الاثنين، 4 مارس 2024

آية ٢٥٨ - سورة البقرة

🌿 ﷽ [ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ ۖ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ ۗ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ] 🌿

✍️ [ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ ] أسلوب تعجب غرضه الإستنڪار ، و المعنى عجباً من الذي حاج إبراهيم عليه السلام في ربوبية الله ﷻ كفراً و جحوداً.

✍️ [ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ ] أهڪذا يشڪر نعم ربه !! أهڪذا يقابل فضل الله ﷻ عليه ، و ما وهبه من مُلك عظيم !!؟

✍️ و ذهب أهل التأويل أنّ المقصود في الآية الڪريمة ، هو النمرود مَلِك بابل ، و ڪان له المُلك الأظهر في الأرض بين أهل زمانه.

✍️ و في صفة ملڪه و مدى عظمه ؛ قال مجاهد رحمه الله : " ملك الأرض مشرقها و مغربها أربعة نفر ؛ مؤمنان و ڪافران ، فالمؤمنان ؛ سليمان بن داود و ذو القرنين ، و الڪافران ؛ بختنصر و نمرود بن ڪنعان ، لم يملڪها غيرهم"(١).

✍️ لمّا ذاع خبر إبراهيم عليه السلام ، و خاصةً لما حجّ عبدة النجوم (٢) ، و عبدة الأصنام (٣) أرادوا الانتقام منه و قتله ، فجاءوا به لهذا الملك الظالم المتجبّر ، و ڪان على نفس مّلتهم .

✍️ الأدهى أنّه إغتّر بمُلڪه حتى ظنّ نفسه إلٰهاً ، و في تبجح شديد وقف يحآجّ إبراهيم عليه السلام في ربوبية الله ﷻ ، و تبجح على ربّه و حاجّ إبراهيم عليه السلام و جادله لأنّه يقول ربي الله ، [ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ ].

✍️ و سولّ له ڪِبره و هيأ له ڪفره قياس نفسه مع الله سبحانه و تعالى ، [ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ ۖ  ] ، كأنّه أراد القول أنّ هذا أمراً هيناً ، و أنّه ؛ معاذ الله ، مثله مثل الله تعالى في ذلك ، فتجاهل المعنى الحقيقي للإحياء و الإماتة و أخذ بمعنى ظاهري. 

✍️ فظاهر المعنى الذي أخذ به هذا المذڪور ، لم يڪن إلا للسفسطة و ليس أڪثر ، فأراد أن يأخذ إبراهيم عليه السلام إلى مجادلة لا طائل منها ، لذلك حرّف الڪَلَم عن موضعه الحقيقي ، فحرّف الموت إلى الحكم بالموت ، و بدّل الإحياء بالعفو عمّن حُڪم عليه بالموت.

✍ فالمعنى الحقيقي للإحياء المرجو في قول إبراهيم عليه السلام هو إحياء الميت أو الإحياء من بعد الموت ، و ليس العفو على من حُڪم عليه بالموت ، و الموت المعنِّي في قوله عليه السلام ، هو قبض النفس و التفرقة بين الروح و الجسد ، و ليس مجرد الحُڪم عليها بالموت

✍️و بين كل منهم فارق عظيم ، فالأولى من قدرة الله العظيم ، و الثانية من فعل البشر ، فالمولى ﷻ إذا قدّر الحياة و النجاة لمن أرادوا موته ڪان أمره سبحانه قدراً مفعولاً.

✍️ و إن شاء سبحانه أحياه من بعد موته ، كقتيل بني إسرائيل في قصة البقرة مثلاً (٤) فڪان ما شاء الله تعالى ، و لڪن إذا أرادوا هم إخراج أحداً من غيابات الموت فهل يستطيعوا !!؟ أو هل يستطيعوا إحيائه من بعد ذلك !!؟ بل هم قوم يجهلون.

✍️ فطن إبراهيم عليه السلام إلى ما ترنو إليه هذه السفسطة و التي لا طائل من منازلته و مجاراته فيها ، فدحضه بقول واحد [ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ ].

✍️ ليس الإحياء و الموت فقط ، و إنّما قدرة الله ﷻ عظيمة ، و له سبحانه الڪمال المطلق ، و هذا من إيمان إبراهيم عليه السلام بربه ﷻ ، فڪان يقدر الله سبحانه حق قدره ، و ڪان يعلم يقيناً أنّ الله ﷻ هو القادر على ڪل شيء ، و أنّه سبحانه الخالق البارئ الحيّ القيّوم ؛ مدبّر شئون جميع الخلق و الأكوان.

✍️ و أفحمه إبراهيم عليه السلام  [ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ ۗ ] ؛ و ذلك بحجّة الشمس مسخرة بأمر ربها تسطع علينا من المشرق ، و تختفي عن ناظرينا في المغرب ، و إذا جاء أمر الله و شاء سبحانه أن تسطع علينا من المغرب لڪان ذلك .

✍️ و لو شاء الله تعالى لهداه و قومه بعد هذه الحجة البليغة ، و الله على ڪل شيء قدير ، لڪن [ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ] ، "ظالمين" لأنفسهم بتڪذيب الحق و إتباع الضلال ، و قد دلّ على هذا للمعنى قوله تعالى [ وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَٰكِن كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ] (٥).

✍️ فالڪافر لا يظلم إلا نفسه ؛ فتراه يُڪذّب البينات التي جاءته و الآيات التي يراها ؛ غروراً في الدنيا ، فيڪفر بربه و يختار بإرادته الخلود في النار ، فهل يستوي مثل هؤلاء مع مَن آمن و اتبع الحق لما جاءه !! 

✍️ و في هذه المساواة و هدايتهم بعد إصرارهم على هذا الڪفر و تڪذيب البيانات ، بخساً بحق المؤمن ، فقال الله ﷻ [ إِنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ مِّنْ عِبَادِي يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ ] (٦) ، و حاشا لله ، أن يقع ذلك من الله ﷻ العدل المطلق [ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِّلْعَبِيدِ ] (٧).

✍️ فائدة ؛

⚡ضرب الله تعالى لنا مثلاً لنرى ڪيف يثبّت الذين آمنوا بالقول و العمل الصالح ، هو وليّهم سبحانه ، يخرجهم من الظلمات إلى النور بإذنه ، أمّا الذين كفروا و عبدوا الطاغوت في الظلمات غارقون.

⚡الآن تعلمت ڪيف تدحض حجتهم فلا تهن ، الآن تعلمت ڪيف ترد على أباطيلهم فلا تهن ، الآن تعلمت ڪيف الثبات على الإيمان فلا ترڪن إليهم .

🌿 سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت ، أستغفرك و أتوب إليك 🌿

------------------------------------------------------------
📖 المراجع :-
(١) تفسير الطبري (٤٣٣/٥)
(٢) انظر تفسير آية ٧٦ : ٧٩  - سورة الأنعام
(٣) انظر تفسير آية ٦٣ : ٦٧ - سورة الأنبياء
(٤) انظر تفسير آية ٧١ ، ٧٢ - سورة البقرة 
(٥) آية ١١٨ - سورة النحل 
(٦) آية ١٠٩ - سورة المؤمنون
(٦) آية ٥١ - سورة الأنفال