوم ولا كلال، بل حياة يقِظة نشطة لا تفتر ؛ لا نصب و لا وصب ، لا مرض، و لا ألم، لا خوف، و لا فقر، لا حزن، و لا قلق.
✍️ لا ضيق في الرزق، ولا قيد في الحركة، لا احتياج، ولا انتظار، ولا انقطاع.
✍️ حتى و إن أسرفت و أفرطت في كل شيء ، لأن كل ما فيها تام كامل، بلا نقص ولا منغّص، مبهج لا يزول، سرمدي لا ينقطع، حر خالص لا يشوبه قيد.
✍️ لذا استنكر المولى ﷻ من المنافقين و الكافرين ، في قوله ﷻ: { أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ }. (٢)
✍️ فمن ناحية حبهم و تمسكهم بالدنيا و تكالبهم و استماتهم عليها ، لا يتناسب مع صفتها و نقصها الشديد.
✍️ و من ناحية أخرى كفرهم بالآخرة و زهدهم فيها و اكتفائهم بشبه الحياة هذه ، لا يستوي أبداً مع عظيم الأجر في الدار الآخرة ، فالعجب العجاب من ظنهم.
🌿 سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك و اتوب اليك 🌿
-----------------------------------------------------------
المراجع :-
(١) آية ٢٠ - سورة الحديد
(٢) آية ٣٨ - سورة التوبة