الأحد، 25 أغسطس 2024

آية ٨٢ - سورة الكهف

🌿 ﷽ [ وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنزٌ لَّهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَن يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنزَهُمَا رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ ۚ وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ۚ ذَٰلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِع عَّلَيْهِ صَبْرًا ] 🌿

✍️ [ وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ ] و أهل هذه المدينة كما وضحت لنا الآيات السابقة لا يتسمون بالإيمان و لا بالرحمة.

✍️ و لعلّك لاحظت أنّ الخضر عليه السلام سألهم جميعاً الضيافة أولاً قبل بناء الجدار ، حتى يستبين حالهم ، فالطعام ليس بالمشكلة العويصة حتى يسألا أهل القرية جميعاً ، خاصة مع الكريمين ؛ الخضر و موسى عليهما السلام.

✍️ فلو أرادا سألا الله ﷻ فرزقهما ، و لو أرادا لصبرا صبر الصائم ، و هذا عليهما يسير ، و ما بالك إذا علمت أنّ الخضر عليه السلام سمي خضراً لأنّه إذا جلس على فروة بيضاء اهتزت من خلفه و انبتت و اخضرت ، كما أخبرنا عنه رسول الله ﷺ (١).

✍️ إذن لم يكن الطعام أبداً هو المشكلة ، و إنما أراد أن يستبين حالهم ، لذلك لمّا أبوا أن يضيفوهما عزم بناء الجدار لحفظ كنز اليتيمين ، لأنّ مثل هؤلاء لن يرقبوا في مؤمن إلًاً و لا ذمّة ، بل سوف يسارعون لأكل مالهما و نهب كنزهما.

✍️ و لقد اختار الخضر عليه السلام الحل الأمثل لهذه المشكلة ، فلو أنّه عليه السلام كان قد اختار أن يخبرهما مثلاً ؛ لعجلا باستخراج الكنز ، و هما صغيران مستضعفان ثمّ لضاع أو سلب منهما.

✍️ و لو اختار عليه السلام مثلاً ترك الجدار على حاله لسقط يوماً ما ، و اكتشف أهل المدينة وجود الكنز و قطعا كانوا لن يرحموا ضعف هذين الصغيرين و كانوا سوف يستولون عليه .

✍️ [ وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا ] صلاح الآباء من حسن حظ الأبناء ، و كنت قد حدثتكم عن ذلك من قبل (٢) ، ليتنا جميعاً نتعلم هذا الدرس ، فتقوى الله ﷻ هي خير إرث نتركه لأبنائنا.

✍️ أما المال و السلطة كل هذا يزول و يفنى ، و عن ذلك قال المولى ﷻ : [ وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا ] (٣).

✍️ [ فَأَرَادَ رَبُّكَ أَن يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنزَهُمَا رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ ] و هذه المرة قال الخضر عليه السلام [ فَأَرَادَ رَبُّكَ ] لأن عواقب تصرفه هذه المرة ستتحقق على أمد بعيد ، و ذلك حتى يشب اليتيمان و يكبرا و يبلغا أشدهما و يستخرجا كنزهما. 

✍️ فالحافظ هو الله ﷻ و هو وحده القادر على حفظهما و حفظ الكنز لهما حتى ذلك الحين ، [ رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ ] و هذه صورة من صور رحمة الله ﷻ بعباده ، سبحانه.

✍️ [ وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ۚ ذَٰلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِع عَّلَيْهِ صَبْرًا ] قول حق ، و فوق كل ذي علم عليم ، فمَن نبأ الخضر عليه السلام عن الملك الذي يأخذ كل سفينة غصباً !! مَن نبأه أنّ الغلام مطبوع على الكفر و أنّه سيرهق أبويه المؤمنين !! من نبأه عن كنز اليتيمان و أنّ أبوهما كان صالحاً !! 

✍️ سبحانه و من سواه ، العليم الحكيم ﷻ ، و الفضل دائماً يرجع لله ﷻ ، كل شيء بمشيئته و علمه ، و ختم كلامه مخففاً فقال (تسطع) ، و هذا من عظيم بلاغة القول ، فكما خفف عنه و أخبره عن نأويل خبر السفينة و الغلام و الجدار ، خفف عنه أيضاً في اللفظ فقال (تسطع) .

🌿 سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت ، أستغفرك و أتوب إليك 🌿 

------------------------------------------------------------

📖 المراجع :-

(١) صحيح البخاري (٣٤٠٢)
(٢) انظر تفسير آية ٢ ، ٣ - سورة الإسراء.
(٣) آية ٩ - سورة النساء.